كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به  2

كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به 2

الدرس في كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به 2، الدرس الثاني:من(فأما صوم التطوع:فاعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة ... والثالث:أنه أشق على النفس في المجاهدة لأنها كلما أنست بحالة نقلت عنها). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

صوم التطوع والأيام الفاضلة

يناقش صوم التطوع ويبين الأيام الفاضلة التي يستحب صيامها مثل ستة أيام من شوال ويوم عرفة وعاشوراء وعشر ذي الحجة. صيام هذه الأيام يكفر الذنوب ويعتبر من مواسم الخيرات.

فضل صيام الأيام الثلاثة من كل شهر ويومي الاثنين والخميس

يُشجع على صيام ثلاثة أيام من كل شهر ويومي الاثنين والخميس حيث تُرفع الأعمال إلى الله. يُعتبر صيام الأيام البيض أفضل أنواع صيام الثلاثة أيام.

أفضل أنواع الصيام وتفاصيل صيام داود عليه السلام

يُفصل في أفضل صيام وهو صوم داود عليه السلام، حيث يجمع بين الشكر والصبر وتزكية النفس. صيام داود هو صيام يوم وإفطار يوم وقد أوصى النبي بالاستمرار عليه.

  • 25 جمادى الآخرة 1432هـ - 28/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «فأما صوم التطوع، فاعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة. وفواضل الأيام بعضها يوجد في كل سنة، كصيام ستة أيام من شوال بعد رمضان، وكصيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وعشر ذي الحجة، والمحرم. قال: وبعضها يتكرر في كل شهر، كأوله وأوسطه وآخره. فمن صام أول الشهر وأوسطه وآخره فقد أحسن، غير أن الأفضل أن يجعل الثلاثة أيام البيض. وبعضها يتكرر في كل أسبوع، وهو يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: وأفضل صوم التطوع صوم داوود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وذلك يجمع الثلاثة معاني». قوله رحمه الله تعالى: «فأما صوم التطوع، فأعلم أن استحباب الصوم يتأكد في الأيام الفاضلة»، يشير بهذا إلى أن الصيام ينقسم إلى قسمين: صيام مطلق، وصيام مقيد. فأما الصيام المطلق، وهو استحباب التطوع بالصيام لعموم الأدلة في ذلك، فإن من أسباب دخول الجنة كثرة الصيام، وفي الجنة باب يقال له الريان، لا يدخله إلا الصائمون. فهذه الأدلة، كحديث عبد الله بن سلام وغيرها من الأدلة التي فيها عموم الصيام، تدل على مطلق الصيام. وهناك صيام مقيد يتأكد ويزداد فيه الفضل في تلك الأيام التي جاء الشرع بالحث على صيامها، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم خص في السنة مرة، وهذا يتأكد أكثر؛ لأنه كونه خص في السنة مرة واحدة يدل ذلك على تأكده لتميزه من بين سائر أيام السنة. قال: «كصيام ستة أيام من شوال بعد رمضان». قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من أتبع رمضان بصيام ستة من شوال كان كصيام الدهر. ووجهه أنه لو صام ثلاثين يوما في رمضان، والشهر على ثلاثين وتسعة وعشرين، وصام بعده ستة أيام من شوال، كان كم ست وثلاثين يوما، والحسنة بعشر أمثالها، كان كم ثلاثمائة وستين يوما، والسنة كم يوم؟ ثلاثمائة وستون تقريبا. وهذه قوله عليه الصلاة والسلام: «كان كصيام الدهر»، يعني من حافظ عليه كان له كصيام الدهر، كأنه صام كل دهره؛ لأنه في كل سنة يكتب له أجر صيام سنة كاملة. وهكذا صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية، ويوم عاشوراء كذلك. فهذه الأيام تكفر؛ جعلها الله عز وجل تفضلا ورحمة ومنة منه لعباده مكفرات لما مضى من أيام قبلها. والمسلم يحتاج إلى مثل هذا الفضل؛ كونك تصوم يوما واحدا تخلص وتصدق مع الله فيه، يكفر الله لك به ما مضى من عملك. أليس هذا بشيء عظيم؟ الجواب: هذا شيء عظيم. من الذي لا يحب أن يكفر له ما سبق من عمله؟ فكيف بتكفير عمل سنة كاملة؟ وهذه مواسم من مواسم الخيرات التي تعرض على المسلم منة ورحمة وفضلا من الله سبحانه وتعالى، فلهذا لا ينبغي أن يفرط فيها. وهكذا عشر ذي الحجة، ففي حديث ابن عباس: «ليس شيء يساوي العمل الصالح في هذه الأيام حتى الجهاد في سبيل الله، حتى قال عليه الصلاة والسلام: إلا رجل خرج بماله ونفسه ولم يرجع من ذلك بشيء». وهذا يدل كذلك على أن الأعمال الصالحة، ومن أعظم الأعمال الصالحة الصيام، مما ينبغي أن يحرص عليه. ومع ذلك لم يكن نبينا عليه الصلاة والسلام يواظب على صيام العشر؛ قال العلماء: وذلك لأجل أن لا يكون كالفريضة. وهكذا شهر الله المحرم، كما في حديث عائشة: «فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم فيه كثيرا؛ لما فيه من الفضل كذلك». ثم ذكر ما يتكرر في الشهر الواحد، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: منها صيام ثلاثة أيام مطلقة. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الحث على صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأجل من لا يتيسر له الفضل الخاص لا يفوته الفضل العام. وصح عنه عليه الصلاة والسلام أن يصوم من كل عشرة أيام يوم، وهذا نوع آخر من صيام ثلاثة أيام من كل شهر. وصح عنه عليه الصلاة والسلام كذلك الحث على صيام الثلاثة البيض. فهذه ثلاثة أنواع في صيام ثلاثة أيام من كل شهر. أفضل ذلك، كما قال رحمه الله: «صيام الأيام البيض»، وهي 13 و14 و15، سميت بيضا لأن الأهلة تكون فيها مكتملة، أي القمر، فتكون لياليها بيضاء. هذا هو الأفضل. ويجوز كذلك أن يصوم أحيانا أو إن فاته وعرض له عارض أن يصوم من كل عشرة أيام يوم. وإن لم يتيسر، فلا يحرم نفسه من أن يصوم ولو في آخر الشهر أو أول الشهر ثلاثة أيام؛ لأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر هي صيام الدهر. كيف ذلك؟ ذلك أن الحسنة بعشر أمثالها، فصارت كم بثلاثين، وفي كل شهر ثلاثين ثلاثمائة أو ستين. فهذا هو صيام الدهر؛ يعني يكتب لك صيام سنة كاملة. فينبغي للمسلم أن لا يفوته مثل هذا الفضل وهذا الخير. والحمد لله، أنظر إلى تيسير الله عز وجل لعباده أبواب الخير والفضل، فهي منة ورحمة وفضل عظيم من الله سبحانه وتعالى. إذا كنت تستطيع تصوم البيض، فصم الأيام البيض الثلاث ما استطعت. صم من كل عشرة أيام يوم ما استطعت. لا يفوتك شهر من عمرك إلا وأدركت فيه صيام ثلاثة أيام؛ حتى يكتب لك صيام شهر كامل؛ فالحسنة بعشر أمثالها فضل من الله. ثم ذكر القسم الثالث، وهو ما يتكرر في كل أسبوع، وهو يوم الاثنين والخميس. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام يحث عليه بقوله وفعله. لماذا؟ أخبر عليه الصلاة والسلام: «أنهما يوما ترفع فيهما الأعمال»، فهو يحب عليه الصلاة والسلام أن يرفع عمله وهو صائم صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هذا منه عليه الصلاة والسلام، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فنحن من باب أولى أن لا يفوتنا ذلك. وفي هذا حكمة، وذلك أن الأعمال بالخواتيم. فإذا كان أعمال المسلم ترفع في الأسبوع مرتين: ترفع يوم الاثنين وترفع يوم الخميس، فإذا رفع عملك يا أيها المسلم يوم الاثنين وأنت صائم، ويوم الخميس وأنت صائم، ختم لك بعمل صالح. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إنما الأعمال بالخواتيم». وما أحسن أن يختم للمرء بعمل صالح، خصوصا وأنت تعلم أن الصيام فيه من الجزاء ما أخفاه الله عز وجل؛ لعموم قوله عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه سبحانه وتعالى أنه قال: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». هذا ليس فقط في صيام الفرض، بل حتى في صيام النفل؛ حتى في صيام النفل فيه أجر عظيم أخفاه الله عز وجل. فكونك يكون لك مثل هذا الأجر العظيم في هذين اليومين الذي ترفع فيه الأعمال، هذا شيء عظيم. ولهذا حتى الشرع على ذلك، وشرع الله مثل هذه الطاعة تكرما وتفضلا ومنة منه سبحانه وتعالى ورحمة بعباده. ثم ذكر أفضل الصيام، وهو صوم داود عليه السلام، وهو أن يصوم يوما ويفطر يوما. وذكر رحمه الله أنه يجمع ثلاثة معاني. قال رحمه الله تعالى: «أحدها: أن النفس تعطى يوم الفطر حظها وتستوفي في يوم الصوم تعبدها، وفي ذلك جمع بين ما لها وما عليها، وهو العدل. وبهذا تزكو النفس تمام التزكية؛ فكمال تزكيتها بأن تعطى حقها ولا تحرم من فضلها». ولهذا قال: «كان داود عليه السلام أعبد الناس»، يعني لا عبادة أفضل من هذه العبادة. قال: «والثاني: أن يوم الأكل يوم شكر، ويوم الصوم يوم صبر. والإيمان نصفان: شكر وصبر. فكما أن العبد أمر أن يتعبد لله بالصبر، فكذلك أمر أن يتعبد لله بالشكر». ولهذا فإن العبد يبتلى بالنعماء كما يبتلى بالضراء، ويبتلى بالرخاء كما يبتلى بالشدة. وينظر كيف يكون حاله في الرخاء وفي الشدة، وفي النعماء والضراء. فإذا جمع في عبادته بين الصوم وبين كذلك الفطر، فكان فطره ليس فيه كفر ولا إسراف ولا تبذير ولا خروج عن معاني العدل إلى الطغيان، وكان صومه ليس فيه غلو ولا إجحاف، جمع بين الشكر والصبر، فكان بذلك كمال التعبد لله سبحانه وتعالى. قال: «والثالث: أنه أشق على النفس في المجاهدة؛ لأنها كلما أنست بحالة نقلت عنها». يعني أن الناس أحيانا تميل نفوسهم إلى الانقطاع بالتعبد والانقطاع بذلك ليس هو الكمال. وتميل نفوسهم أحيانا بالانقطاع بالترفه والانقطاع بالترفه ليس هو الكمال. وكون المسلم يجاهد نفسه في الجمع بين التعبد والترفه، تعبدا لله وطاعة لله، هذا شيء ليس بالسهل. ولهذا يعظم الأجر في مثل هذا المقام. وفي هذا إشارة إلى أن كمال العبودية يكون بين الجمع بأداء حق الله وحق عباد الله؛ لأن يوم الفطر يؤدي المسلم حق الجسد وحق الزوجة وحق الأولاد وحق الضيوف وحق كل ذي حق. بينما لو استمر في الصيام فإنه سيطغي هذا على حقوق جسده وزوجه وأولاده وسائر الحقوق الأخرى، فكان من كمال العدل الجمع بين ذلك. وكما جاء في الصحيحين في قصة عمر بن العاص: «أن عبد الله بن عمر بن العاص قال: يا رسول الله، إني أطيق أفضل من ذلك. قال: صم صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما. قال: يا رسول الله، إني أطيق أكثر من ذلك. قال: لا، أفضل من ذلك». بعد أن بيّن أنه كان أعبد الناس، فهي أفضل عبادة. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم.