الدرس في شرح كتاب الطهارة 34، الدرس الرابع والثلاثون (ويشترط أن لا يتجاوز بالشد موضع الحاجة ... ويكره غسله وتكرار مسحه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ أحكام المسح على الجبيرة، ويشترط عدم تجاوز موضع الحاجة بالشد، والمسح عليها حتى تُحل. يبين أن الرخصة في المسح على الجبيرة تُقدر بقدر الضرورة.
يشرح المقطع تفاصيل مسح الخفين في الوضوء، ويبين أن الحكم يشمل الرجال والنساء، وأن المسح يكون على ظاهر مقدم الخف. يبين أن كيفية المسح تعبدية وليست لأجل إزالة الأوساخ.
يشرح المقطع كيفية مسح الخفين في الوضوء، ويبين أن المسح يكون بتبليل الكفين بالماء ومسح الخفين. يبين أيضاً مسائل المسح على الخفين مثل عدم جواز تكرار المسح ثلاث مرات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، تتمة لما سبق مما ذكره المؤلف رحمه الله من أحكام الخفين، أي المسح على الخفين، قال رحمه الله: «ويشترط أن لا يتجاوز بالشد موضع الحاجة، ويمسح عليها أو يمسح عليها إلا أن يحلها، والمرأة كالرجل في جميع ذلك؛ لأنه ثبت، وما ثبت رخصه استوى فيه الرجل والمرأة كسائر الرخص». قوله: «ويشترط» أي من شروطي المسح للخفين أن لا يتجاوز بالشد موضع الحاجة، ويريد بذلك تتمة لما سبق في حكم الجبيرة، أنه لا يربط الجبيرة أكثر من مكان الحاجة، حتى إذا مسح يمسح على العضو الذي فيه العذر فقط، وما بقي فسيغسله. وسبق معنا الكلام في الخلاف -خلاف أهل العلم- في قضية الجبيرة بما يغني عن الإعادة، وهو كما قال: بالنسبة لحصر مكان الشد بقدر الحاجة؛ لأنها رخصة في حق الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها. وسواء قلنا -كما تقدم من الخلاف- أنه يمسح عليها، أو قلنا أنه يغسل ما يتيسر ويترك ما لا يتيسر ويتعسر، لعموم قوله سبحانه: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، ففي كل الأمرين عليه أن لا يتجاوز موضع الحاجة التي يضع عليها الجبيرة. فهذه مسألة، وكونه هل يمسح عليها أو لا يمسح عليها مسألة أخرى. وأما قوله: «ويمسح عليها إلى أن يحلها»، ومعناه أنه ما دامت الجبيرة مربوطة عليه، فيجوز له المسح، ويستمر في ذلك إلى أن يحلها. وعلمنا أن هذا الاستمرار مبني -أي المسح مبني- على الحديث الذي سبق، وعلمنا أن الزيادة فيها ضعف. ولا يعني كون الزيادة ضعيفة يعني أنه لا يجوز له أن يربط عليها، بل الربط عليها للضرورة والحاجة الملحة رخصة، ولكن الخلاف في قضية المسح على الجبيرة أو عدم المسح، وتقدم الكلام على هذا. لكن في كل الحالين هو سيبقي هذه الجبيرة إلى أن يشفيه الله عز وجل أو إلى أن يحلها ويستطيع غسل ما تحتها، وهذا واضح. فهو يريد أن يقول أن الجبيرة ليس حكمها كحكم الخف، تحدد بثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم؛ لأن فيها عذر أكبر، فكانت الرخصة أوسع. وقوله: «والمرأة كالرجل في جميع ذلك»، يريد رحمه الله أن هذا الحكم ليس خاصًا بالرجال، بل يستوي فيه الرجال والنساء. وقوله: «لأنه ثبت» أي ثبت العموم لآيات الوضوء، وعلمنا أن في آية الوضوء إشارة ما يدل على مشروعية المسح على الخفين، وهي عامة للرجال والنساء. وهكذا الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام عامة تشمل للرجال والنساء، وعموم الاقتداء به عليه الصلاة والسلام كذلك يدل على عموم التشريع للرجال والنساء، ما عمومات تؤكد هذا، كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة وغيره بإسناد حسن: «النساء شقائق الرجال، النساء شقائق الرجال»، فأفاد هذا عموم هذا الحكم، كغير من الأحكام التي يستوي فيها أهل الإسلام ذكورًا وإناثًا. وهذا هو الأصل عموم التشريع، إلا ما دل بالدليل الصحيح الصريح أن حكمًا ما خاص بالرجال، فيكون بمقتضى الدليل صار خاصًا، والعكس ما دل الدليل الصحيح الصريح أن الحكم الآخر خاص بالنساء، فهو خاص بالنساء بمقتضى الدليل الخاص الوارد في ذلك، وإلا فالأصل هو عموم التشريع، والله أعلم. ثم قال رحمه الله تعالى: «ويمسح أكثر ظاهر مقدم الخف، ويسن أن يمسح بأصابع يده من أصابعه إلى ساقه، يمسح بيده اليمنى رجله اليمنى، ورجله اليسرى بيده اليسرى، وكيف مسحه أجزأه، ويكره غسله وتكرار مسحه». وهذه مسائل ختم بها هذا الباب. فقال: «ويمسح أكثر ظاهر مقدم الخف»، مقدم الخف هو الجزء الأعلى في القدم بالنسبة للخف. وهذا يدلنا أن المسح على الخف تعبدي، وليس لأجل إزالة خبث أو قدر. ولهذا رواية عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول: «لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلى». تعرفون أسفل الخف هو المكان الذي يمشي عليه الإنسان، وهو الذي يباشر الأرض، فربما مر بقذر أو خبث أو غير ذلك. لكن لما كان الدين ليس بالرأي، صار المسح للتعبد لله عز وجل، فيمسح على أعلى الخف كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام بنص الأثر المروي عن علي رضي الله عنه. وأما أسفل الخف فيطهره ما بعده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في النعلين: «يطهرهما ما بعدهما»، أي بمرورهما على المكان الجاف. والخف أسفله كذلك، وبهذا استدل العلماء أن باب إزالة النجاسات لا يشترط أن يكون بالماء، وإن كان الأفضل أن يكون بالماء، إلا أنه إذا ذهبت النجاسة وزالت زال حكمها؛ فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وقوله: «ويسن أن يمسح بأصابع يده من أصابعه إلى ساقه»، أصابع اليد معروفة. وقوله: «من أصابعه» أي أصابع الرجل، أي من أعلى القدم من جهة الأظافر -أظافر القدم- إلى ساقه. الساق: العظم النازل من الرجل، والقدم: العظم المعترض الملتقي بالعظم النازل من الرجل. فهذا الجزء الأسفل الذي تمشي عليه يسمى قدم، وهذا العظم النازل إلى هذه القدم التي تمشي عليها يسمى ساق. إذن أنت تمسح بأصابع يدك من أطراف أصابع الرجل إلى طرف الساق. وقوله: «يمسح بيده اليمنى رجله اليمنى، ورجله اليسرى بيده اليسرى»، ليس في هذا شيء صحيح صريح عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ذكر العلماء ذلك لأشياء منقولة عن بعض أهل العلم، ولأنه أيسر وأخف. يعني تبلل اليد اليمنى واليسرى بالماء، تبلله ماء وليس تغرف الماء، إنما اليد تكون مبلولة. فرق بين مبلولة وبين أن تغرف الماء. المسح يكون بتبليل الماء فقط، مثل ما تمسح رأسك حين تمسح الرأس لا تغرف الماء كما يفعل بعض العامة، هذا خطأ، ولكن تبلل، تمر الماء على الكف فتكون الكف مبلولة، فتمسح على رأسك أو على العمامة، وهكذا كذلك على الخف. تبلل الكف اليمنى والكف اليسرى وتمسح به. ماء اليمين لليمين والشمال للشمال. ويجوز أن تمسح بيدك اليمنى اليمين والشمال. المسح الأولى تبلل الكف وتمسح رجلك اليمنى، وتبلل الكف وتمسح رجلك اليسرى بيدك اليمنى فقط. والأمر في هذا واسع، ولهذا قال: «وكيف مسحه أجزأه»، يعني سواء بيد واحدة ومسحتين، أو بيدين لكل رجل مسحة. باليد اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى، أو حتى ثالثًا، انظر حتى ثالثًا بيدك اليمنى الرجل اليمنى والرجل اليسرى بمسحة بتبليل واحد للماء، ما دام أن البلل ما زال موجودًا في الكف، يجوز أن تمسح اليمنى وتمسح اليسرى بالتبليل الواحد للكف الواحدة. وقوله: «ويكره غسله وتكرار مسحه»، أي يكره أن تغسل الخف أو موضع الجبيرة على من يقول بمسح الجبيرة. لا تغسل، لا تصب عليه الماء، ولا كذلك تغرف الماء وتصب عليه كما قلنا. المسح يكون بتبليل الكف فقط، فلا أنت تصب عليه الماء بوعاء، ولا أنت تغترف الماء بكفك، هذا يكره؛ لأنه خلاف السنة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وهكذا تكرار المسح، بعض العامة يمسح الخف ثلاث مرات، يكرر المسح، هذا خلاف السنة، بل السنة مسحة واحدة فقط تكفي، لا يزيد على هذا. وبهذا يكون قد انتهى من الكلام على مسائل المسح على الخفين، ولعلنا في هذه الليلة نكتفي بهذا القدر.