التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين  21

التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 21

الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 21، الدرس الحادي والعشرون:من( ثم قال رحمه الله:مطيع لداعي الغي عاص لرشده*إلى ربه يوماً يرد ويعلم ... أسرع من السيل في مجراه وبالنسبه للطاعات بطيء). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح معاني الرشد والغي

شرح معنى الرشد والغي في قول المؤلف، حيث بين أن الرشد يعني حسن التصرف في مختلف الأمور، والغي هو ضد الرشد. الرشد يختلف باختلاف المقام.

تحذير من غش النفس وتأجيل التوبة

الذي يضيع أمر الله يغش نفسه لأنه يخدعها ويمنيها بالتوبة غدا، وهذا قد يكون بعلم أو بجهل. مثل حال هؤلاء كمثل رجل يخطو إلى الماء ولا يحسن السباحة.

خطورة التدرج في المعاصي والانحراف

يضرب ابن القيم مثلاً لخطورة التدرج في المعاصي، حيث يبدأ الانحراف صغيراً ثم يتطور مع الوقت. يحذر من سرعة الانجراف في المعاصي وبطء الحركة نحو الطاعات.

ختام وطلب التوفيق الإلهي والصلاة على النبي

يختتم بالدعاء لله أن يحفظنا ويرضى عنا، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم قال رحمه الله تعالى مطيع لداعي الغي، عاص لرجده إلى ربه، يوما يرد، ويعلم -يعني رحمه الله- أن الإنسان أيضا يطيع داعي الغي، ويعصي داعي الرشد، والرجد في كل مقام يجمعه معنا واحد، وهو حسن التصرف، وهو مأخوذ من قول الله عز وجل في حق الصغير: ﴿وابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، وهكذا كذلك المرأة الذين لا يحسنون التصرف، وأنهم ليسوا من أهل الرشد، وهذا المقام كما هو كذلك في حق أولئك، كذلك هو هنا، ومراده رحمه الله تعالى أن من اتبع سبيل الغي، وترك سبيل الاستقامة، فقد ترك داعي الرشد، أي ما يدعوه إلى ما فيه حسن تصرفه وانتفاعه بنفسه بالدنيا قبل الآخرة. قال رحمه الله: وذلك في كل مقام بحسبه، فبباب العبادة الرشد هو أن يقوم الإنسان بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وفي باب المال الرشد هو أن يبيع ويشتري ويؤجر ويستأجر بدون غبن -يعني بدون ما يحصل له معنى عدم حسن التصرف من الخديعة والغش وغير ذلك-، فإن كان يحسن التصرف فهو الرشيد، وقد نهى الله عز وجل أن يؤتى السفهاء أموالهم حتى يكونوا من أهل الرشد. قال: وأما الغي فهو ضد الرشد -يعني هنا- وإلا فهو أوسع من ذلك، فيشمل عدم حسن التصرف، ويشمل كذلك الإصرار على الباطل والفساد. قال: ثم قال رحمه الله: مضيع لأمر الله، قد غش نفسه، مهين لها أن يحب ويكرم. قال: وهذا صحيح، فإن الذي يضيع أمر الله هو في الحقيقة غاش لنفسه أكبر غش؛ لأنه يخدعها ويمنيها، ويقول: أتوب غدا، ونحن في مهلة، وما أشبه ذلك، فيهوي من حيث لا يدري، ووجه غش نفسه ظاهر كما ذكر الشيخ رحمه الله، وهذا قد يكون بعلم، وقد يكون بجهل -يعني بعلم يعلم أنه يغش نفسه لأنه يعلم أنه كاذب في الدعاء التوبة- بل هو لا يزال يقدم شهوة نفسه ورغبتها بالباطل على ما علم مما فيه الخير لنفسه بالدنيا قبل الآخرة، وقد يكون من النوع الثاني الذي يمني نفسه بالأمان، بالأمان، وهو قد وقع في غش نفسه من حيث لا يشعر؛ لأن تلك الأمان لا يستطيعها لو صدق، فكيف إذا لم يصدق؟ وقد مثل الإمام ابن القيم رحمه الله لحال هؤلاء الذين يضيعون ويمنون أنفسهم مع التضييع بمثالين، فمثل جعله في مثل رجل يخطو خطوات إلى الماء، وهو لا يحسن السباحة، يناديه المنادي يحذره أن يقع في الغرق، وهو لا يستجيب لهذا النداء، ويظن نفسه أنه كما دخل في الماء برجليه سيخرج من الماء برجليه، ولا يدري أنه كلما ازداد في الماء تعمقا ازداد ضعفا وعدم التمالك لنفسه، حتى إذا ارتفعت رجلاه من الأرض فعند ذلك يغرق، ويظن نفسه أنه يستطيع الرجوع فلا يستطيع، فيستغيث فلا يجد من يغيثه. وهكذا كذلك حال الكثير من المضيعين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه، وأن يهدي من ضل من المسلمين، فإن الكثير من المضيعين لأمر الله يفتدئون ذاك التضيع بخطوات يسيرة -خطوات الشيطان- ثم تكون كثيرة، ويمنون أنفسهم برجوع قريب، فلا يدرون إلا وقد تغيرت قلوبهم، وعند ذلك لم يروا معروفا ولا منكرا إلا ما أشرب من هوى أنفسهم، فعند ذلك يصعب الرجوع، وصدق الله إذ يقول: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وهكذا كذلك ضرب الإمام ابن القيم رحمه الله مثل آخر في حق أمثال هؤلاء، وذلك كرجل غرس شجرة، وهو لا يزال يتركها، ويظن أنه كما غرسها بيده يستطيع أن يخرجها بيده، ولا يدري أنها إذ غرست لا تزداد كل يوم يمر عليها إلا قوة ورسوخا وثباتا، ولا يزداد هو بمضي الأيام والليالي عليها إلا ضعفا وشيخوخة، حتى إذا كبرت تلك الشجرة فأراد قلعها لم يستطع مع ضعفه وقوتها. وهكذا كذلك شجرة المعاصي إذا غرست في القلوب، فإنها تبتدئ صغيرة، فإذا مرت عليها الأيام والليالي واسترسل فيها الإنسان صارت شجرة كبيرة يصعب قلعها ويشق إزالتها، وهذا حال الكثير من الناس الذين يبدأ انحرافهم بشيء يسير، ثم يتتابع عليه الأمر حتى يكون في أمر كبير، وبه لا تستغرب كيف يكون الرجل من أهل المساجد والصلاة والطاعة، ثم ينتقل به الأمر إلى طريق الانحراف والرذيلة، وذلك أنه لم يقفز تلك القفزة مرة واحدة، وإنما كما قيل: أول الانحراف كان نقطة، وتلك خطوات الشيطان. ولهذا كان الأول والثاني كل منهما غاش لنفسه. قال: ثم قال رحمه الله: بطيء عن الطاعات، أسرع للخناء من السيل في مجراه لا يتقسم. قال: قوله «لا يتقسم» يعني أنه يأتي باندفاع واحد، وكلما أتى السيل باندفاع واحد صار أقوى، وكلما توزع وتفرق صار أخف، فهو يقول: إنك بالنسبة للخناء والفساد والمعاصي والفجور أسرع من السيل في مجراه، وليس السيل العادي بل السيل الذي يجري في مجرى واحد ولا يتقسم، فهو يكون كبير وقوي. ومعنى أن الكثير من الناس -إلا من رحم الله- قد ابتلي بهوى نفسه، فضيع أمر الله، وغش نفسه، حتى صار سريعا في المعاصي والذنوب، وأشدها الخناء من الفجور والرذيلة، وهو في باب الطاعات بطيء، حتى أنه سريع كسرعة السيل في قوته، وبالنسبة للطاعات فهو بطيء، وكل هذا تحذير من المؤلف رحمه الله من هذه العوائق التي تعوق المؤمن في سيره إلى بلاد الأفراح، إلى جنة الله ورضوانه سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه أن يحفظنا بحفظه، وأن يوفقنا بتوفيقه، وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.