كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به  1

كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به 1

الدرس في كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به 1، الدرس الأول:من (اعلم أن في الصوم خصيصة ليست في غيره ... لأن المراد منه أن يذوق طعم الجوع ويكون تاركاً للمشتهي). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فضل الصوم وسننه وآدابه

يشرح الشيخ فضل الصوم وأسراره، ويبين سننه مثل السحور وتأخيره وتعجيل الفطر. كما يتحدث عن آداب الصوم مثل غض البصر وحفظ اللسان وعدم الإكثار من الطعام.

استحباب الجود ودراسة القرآن في رمضان

يستحب في رمضان الجود وفعل المعروف وكثرة الصدقة ودراسة القرآن والاعتكاف، خاصة في العشر الأواخر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.

مراتب الصوم وأحكام الصيام والصلاة

يتناول شرح مراتب الصوم الثلاث وأهمية اجتناب المحرمات، ويجيب عن أسئلة حول أحكام الصلاة في رمضان مثل صلاة التراويح وقراءة القرآن من الهاتف.

  • 25 جمادى الآخرة 1432هـ - 28/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ناسب في هذا المقام أن نقرأ شيئًا في الصيام، فنقرأ في كتاب الصيام من مختصر منهاج القاصدين. قال الحافظ الإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: قال رابعًا كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به. قال: اعلم أن في الصوم خصيصة ليست في غيره، وهي إضافة إلى الله عز وجل، حيث يقول سبحانه: «الصوم لي وأنا أجزي به»، يشير إلى حديث أبي هريرة في الصحيح، وهو حديث قدسي، يخبر فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل قال: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». ومعناه أن فضل وثواب الصوم أعظم من سائر الأعمال، حتى أن الله عز وجل أخفى هذا الثواب العظيم لأجل عظمه. قال: وكفى بهذه الإضافة شرفًا؛ يعني حين قال: «الصوم لي». كما شرف البيت بإضافته إليه في قوله: «وطهر بيتي». قال: وإنما فضل الصوم لمعنيين؛ يعني كما أن بيت الله صار من البيوت المعظمة؛ لأن الله عز وجل أضافه إلى نفسه، فكذلك الصوم من العبادات المعظمة؛ لأن الله عز وجل أضاف الصوم إلى نفسه. قال: وإنما فضل الصوم لمعنيين: أحدهما أنه سر وعمل باطن لا يراه الخلق ولا يدخله رياء. ولهذا قال العلماء: كان من حكمة الله عز وجل إخفاء الثواب، فبقدر إخلاص الصائم وصدقه وأمانته واحتسابه يكون ثوابه. فلما كان عمله من أعمال السر، كان كذلك الجزاء مخفيًا لخفاء العمل. وفيه إشارة إلى أن الثواب يتفاوت فيه الناس، فهم لا يستوون. وكما سيأتي معنا إن شاء الله: أن الناس مراتب في الصيام، فهم مراتب في درجات الصيام. قال رحمه الله: والثاني أنه قهر لعدو الله؛ لأن وسيلة العدو الشهوات، وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب. وما دامت أرض الشهوات مخصبة، فالشياطين يترددون إلى ذلك المرعى. وبترك الشهوات تضيق عليهم المسالك. وبالصوم أخبار كثيرة تدل على فضله، وهي مشهورة. ومعناه أنه أراد أن يشير في هذا الموضع إلى هذا المعنى فقط، وإلا ففي الصوم فضائل كثيرة، ومرت معنا في مجال السابقة. فالمعنى الثاني الذي لأجله كان الصوم من خصائص العبادات التي اختص الرب جل وعلا بها لنفسه: أن فيها قهرًا لعدو الله، وهم شياطين الجن والإنس. وأشار رحمه الله إلى جهة: أن الصوم فيه قهر لعدو الله من جهتين: أولًا أنه شهر الصيام، شهر رمضان، الذي فيه تصفيد الشياطين، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين». وفي رواية خارج الصحيح: «وصفدت مردة الشياطين». فهذا عيد من الله عز وجل في قهر عدو الله، في إعانة للإنسان. والوجه الثاني: أن الشيطان يقهر بترك الصائم للطعام والشراب والشهوة؛ لأنه بهذا يخلي له أرضه التي يرعى فيها. وكما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». فلذلك يضيق عليه بقلة الطعام والشراب والشهوة. وفي حديث ابن مسعود: «فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء». وكما قيل كذلك: إذا شبعت البطن جاعت الجوارح، وإذا جاعت البطن شبعت الجوارح. قال: فصل في سنن الصوم: يستحب السحور وتأخيره، وتعجيل الفطر، وأن يفطر على التمر. من مستحبات الصوم أن يتسحر؛ ففي السحور بركة. ففي الصحيحين من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة». وفي السحور فوائد: أولها التعبد لله عز وجل بهذه الأكلة، وثانيها حصول الثواب بتتبع هذه السنة، وثالثها حصول البركة بأكل هذا الطعام، وهذه الأكلة. البركة في الصيام: فيكون عونًا للصائم بأن يتقوى على صيامه، وبركة كذلك في الوقت. ولذلك فإن المتسحر يجد من النشاط ما لا يجده محروم السحور. فالمتسحر يجد في نفسه نشاطًا، وهذا النشاط من أثر البركة، بركة السحور. والعكس لمن حرم هذه الأكلة، ففيه بركة من نواح كثيرة. وهكذا من المستحبات وسنن الصوم: تأخير السحور. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بتأخير السحور. وهذا الحديث إن كان فيه ضعف، لكن معناه صحيح. فقد صح من فعله عليه الصلاة والسلام: تأخير السحور في أحاديث كثيرة، حتى أنه كان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية. وهذا يدل على أنه كان يؤخر السحور، فينتهي سحوره مع قرب الأذان؛ يعني الأذان الثاني للفجر. قال: وتعجيل الفطر كذلك من سنن الصوم أن يعجل الفطر. وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». ومعناه: إذا أخروه فإنهم لا يكونون بخير. ولهذا جاء في بعض الروايات التحذير من تأخير السحور؛ لأنه من سنة أهل الكتاب. فما يفعله بعض الناس اليوم -كالرافضة ومن سلك مسلكهم وتشبه بهم- من تأخير الفطور حتى تظهر النجوم أو حتى يشتد الليل، فهذا خطأ. فالسنة أنه يفطر إذا غربت الشمس، أقبل الليل. وإذا غربت الشمس غروبًا صحيحًا، لابد أن يقبل الليل من الجهة الأخرى. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أقبل الليل من ها هنا، وغربت الشمس من ها هنا، فقد أفطر الصائم». وقوله: «أن يفطر على تمر»؛ لما ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام: أنه كان يفطر على رطبات الرطب -معروف هو ما يجنى من التمر من ثمرة التمر بعد البسر- وفي الحديث: أنه كان يفطر على الرطب قبل أن يصلي، فإن لم تكن -أي الرطب- فعلى تمر، فإن لم يكن حسى حسوات من ماء. والحديث صححه العلامة الألباني بالصحيحة. وإن كان في بعض روايته شيء من الضعف، لكن معناه صحيح؛ له نصوص تؤيده وتشهد له. وجاء من فعله عليه الصلاة والسلام من قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا فليفطر على الماء، فإنه طهور». والحديث كان يصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع، ثم تراجع عن تصحيحه، وصار يضعفه؛ كما ضعفه في ضعيف الترغيب وغيره. وبين أنه صح من فعله، ولم يصح من قوله. فالخلاصة: يستحب أن يفطر الإنسان على الرطب، وإن لم يكن رطبًا فتمر، أو ماء. وذكر العلماء أن في هذا فوائد: وذلك أن الفطر على الحلو يعين على إعادة النشاط إلى الجسم، فهو أسرع ما يتغذى به الجسم، وأسرع ما يظهر أثره فيه. ولهذا تجد من يبتل بالهبوط: ينصح أول ما ينصح بماذا؟ بأكل شيء من السكر. وهكذا كذلك الصائم؛ لافتقاد الطعام والشراب التي بها قوته، فإنه إذا ابتدأ بالتمر -ومعنى وبمعناها الحلو- والتمر أخف الحلو، فإنه بذلك يتقوى سريعًا. وفيه علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. ففي هذه الشريعة من مواضع الحكمة والإحكام: ما يظهر لكل منصف أنها من عند الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ويستحب الجود في رمضان، وفعل المعروف، وكثرة الصدقة؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. يشير إلى حديث ابن عباس في البخاري وغيره: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». وهذا معناه أنه كان عليه الصلاة والسلام يجود في كل العام، وفي رمضان يكون جوده أكثر. والجود يكون بأنواع: يكون الجود بالمال، وله أوجه كثيرة. منها الصدقة -سواء بالطعام أو الصدقة بالدينار والدرهم- وما كان بمعناه، أو الصدقة بالملابس، أو الصدقة كذلك بالأمتعة، أو غير ذلك مما يتصدق به. فهذا الشهر شهر الجود والصدقة. وكان نبينا عليه الصلاة والسلام جوادًا في كل عامه، وفي رمضان يكثر جوده عليه الصلاة والسلام. وهذا مع ما كان عليه من الفقر والفاقة عليه الصلاة والسلام، وشدة العيش. ومع ذلك كان جوادًا عليه الصلاة والسلام. وفي هذا درس لنا: أن الإنسان لا يستصغر شيئًا يتصدق به. ولهذا كان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا لم يجدوا ما يتصدقوا به، تصدقوا بفطورهم الذي يفطرون به، يؤثرون هذه الصدقة في هذا الشهر الكريم على أن يطووا جائعين صابرين، يريدون الأجر والثواب عند الله. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من فطر صائمًا كان له مثل أجره، لا ينقص ذلك من أجره شيئًا». فلهذا كانوا يتنافسون إلى مثل هذه الأجور. وصح عنه عليه الصلاة والسلام: الحث على إطعام الطعام في أحاديث كثيرة. فمن أسباب دخول الجنة بسلام: إطعام الطعام؛ كما جاء من حديث عبد الله بن سلام. وصح عنه عليه الصلاة والسلام فيما خص به صنفًا من أهل الجنة: فإن الله أعد في الجنة أورفا -يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها- أعدها الله عز وجل: من أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصل بالليل والناس نيام. وهكذا كذلك الجود بالشفاعة، والجود بالعلم، والجود بالإعانة، وغير ذلك من أنواع الجود. قال: وفعل المعروف، وكثرة الصدقة؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. وفعل المعروف: كل ما أمر به الشرع. إماطة الأذى من المعروف، الكلمة الطيبة من المعروف، الإحسان للجار من المعروف، دلالة التائه في الطريق من المعروف. فكل أعمال الخير والبر من المعروف التي ينبغي أن يحرص عليها الصائم. ومعناه: أن الصائم يحرص على أن يعمل بخصال الإسلام جميعًا. قال: ويستحب دراسة القرآن، والاعتكاف في رمضان، لا سيما في العشر الأواخر، وزيادة الاجتهاد فيه. فشهر رمضان شهر القرآن؛ كما قال الله عز وجل: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان». فلذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام -على شدة اجتهاده في القرآن واعتنائه به- كان يجتهد في رمضان فيما لا يجتهد في غيره. فيجتهد الإنسان في قراءة القرآن، وحفظ ما يتيسر منه، وتلاوة شيء من تفسيره، وتدبر معانيه. وهكذا كذلك في طلب الخشوع بتلاوته؛ فأحيانًا تقرأ، وأحيانًا تسمع. ففي الصحيح من حديث ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: «اقرأ علي القرآن». قال: «يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟» قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». فقرأ القرآن من أول سورة النساء، حتى إذا بلغ قول الله عز وجل: «إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا» قال: «حسبك الآن». قال: فالتفت إليه عليه الصلاة والسلام، فإذا عيناه تذرفان -يعني من الدمع- عليه الصلاة والسلام. فالإنسان يطلب الانتفاع من القرآن بوسائله المتنوعة: يسمعه في وقت، ويقرأه في وقت، ويحفظ منه في وقت، ويتلو كذلك مع الآخرين، ويتعلم أحكام التجويد وتصحيح القراءة في وقت، ويقرأ ما يتيسر من التفسير في وقت؛ حتى يكون وقته متنوعًا. وفي نفس الوقت معتنيًا بدراسة القرآن. ولهذا قال: «ويستحب دراسة القرآن». فرق بين التلاوة وبين الدراسة؛ الدراسة أعم من التلاوة؛ فيتضمن أنواعًا كثيرة يكون فيها الاعتناء بالقرآن. وفي هذا ترويح للصائم والقائم أن يعتني بالقرآن؛ حين يتنقل من عمل إلى عمل، وكله بالقرآن؛ بين أن يكون عمل واحد. ولهذا يسأل بعض الناس كثيرًا: ماذا تنصحوني في رمضان؟ هل أكثف في حفظي للقرآن؟ أم أتلو فقط القرآن وأحرص على الختم وأكثر من الختمات؟ الجواب: اجمع بين هذا وهذا. فمدارسة القرآن معناه هو التنوع بأخذ ما يمكن أخذه من القرآن. وهذا هو معنى الحديث: «أن جبريل كان يأتي النبي عليه الصلاة والسلام في رمضان فيدارسه القرآن». وإنما العلم بالتعلم. أنت تحتاج أن تقرأ القرآن وتكون ماهرًا فيه. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «القارئ للقرآن وهو عليه شاق يتتعتع فيه له أجران، والذي يقرأه وهو ماهر به مع الكرام السفرة البررة» -يعني مع الملائكة- فالملائكة تحسن قراءة القرآن. ولهذا أرسل الله عز وجل جبريل عليه الصلاة والسلام يعلم نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام قراءة القرآن. وهكذا نبينا علم أصحابه رضي الله عنهم، وهم يعلمون غيرهم. وهكذا أنت تحتاج إلى مدارسة القرآن لتتعلم تلاوته، وتتعلم أحكامه، وتتفقه كذلك، وتتدبر فيه، وتأخذ منه ما يكون به خشوع قلبك، وإعانة على تقوية إيمانك؛ كما قال سبحانه: «إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا». قال: والاعتكاف في رمضان، لا سيما في العشر الأواخر، وزيادة الاجتهاد فيه؛ كذلك من المستحبات: الاعتكاف في رمضان، لا سيما في العشر الأواخر. وانتبه لقوله: «لا سيما»؛ حتى لا يظن أن الاعتكاف منحصر بالعشر الأواخر. فقد صار مستقرًا في أذهان كثير من طلبة العلم -فضلًا عن غيرهم- أنه لا اعتكاف إلا في ماذا؟ إلا في العشر الأواخر. وهذا غير صحيح. العشر الأواخر أحسن ما يعتكف به؛ لأن ليلة القدر أرجى ما تكون فيها. ولهذا داوم النبي عليه الصلاة والسلام -بعد أن أوحي إليه بذلك- على اعتكاف العشر الأواخر؛ حرصًا على ذلك عليه الصلاة والسلام. ولكن ليس معناه أنه لم يكن يعتكف في غير العشر الأواخر. فقد ثبت أنه اعتكف في العشر الأوسط؛ قبل أن يوحى إليه أنها في العشر الأواخر. وثبت أنه اعتكف عشرين يومًا -بعد أن أوحي إليه كذلك أنها في العشر الأواخر-؛ حتى لا يظن أنه بعد بلوغه أن ليلة القدر في العشر الأواخر، لم يعتكف إلا العشر؛ بل اعتكف في العشر، وفي غير العشر. بل حتى ثبت عنه أنه اعتكف في شوال عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأن الاعتكاف فيه التفرغ لعبادة الله عز وجل، ويعين للعبد على أن يجتهد في الطاعة. وهذا مقصود في مثل هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات والرحمات، وهو شهر رمضان المبارك. قال: وزيادة الاجتهاد فيه -يعني في العشر الأواخر- لما سيأتي. قال: وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله». قال: وذكر العلماء في معنى شد المئزر وجهين: أحدهما أنه الإعراض عن النساء، والثاني أنه كناية عن الجد والتشمير في العمل. وكل المعنيين صحيح. فإنه يشد المئزر، ومعنى يعتزل النساء، ويجتهد ويشمر في العمل الصالح. ولهذا قالت: «أحيا ليله، وأيقظ أهله». ومعنى أنه في غير العشر الأواخر: ربما ينام. أما في العشر الأواخر فإنه يحيي الليل، لا يكاد أن ينام؛ يعني يجتهد في العبادة والطاعة. وهكذا كذلك يوقظ الأهل. وهذه سنة مهجورة؛ فالقليل من المسلمين من يعتني بالغير -أي من أهله- فيجعلهم يحيون ليلهم؛ لأنها أيام مباركة، وفيها ليلة خير من ألف شهر. قال رحمه الله تعالى: بيان أسرار الصوم وآدابه. قال: وللصوم ثلاث مراتب: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. فأما صوم العموم: فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة. وهذا الذي يفهمه أكثر الناس من معنى الصيام. قال: وأما صوم الخصوص: فهو كف النظر واللسان واليد والرجل والسمع والبصر وسائر الجوارح عن الآثام. وهذا من يفقهه من فقهه الله، وشرح صدره للعلم والإيمان؛ فإنه يستشعر أن حقيقة الصيام هو الإمساك بالتعبد لله عز وجل. فالإمساك عن المحرمات أولى من الإمساك عن الطعام والشراب. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». وقال في الحديث الآخر: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش». قال: وأما صوم خصوص الخصوص: فهو صوم القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار المبعدة عن الله تعالى، وكفه عما سوى الله تعالى بالكلية. وهذا الصوم له شروح تأتي في غير هذا الموضع. وهو يشير بهذا إلى أن أعلى مراتب الصوم: أن يصوم ظاهرك وباطنك؛ ظاهرك بالكف عن الطعام والشراب والشهوة وسائر الآثام، وباطنك عن الهموم الدنيئة -أي ما تهم به- عن الهمم الدنيئة والأفكار المبعدة عن الله. ومعنى أنك تخلص قلبك من كل معنى سيء؛ ففي رمضان تجتنب وتجاهد نفسك في اجتناب الخواطر السيئة، وتحرص على عدم ورود الهمم الدنيئة والمقاصد المنحرفة. وتحرض على تخلية قلبك من الشحناء والبغضاء والغل وغير ذلك من معاني الحسد. وتحرض كذلك -زيادة بالحرص- على تخلية قلبك من العجب والرياء والغرور والتعالي على الخلق. فاجعل قلبك طاهرًا؛ ليكمل لك صيامك. فهذا هو أعلى درجات الصيام. قال رحمه الله تعالى: فمن آداب صوم الخصوص: غض البصر، وحفظ اللسان عما يؤذي من كلام محرم أو مكروه أو ما لا يفيد، وحراسة باقي الجوارح. وفي الحديث -من رواية البخاري- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». وهذا الأدب هو المعنى الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم. وكما قلنا: لا ينتبه له الكثير من الناس. وقوله: «وحراسة باقي الجوارح»؛ يعني يحرص قدر المستطاع على أن لا يقع منها شيء ينافي الاستقامة الصحيحة. قال: ومن آدابه: ألا يمتلئ من الطعام في الليل؛ بل يأكل بمقدار؛ فإنه «ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطن». كما في الحديث: «ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطن؛ بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد أو لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لهوائه». الحديث المشهور، وهو حديث حسن. فمعنى أن الصائم يحرص في وقت فطره أن لا يكثر من الطعام؛ بل يأكل حاجته، ويترك شيئًا يكون به إعانة له على الاجتهاد في طاعة الله. ليس أن يدقل حتى لا يستطيع أن يقوم من مكانه؛ بل ربما يملأ الإنسان بطنه -مع ما يرى من صنوف الطعام- حتى لا يستطيع أن يتحول عن جنبه. وهذا خطأ. ويجوز أحيانًا إذا اشتهى الإنسان طعامًا خاصًا أن يأكل أو يشرب حتى لا يجد له مسلكًا؛ كما في حديث أبي هريرة في الصحيح. وكما قال ابن القيم رحمه الله: وفائدة ذلك أن تنكسر شهوته، وتحصل له القناعة. وعند ذلك يكون عبرة له في غيره؛ أن لا يعود لمثل هذا. الإنسان إذا صارت له رغبة في شيء: ربما إذا أكل منه، وصار في النفس بقية رغبة، وفي البطن بقية سعة، لا يزال القلب متعلقًا بهذا الطعام والشراب الراغب فيه. لكنه إذا أكل ولو مرة واحدة حتى لا يجد له مسلكًا؛ عند ذلك تنتهي الرغبة، وتنكسر الشهوة، ويعرف عندها أن منتهى كل طعام مرغوب هو منتهى إليه أمر هذا الطعام الذي كان راغبًا فيه. فإذا استقر عنده هذا المعلوم: حصلت له القناعة؛ أن يتعلق قلبه بأي طعام أو شراب؛ بل حسبه أن يأخذ منه كفايته. وهذا كما قال ابن القيم رحمه الله وغيره من أهل العلم: من حكمة الأكل والإكثار أحيانًا. ولم يكن دائمًا؛ ولكن الأصل هو أن يجعل ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لهوائه. قال رحمه الله: وكذلك إذا شبع وقت السحر لم ينتفع بنفسه إلى قريب من الظهر؛ لأن كثرة الأكل تورث الكسل والفتور. ومعناه أنه في السحور كذلك يقتصد؛ كما أنه في الإفطار كذلك يقتصد. قال: ثم يفوت المقصود من الصيام بكثرة الأكل؛ لأن المراد منه أن يذوق طعم الجوع، ويكون تاركًا للمشتهى. وليس هذا على إطلاقه؛ بل إذا اشتهى طعامًا أكله في وقت فطره أو وقت سحوره. وليس يعذب نفسه؛ فالأجر على قدر المشقة. وليست المشقة لأجل الأجر. وفرق بين المعنيين؛ كما نبه عليه كثيرًا في مواضع سابقة. فالخلاصة: هذه المباحثة التي قرأناها تفيد أن المسلم ينبغي عليه أن يجتهد في هذا الشهر، وأن كذلك يجنب نفسه كل ما يصرفه عن اغتنام هذا الموسم العظيم. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير لنا في هذا الشهر الكريم، وأن يعيننا على الصيام والقيام وسائر أنواع الطاعات. والحمد لله رب العالمين. هذا سائل يقول: في هذا الزمان انتشرت عادة رفض الفتاة أو والدها الزواج ممن يخطبها؛ لأجل أن تكمل تعليمها أو حتى لأجل أن تدرس لعدة سنوات. فما حكم ذلك؟ إن كانت الدراسة ليس فيها ما يخالف الشرع، وقل أن يوجد مثل ذلك؛ فلا ينبغي أن يكون مانعًا من تعجيل النكاح. فتعجيل النكاح سبب للعفة، وكثرة الذرية، وحصول منافع كثيرة. ولا يمنع أن المرأة تتعلم وهي متزوجة؛ ممكن أن تشترط -خصوصًا كما قلنا إذا لم يكن فيه ما يخالف الشرع- أو العلم الشرعي في بيوت الله، وفي مدارس التحفيظ التي تسلك طريق السنة؛ فلا مانع من ذلك إن شاء الله. وتأخر النكاح ربما يكون سببًا في العنوسة. وكم من امرأة قارفت وأصرت على هذه الطريق، فكان عاقبتها الندم والحسرة؛ حتى تقول بعض أولئك النساء: «خذوا شهادتي واعطوني زوجًا وولدًا». ما فائدة امرأة تدرس اثنى عشر سنة، ثم سبع سنوات؟ كم صارت؟ تسعة عشر سنة. حتى تخرج طبيبة، ثم تخصص خمس سنوات؟ كم صارت؟ أربع وعشرين سنة. أربع وعشرين سنة، وزد فوقه سبع سنوات -أقل شيء ابتدأت الدراسة- صارت كم؟ ها واحد وثلاثين سنة. هذا إذا استمرت في الدراسة من دون تقطع، ومن دون ما يتخلل له شيء. فإن تخلى له شيء بلغت إلى قرب الأربعين. تخرج ما شاء الله وهي دكتورة، خصائية في كذا وكذا. هل عندها زوج؟ ما عندها زوج. عندها ولد؟ ما عندها ولد. تريد زوجًا. من يتزوج امرأة فوق الأربعين؟ قل أن يتزوج أحد امرأة فوق الأربعين. وخصوصًا امرأة مشغولة. فـعند ذلك تندم هذه المرأة، لكن ماذا ينفع الندم؟ ما ينفعها شيء. تريد أن ترجع، لكن العمر لا يرجع إلى الوراء. فلذلك يقال: إذا كان التعليم لا يخالف الشرع، فلا بأس بالاستمرار والاشتراك بالاستمرار؛ بشرط أن لا يخالف الشرع. وهي تتزوج، تتزوج وتدرس. ما في شيء. يقول: ما حكم قراءة القرآن الكريم من الهاتف؟ عندنا الضرورة؛ كوجودك في سيارة مثلًا. يعني كأنك تريد الاستماع. لا بأس. لا بأس الاستماع في الهاتف، أو حتى تسميع بعض الأخوات في الهاتف. لا بأس به؛ إذا كانت المرأة مثلًا في رمضان، يشق عليها الخروج، وتريد أن تراجع القرآن مع أحد أخواتها بالهاتف المجاني. ممكن أن يجعل وقت للتسميع، يتفقان على وقت، وتسمع القرآن. هذه تسمع لهذه، وهذه تسمع لهذه، ويحصل بهذا المقصود، والالتزام بالورد الذي كانوا يسيرون عليه. يقول السائل: إذا فات على الرجل من صلاة التراويح أو قيام الليل مع الإمام ركعة أو ركعتين، فهل يذهب عنه أجر قيام ليلة؛ لأنه فات وركع عن الإمام؟ إنما الأعمال بالنيات. فإذا كان حريصًا، ومنعه عذر؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». وأما المفرط فما دام هو مفرطًا؛ فيفوته هذا الأجر. وفي الحديث: «من قام مع الإمام حتى يفرغ كتب له أجر قيام ليلة» -أي كاملة-. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «قال تعالى: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات في أول النهار أكفيك آخره». فإذا صليت هذه الأربع نويت بها أيضًا صلاة الضحى؛ فهل يصح ذلك؟ يصح لك الأجر إن شاء الله. وصلاة الضحى: ليس المقصود بها صلاة معينة؛ بل كل صلاة تكون في أوساط النهار. يقول: ما صحة حديث: «رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا»؟ إما على ضعفه، ويحسنه بعض أهل العلم. وقد نقل شيخ الإسلام -ونحوه تلميذ ابن القيم- عن ابن عدي وغيره إعلال هذا الحديث. لكن «بين كل أذانين صلاة». يقول: هل إذا أكلت بعد التمر في الإفطار مباشرة أي شيء -كالسنبوسة وغيرها- خالفت السنة؟ وأيهم أفضل: أكل التمر فقط، أم الصلاة، أم أكل كل شيء معه؟ الأفضل أن تأكل شيء يسير يعينك على الصلاة، ولا يشغلك عنها. فإن كان الوقت يكفي أن تأكل شيء فوق التمر؛ لا بأس. لكن كما سمعت في الحديث: ما يفيد أن أكل النبي عليه الصلاة والسلام قبل الصلاة هو التمر أو الماء؛ لأنهم كانوا يبكرون في المغرب. فإذا كان هناك مصلحة لتأخير المغرب يسيرًا حتى يدركها الناس؛ فلا بأس أن يأكل الإنسان ما احتاج إليه من طعام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافع الأخبثان». ومعنى: إذا كانت له رغبة في طعام؛ فليأكله؛ طيب نكهته. وبهذا نتهي. والله تعالى أعلم.