الدرس في شرح كتاب الطهارة 18، الدرس الثامن عشر (والأفضل بيده اليسرى ... لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الترجل إلا غباً رواه النسائي والترميذي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش آراء أهل العلم في تفضيل استعمال السواك باليد اليسرى أو اليمنى، ويشير إلى أن السواك في المسجد ليس مكروها. السواك يكون عرضا أو طولا بحسب الحاجة.
يوضح كيفية السواك الصحيحة، حيث يكون عرضا من الجانب الأيمن إلى الأيسر، واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشوص فاه بالسواك.
يناقش مسائل الترجل والإدهان في الإسلام، ويُنصح بمسح شعر الرأس بالأصابع وقد يحتاج الأمر إلى استخدام المشط أو الدهن حسب الحاجة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والأفضل بيده اليسرى. قال الشيخ تقي الدين: وما علمت إماما خالف في ذلك. والسواك ما علمت أحدا كرهه في المسجد، والآثار تدل عليه. هاتان مسألتان من مسائل السواك يشير الشيخ رحمه الله تعالى فيهما إلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هاتين المسألتين. الأولى: تفضيل استعمال السواك باليد اليسرى. وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، وانتصر له شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب مجموع الفتاوى وغيره. وقوله: وما علمت إماما خالف في ذلك، هذا الذي ذكره رحمه الله تعالى بحسب علم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وإلا فالمسألة فيها ثلاثة أقوال مشهورة. أولها: ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى أنها باليد اليسرى. وثانيها: أنها باليد اليمنى. وثالثها: أن الأمر واسع، إن شاء باليمنى وإن شاء باليسرى. فأما من ذكر اليسرى، فاستدل بالعمومات المتقدمة بأن هذا الباب باب التخلية والتنقية يكون باليسرى، مثل الاستنجاء، وهكذا ما كان بمعناه مما مر معنا في مسائل كثيرة، كخلع النعل والخروج من المسجد، وغير ذلك مما يدخل في مثل هذا المعنى. والعلّة في ذلك أن هذا من باب التنقية، وأن اليد اليسرى قد تلامس أثناء السواك بعض فضلات الطعام ونحوه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه باليمنى، أخذا بعموم حديث عائشة: «كان يعجبه التيمون في شأنه كله». واستدلوا بهذا العموم أن السواك منه. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر واسع، وهذا هو القول الثالث، سواء باليمين أو بالشمال، لعدم ورود الدليل الصحيح الصريح في هذه المسألة. وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ما معناه لا أبالي أيّ إن استاكت بيمينها أو شمالها، بل ولو بقدمها. كأنه من باب تأكيد عدم التشنيع على أحد استاك بيمينه أو بشماله في هذا الباب. فإذن قوله: وما علمت إماما خالف في ذلك، هذا الذي ذكره الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله عن شيخ الإسلام، قد ذكره شيخ الإسلام في كتاب الاختيارات، يحمل أنه بحسب علم شيخ الإسلام رحمه الله. ولعله بنى ذلك على العمومات المتقدمة. والراجح هو القول الثالث، فالأمر واسع في ذلك سواء باليمين أو بالشمال. وقوله رحمه الله تعالى: والسواك ما علمت أحدا كرهه في المسجد، والآثار تدل عليه. يريد رحمه الله تعالى أن يلحق المسألة الأولى بأختها وقرينتها في المعنى. لما ذكر أن السواك الأفضل أن يكون باليد اليسرى، كأنه يشير أن هذا من الأمور المتنزهة الذي لأجل ذلك استحب أن يكون بالشمال، فلأجل أن لا يحمل قوله ذلك أن معناه مثل هذا لا يستحب في المسجد. وقد قال بعض أهل العلم بذلك، ذهب إلى التنبيه على هذه المسألة. يعني كأنه يقول: وقولي أنه يستاك بيده اليسرى لأنه من الأمور المتنزهة، لا يعني ذلك أن يوافق قول من يقول من أهل العلم بكراهة السواك في المسجد لأجل هذا المعنى. وذلك لأمرين أشار إليهما. الأمر الأول: أنه لم يعلم عن أحد يعني من الصحابة أو من بعدهم من أهل العلم المعتبرين يكره ذلك أي السواك في المسجد. وثانيا: الآثار تدل عليه. والآثار تشمل الأحاديث والآثار الموقوفة المنقولة عن بعض الصحابة. فمن الأحاديث عمومات، كالحديث الذي مر معنا في السواك مع كل صلاة وكل وضوء، والصلاة لا شك تكون في المسجد. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من غير وجه أنه كان يستاك قبل صلاته، وهذا في المسجد. وهكذا آثار كثيرة فيها أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يستاكون في المسجد، وما يرون في ذلك منافاة للسنة. فالخلاصة: أراد أن يزيل هذا الفهم الذي قد يطرأ بتنبيه على هذه المسألة، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: ويستاك عرضا مبتدئا بجانب فمه الأيمن. قوله رحمه الله: ويستاك عرضا، انتقل رحمه الله لكيفية السواك. لما ذكر أن السواك يكون باليد اليسرى، ناسب أن يذكر السواك بأي جهة وكيفية تكون. فأما الكيفية، قال: ويستاك عرضا. والعرض هو إمرار السواك من الطرف الأيمن أي من الخد الأيمن إلى الخد الأيسر، هذا هو الإمرار عرضا. والطول هو الإمرار من الشفة العليا إلى الشفة السفلى، فهذا طولا. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث حديثة في الصحيحين، وقد مر معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل أي لصلاة التهجد يشوص فاه بالسواك. ومعنى يشوص فاه أي يدلك أسنانه عرضا، يدلك أسنانه عرضا هكذا فسر العلماء معنى يشوص فاه بالسواك. وهذا خبر عن النبي عليه الصلاة والسلام يدل أنه كان يفعل ذلك كثيرا، لكن هل هذا الخبر يفيد أنه لا يجوز غيره أو أنه لا يفعل غيره؟ الظاهر والله أعلم لا. فإذا احتاج الذي يتسوك أحيانا أن يمر بالسواك طولا ليخرج ما قد يعلق بين الأسنان فلا بأس في ذلك. خصوصا وأنه جاء في حديث أبي موسى ما يدل على ما هو أوسع من ذلك، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي موسى يدخل السواك في فيه ويقول كأنه يتهوع. وإدخال السواك إلى الجوف فيقول وهو صوت التهوع يدل أنه كان يستاك طولا حتى أنه يمد السواك إلى طرف اللسان. حتى استدل بعض أهل العلم أن السواك لا ينحصر بالأسنان بل الأسنان واللسان وأطراف اللثة بما لا يؤذي نفسه. فحديث أبي موسى في البخاري وغيره يدل على هذا المعنى، فإنه كان عليه الصلاة والسلام يستاك فيدخل يده حتى يقول كأنه يتهوع. وهنا ينبه على حديث ضعيف اشتهر بين بعض الفقهاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستاك عرضا ويشرب مصا ويتنفذ سلاثا. والحديث جاء عن بهز ابن حكيم وهو ضعيف، وذكره غير واحد من أهل العلم منبه عليه الشيخ الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، ومنها السلسلة الضعيفة وفي ضعيف الجامع. وقوله رحمه الله تعالى: مبتدئا بجانب فمه الأيمن، استدلالا بعموم حديث عائشة: «كان يعجبه التيمن في شأنه كله». في طهوره، وجعل هذا الباب في طهوره يشمل كل معاني الطهور ومنها السواك، فيبدأ بجانبه الأيمن. واستدل له بعمومات وقياس صحيح، ككون النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر الحلاق إذا حلق أن يبدأ بشقه الأيمن. فقالوا: هذا يدل كذلك أن السواك يبدأ بالجهة اليمنى. والشرع كما مر معنا لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع، وهو على كل الأحوال مستحب. فاستفدنا هاتين المسألتين كذلك من مسائل السواك. قال رحمه الله تعالى: ويدهن غبا لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الترجل إلا غبا رواه النسائي والترمذي. لما انتهى رحمه الله تعالى من مسائل السواك، انتقل إلى مسائل هي متممة لهذا الباب، ومنها مسألة الترجل والإدهان. الإدهان وضع الدهن على الرأس واللحية وما كان بمعناها مما يحتاجه الجسد، والدهن معروف الزيوت بأنواعها، وأحسنه زيت الزيتون. والترجل هو الامتشاط. وقوله: لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الترجل إلا غبا رواه النسائي والترمذي، وهو حديث عبد الله بن مغفل، وهو حديث صحيح. وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي، وهكذا كذلك في الصحيحة وصحيح الجامع. ومعنى غبا أي ليس على وجه الاستمرار، كان يكون مثلا مرة أو مرتين أو ثلاثا في اليوم أو في الأسبوع. والصحيح بذلك أنه بحسب الحاجة. فهذا الحديث يجمع بينه وبين قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان له شعر فليكرم شعره». إكرام الشعر يكون بإعطائه ما يحتاج من دهن في وقت حاجته للدهن، ومن مشط في حاجته في حالة حاجته للمشط، خصوصا إذا كان الشعر طويلا أو كثيفا، فإنه يحتاج عند ذلك إلى اعتناء كشعور النساء ونحوها. وفي نفس الوقت قوله عليه الصلاة والسلام: «نهى عن الترجل إلا غبا»، يعني لا يكون دندنة الإنسان الوقوف أمام المرأة أو لا يكاد يرى إلا والمشط بيده، فدائما بين الدهن والمشط، فإن هذا مما لا ينبغي أن ينشغل به المسلم، فعنده ما هو أعظم وأهم من ذلك. لكن يعطي شعره بحسب حاجته، والرجل على وجه الخصوص ينبغي أن لا يكون هذا دندنته، لأنه لا يليق برجولته أولا، ولا بما ينبغي أن يعتني به بما هو أهم منه كمسلم ثانيا. فالخلاصة: لا يدهن إلا غبا، ولا يترجل إلا غبا، هذا مأخوذ من معنى هذا الحديث، وهو يفسر بالحديث الآخر، يعني ليس كل يوم، وإنما بحسب الحاجة. فقد يكون أحيانا يكفي أن يمسح بيديه وأصابع يديه شعر رأسه، خصوصا الرجل فيكفيه ذلك. وقد يحتاج أحيانا إلى المشط، وقد يحتاج أحيانا إلى الدهن، فينظر ما هو الحاجة ويعطي شعره ما يحتاج، فلا يقصر فيه ولا يبالغ فيه، والله تعالى أعلم.