شرح كتاب الطهارة  33

شرح كتاب الطهارة 33

الدرس في شرح كتاب الطهارة 33، الدرس الثالث والثلاثون (قال أحمد:يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية ... وابتداء مدة المسح بعد اللبس إلى مثله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شروط المسح على الجوارب والملحقات

يشرح المقطع شروط المسح على الجوربين والجرموق واللفائف، مع التركيز على شروط كل منها. يوضح أن الجورب يجب أن يكون صفيقا ويثبت في القدمين.

أحكام المسح على الخفين والجبيرة

يناقش المقطع أحكام المسح على الخفين والجبيرة في الوضوء، موضحا أن المسح على الخفين يختص بالطهارة الصغرى، بينما الجبيرة يمكن المسح عليها في الطهارة الكبرى أيضا.

مدة المسح على الخفين للمقيم والمسافر

يتناول المقطع تفاصيل مدة المسح على الخفين للمقيم والمسافر، ويشرح آراء الفقهاء في ذلك، مع التركيز على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في جواز التوسع في مدة المسح عند الضرورة.

ختام الدرس وتأجيل الباقي

يختتم الشيخ الدرس لضيق الوقت ويعد بتكملة الموضوع في درس قادم مع ترك مجال للأسئلة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما سبق الكلام عليه مما ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، من أحكام في باب المسح على الخفين في كتاب الطهارة. وتتمة لما قرأناه في هذا الباب، قال رحمه الله تعالى: قال أحمد: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ويشترط في الجورب أن يكون صفيقا يستر القدم، وأن يثبت في القدمين، وأن يثبت في القدمين بنفسه من غير شد. والجورب ما يلبسه في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد. قوله رحمه الله: قال أحمد: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يريد بذلك أن يقرر أن ما نقل من خلاف في مسألة المسح على الجوربين، الراجح في هذا الخلاف هو مشروعية وجواز المسح على الجوربين. فإنه رويت فيه أحاديث كثيرة، ومر معنا بعض تلك الأحاديث. وقد أنف بعض أهل العلم في هذا رسالة خاصة، أي في المسح على الجوربين، وهو القاسم رحمه الله تعالى، وغيره من قبل ومن بعد. وللشيخ الألباني رحمه الله تحقيق لبعض تلك الرسائل، وبين فيها طرق وروايات الأحاديث الواردة في هذا المعنى. فهذه الأحاديث مجموعة تدل أن المسح على الجوربين له أصل، وأن من خالف في هذا فهو قوله مرجوح؛ لأن الدليل حج عليه. وقوله: ويشترط في الجورب أن يكون صفيقا يستر القدم، يريد رحمه الله أن من قال بالمسح على الجوربين ذكر أنه لا بد أن يكون له شرط أو شروط. وهذه الشروط في الحقيقة تدخل في معنى الشروط التي ذكرها العلماء في الخفين، وقد مرت معنا في الدرس السابق. فقوله: صفيقا يستر القدم، يريد لا يكون هذا الجورب رقيقا لا يحصل به الستر. فهو يريد أن يقول: وإن لم يكن من الجلد، فهو يقوم مقام الجلد. فالجورب له فوائد تقوم مقام الجلد مع خفته وسهولة استعماله، أي الجورب؛ لأنه يكون من أنواع الأقمشة الذي يسهل التعامل معها بما هو أخف وأيسر من الجلد. وقوله: وأن يثبت في القدمين بنفسه من غير شد، هكذا ذكر بعض أهل العلم. والصحيح أنه لا يشترط أن يثبت بنفسه؛ لأن المقصود هو حصول الستر وتوفر الشروط السابقة التي سبق الإشارة إليها. وأما اشتراط أن يثبت بنفسه، فهذا ليس فيه دليل لا من الكتاب ولا من السنة، ولا في شيء صحيح اتفق عليه سلف الأمة. أما إن أراد رحمه الله أن يثبت في القدمين بنفسه من غير شد، يريد بذلك عدم انكشاف القدمين أو حدهما، فنعم. الخف لا بد أن يستر القدم، فإذا انكشف القدم وإن خلع وهو على غير طهارة، فإنه يلزمه أن يغسل القدم لا أن يمسح عليها. وقوله: الجورب ما يلبسه في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد، هذا توضيح لمعنى الجورب. وقد سبق الكلام عليه بما يغني عن الإعادة. قال رحمه الله تعالى: وإشترط في الجرموق أن يجاوز الكعبين. قال الشيخ تقي الدين: ويجوز المسح على اللفائف في أحد الوجهين، حكاه ابن تميم وغيره. وعلى الخف المخرق ما دام اسمه باقيا، والمشي فيه ممكنا، وهو قديم قولي الشافعي انتهى. وهذه مسائل تتعلق بالجرموق، ومر معنا في الدرس السابق معنى الجرموق، فهو ما يقوم مقام الخف، قد يلبس منفصلا، وقد يلبسه فوق الخف، وغالبا ما يكون رقيقا من الجلد الرقيق كجلد الأرنب. وشروطه كما تقدم هي شروط الخف. ومن باب التأكيد قال: أن يجاوز الكعبين، يعني الجرموق الذي يجوز المسح عليه هو الذي جاوز الكعبين؛ لأن الجرموق قد يكون صغيرا قصيرا لا يصل الكعبين. فإذا كان كذلك فهذا لا يجوز المسح عليه، مثل بعض الشراريب التركية التي تأتي إلى تحت الكعب، فمثل هذا النوع من الشراب يأتي من الصوف لا يجوز المسح عليه؛ لأنه لم يستوعب مكان المسح، فهو تحت الكعبين. ومثله إذا كان الجرموق قصيرا تحت الكعبين، فإنه لا يجوز كذلك المسح عليه. وقوله: يجوز المسح على اللفائف، وهي ما تلف على الرجل مثل ما يربط على العصب بلفافة أهل الرياضة، ويستعمل أحيانا عند أهل الطب وأصحاب الكمادات. فمثل هذه اللفافة الطويلة إذا لفت وأحكم اللف فيها فغطت القدم من أطراف الأصابع إلى الكعبين، فيجوز المسح عليها كما تقدم دليله عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يمسحون على العصائب والتساخين حديث ثوبان. وقوله: في أحد الوجهين، حكاه ابن تميم وغيره. الوجهان مر معنا في أوائل الكتاب أنه ما يروى عن الإمام في المذهب، والمراد هنا الإمام أحمد رحمه الله. فما يحكى عنه في ذلك، وأحيانا يتوسعون فيجعلونه فيما يخرج على قوله فيما يفتيه. المهم يريد أن يقول: هو أحد القولين في مذهب الحنابلة أنه يجوز المسح على اللفائف، وهناك قول آخر لا يجوز. والصحيح أنه يجوز للدليل الذي سبق، وهذا الذي رجحه الشيخ تقي الدين، أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وقوله: على الخف المخرق ما دام اسمه باقيا، تقدم الكلام على هذا؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ثبت عنهم المسح على اللفائف، فمن باب أولى الخف المخرق. وحكى شيخ الإسلام عن عدد من الصحابة معنى ذلك. وقوله: ما دام اسمه باقيا، أي ما دام يسمى خفا؛ لأنه إذا زاد التخريق لم يصح أنه خف؛ لأنه لا يحصل مقصود الخف. ومثل هذا في الغالب يرمى؛ لأنه ما دام لا ينتفع به صاحبه، إذن ما الفائدة من لبسه. وقوله: والمشي فيه ممكنا، يعني تأكيد أن مقصود الخف حاصل فيه. أما ما كان مقصود الخف ليس حاصل فيه، فهذا لا يكون كذلك. وقوله: هو قديم قولي الشافعي انتهى، أن يريد أن شيخ الإسلام ينقل هذا الكلام، ثم يؤيد قوله بأنه مذهب قد قال به الإمام الشافعي في أحد قوليه، يعني أن له قول آخر بعدم جواز المسح على الخف المخرق. والصحيح الجواز ما دام التخريق يسير واسم الخف باقي والمنفعة من هذا الخف حاصلة على ما تقدمت الإشارة إليه في الدرس السابق، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله: يختص المسح بالطهارة الصغرى دون الكبرى لحديث صفوان رواه ابن ماجة وفيه إلا من جنابة، لكن غائط وبول ونوم إلا الجبيرة فإنه يمسح عليها في الكبرى أيضا إلا أنه يحلها لحديث صاحب الشجة. وهذه المسائل كذلك تقدمت الإشارة عليها أو إليها في الدرس السابق. وقوله هنا رحمه الله: يختص المسح بالطهارة الصغرى دون الكبرى، يريد أن المسح على الخفين إنما هو في الحدث الأصغر، أي ما يكون من نواقض الوضوء فقط كالغائط والبول والنوم وما كان بمعناه. مثل أكل لحوم الإبل ومس الذكر ونحوه، فالحدث الأصغر يحصل به أو يجوز معه المسح على الخف. أما الحدث الأكبر كالجنابة، سواء كانت بجماع أو إنزال من احتلام أو كذلك ما يكون من المرأة الحائضة والنفساء، المهم الحدث الأكبر لا يجوز معه المسح على الخف، بل لا بد من نزع الخف والاغتسال. وقوله: لحديث صفوان، يعني صفوان بن عسال، وتقدم الإشارة إلى هذا الحديث. قال: وفيه إلا من جنابة، يعني هذا الشاهد وهو مقطع يسير من الحديث: إلا من جنابة، لكن غائط وبول ونوم. يعني هكذا رواه صفوان بن عسال عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا إشارة أن المسح يكون من الحدث الأصغر لا من الحدث الأكبر. وقوله: إلا الجبيرة، الجبيرة ليست هي الخف، ولكن الجبيرة هي ما يعصب ويربط على شيء أو جزء من الجسد لأجل جرحه، سواء أكان في أعضاء الوضوء كاليد أو القدم أو كان في غير أعضاء الوضوء كالساق أو الظهر. فإن كان في أعضاء الوضوء، فهذا ظاهر سيستعمل المسح فيما ذكره في الحدث الأصغر والأكبر. وإن كان في غير أعضاء الوضوء، إذن سيستعمله في الحدث الأكبر فقط. ثم قال: فإنه يمسح عليها، نعم هكذا يقول: يقول فإنه يمسح عليها في الكبرى أيضا، يعني في الحدث الأكبر إلا أن يحلها. ومعنى أن يحلها، يعني إلا أن ينزعها. فإذا نزع هذه الجبيرة أو الرباط، فإنه سيغتسل. أو كان الجرح شديد ما يستطيع أن يغسله، إذن سيتركه. ثم قال: لحديث صاحب الشجة، ويريد بحديث صاحب الشجة ما جاء عند أبي داود وغيره عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أنهم خرجوا في غزوة فأصيب رجل في رأسه شج رأسه، فسأل أصحابه هل ترون لي رخصة في أن أتيمم وقد ربط رأسه من أثر الشجة، أي ضرب في الرأس. فقالوا له: لا نجد لك رخصة فاغتسل فمات، أي من أثر أصول الماء إلى الشجة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب عليه وقال: ألا سألوا إذ لم يعلم؟ ألا سألوا إذ لم يعلم؟ إنما دواء العي السؤال. قال: ألا سألوا إذ لم يعلم؟ إنما دواء العي السؤال. هذا الجزء من الحديث صحيح. وفي بعض الروايات زيادة أنه قال عليه الصلاة السلام: إنما كان يكفي أن يمسح يعني على شجته، أي على الرباط الذي على الشجة. وهذه الزيادة ضعيفة لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها جاءت من طريق رجل مضعف عند أهل الحديث وهو الزبير بن خريق. ورجح الحفاظ أنه بهذه اللفظة مرسل، ولم يصح مرفوعا. المقصود من هذا أنه إذا ثبت أن هذه الزيادة ضعيفة، إذن لا يثبت الحكم. وأما ما روي عن عبد الله بن عمر أنه أجاز المسح للجبيرة، فهذا كما قال العلماء اجتهاد لهذا الصحابي، وليس في حكم المرفوع. فالخلاصة: المسح على الجبيرة فيها خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من يرى مشروعية المسح على الجبيرة على ما ذكره المؤلف هنا رحمه الله، واستدلوا بأثر ابن عمر الموقوف وبحديث صاحب الشجة المرفوع. ومن أهل العلم من يقول: لا يمسح على الجبيرة، ولكن يغسل الجزء السليم ويترك الجزء العليل، سواء عليه جبيرة أو ليس عليه جبيرة؛ لأنه لم يثبت شيء صحيح صريح يدل على المسح. والمسح أمر تعبدي لا بد له من دليل صحيح صريح. واستدلوا هذا بعموم الآيات والأحاديث: فاتقوا الله ما استطعتم، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فإذا قالوا: يغسل السليم ويترك غير السليم، فعلى هذا القول الثاني يكون الجبيرة لا تمسح، وإنما يغسل الصحيح والمريض، الجزء الذي فيه الجبيرة يترك. وإن مسح عليها على قول المؤلف، فلا بأس باعتبار أن بعض العلماء قال بهذا، وهو ترجيح المؤلف رحمه الله. وكثير من أهل العلم، والأمر في هذا واسع، لا ينبغي أن يعنف في مثل هذه المسألة. وإن كان الراجح والله أعلم هو القول الثاني لعدم ورود حديث صحيح صريح، والله أعلم. قال رحمه، فصل: ويمسح المقيم يوما وليلا والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن. قال: لحديث علي رواه مسلم. قال الشيخ تقي الدين: ولا تتوقف مدة المسح في حال المسافر الذي شق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين، وعليه قصة عقبة بن عامر، فيه تقديم وتأخير. ثم قال: وابتداء مدة المسح بعد اللبس إلى مثله، لقوله: يمسح المسافر ثلاث أيام، الحديث. يعني: يستبيح المسح وإنما يستبيحه من حين الحدث. وعنه: من المسح بعده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالمسح ثلاث أيام، فاقتضى أن يكون الثلاث كلها يمسح فيها. ومتى مسح ثم انقضت المدة وخلع قبلها بطلت طهارته. وعنه: يجزئ مسح رأسه وغسل قدميه. قال: بالاختيارات، ولو غسل الرجلين في الخفين بعد أن لبسهما محدثا جاز المسح، مذهب حنيفة وقول مخرج. طيب، هذه مجموعة من المسائل لعلنا نجزئها. الجزء الأول يقول: ويمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام وليالهن، وتقدم دليله في الدرس السابق. فحديث علي دل على المسح للمقيم يوما وليلة، وحديث صفوان بن عسال دل على المسح ثلاثة أيام بليالهن. وهذا حديث صفوان كما مر معنا في السنن وهو صحيح، وحديث علي رضي الله عنه في صحيح مسلم، وتفصيله قد سبق في الدرس السابق. وأما قوله: قال الشيخ تقي الدين، يريد شيخ الإسلام ابن تيمية. وأكثر هذه النقولات منقولة من كتابه "الاختيارات الفقهية". ولا تتوقف مدة المسح في حال المسافر الذي شق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد المجهز لمصلحة المسلمين، وعليه قصة عقبة بن عامر إلى آخر كلامه. يريد رحمه الله تعالى أن بعض أهل العلم لا يرى للمسح مدة، يعني أن يرى أن الأمر واسع. وهذا قول مرجوح يدل على أنه خلاف الصواب، الأحاديث المتقدمة وإلا ما الفائدة من تحديد مدة للمسح في هذه الأحاديث. لكن أشار إلى قول شيخ الإسلام، والمستفاد من الأثر المروي عن عقبة بن عامر: أنه مسح أكثر من مدة المسح، أن شيخ الإسلام استفاد من هذا أنه يجوز عند الضرورة الزيادة على هذه المدة كالبريد المجهز في مصالح المسلمين. يعني بالبريد: الرجل الذي ينشغل بإيصال الأشياء الضرورية المهمة، خصوصا فينقلها سريعا من مكان إلى آخر، فيضطر أن يقطع المسافة، وكلما أدركته الصلاة مسح وصلى مع ضيق الوقت وقلة الماء. فكأن شيخ الإسلام يقول: مثل هذا ممكن أن نرخص فيه. وقد روي عن مالك التوسع في باب التوقيت. فإن كنا سنتوسع فسنتوسع في الضرورة، هذا معنى كلامه المراد الإشارة إليه مما نقله عن شيخ الإسلام. ليس معنى كلامه أن يفتح الباب ولا يجعل مدة للمسح كما روي عن بعض أهل العلم من المالكية وغيرهم، وهذا خلاف الصواب. فالصواب أنه لا بد من مدة للمسح، ولا كذلك معناه أن المدة مغلقة فلا يزاد على هذا المذكور أبدا. ولكن يجوز للضرورة المسح بالزيادة. قد يقول قائل: من أين جاءت هذه الرخصة؟ الجواب: أنه أولا بما روي كما ذكر عن عقبة بن عامر. وثانيا لأن المقصود من المسح هو إيجاد رخصة مع المشقة وتيسير مع العسر. فإذا كان كذلك فهذه المشقة في حال مثل صاحب البريد وغيره مما قد يضطر أحيانا إلى هذه الرخصة أو لا بالترخيص. فكأنه يشير بهذا إلى أن الأمر قد يكون فيه شيء من التوسعة عند الضرورة، والله أعلم. وننبه هنا أن ما ذكره عن شيخ الإسلام ليس على إطلاقه، ولكن للضرورة. فلا يجوز الزيادة على المدة المذكورة الواردة في الأدلة إلا للضرورة. ومثال ذلك آخر للضرورة: الرجل الذي يصاب بمرض في رجله فلا يستطيع نزع الخف مثلا. فهنا يقال له على هذا الذي ذكره: أنه يمسح عليها لما تقدم. وبعضهم قال: هذا أولى من الجبيرة. وقد مر معنا أن الجبيرة أجازوا مسحها بدون مدة، من يقول بالمسح ومن لا يقول بالمسح يقول: يغسل ما يتيسر ويترك ما لا يتيسر. وهناك رواية أخرى: أن صاحب الضرورة إذا كان هذا في الخف ينتقل إلى التيمم، يعني إذا أصيب بالضرورة ما يستطيع ينزع الخفين ينتقل إلى التيمم. المقصود أننا نريد بهذا التنبيه أنه لا ينبغي التوسع في هذا، ويحتاط الإنسان قدر مستطاع حتى في الضرورة. إذا استطاع أن ينزع فلينزع، لكن إذا قد اضطر فهو بين أمرين: إما أن يتيمم وإما أن يمسح على هذه الفتوى والعمومات المتقدمة. ثم قال رحمه الله: وابتداء مدة المسح بعد اللبس إلى مثله، يعني: يبتدى مدة المسح من بداية اللبس. وقيل: أنه من أول مسحة. والصحيح أنه من أول مسحة كما تقدم معنا شرحه في الدرس السابق. فالنبي عليه الصلاة والسلام ذكر المسح ثلاثة أيام بلياليهن ويوم وليلة، فدل أن معنى المسح مقصود وهو كذلك كما أنه دل عليه الدليل هو من جهة التعليل، كذلك منضبط. فلما كان بداية المسح هو بداية الحدث، كان من حينه يبتدئ مدة المسح، وهو الموافق للأدلة؛ لأنه قال: يمسح ثلاثة أيام بلياليهن، فمعناه أنه من حين يبدأ المسح لا من حين لبس الخف. وقد سبق التمثيل في الدرس السابق بما يغني عن الإعادة. فنكتفي إن شاء الله هذه الليلة بهذا الذي ذكر، ونترك الباقي إلى درس لاحق؛ لأن الوقت قد ضايقنا، ونترك فرصة يسيرة للأسئلة، والله أعلم.