شرح الفرائد البهية  49

شرح الفرائد البهية 49

الدرس في شرح الفرائد البهية 49، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

القواعد الفقهية المتعلقة بالقوة والضعف

تناول الشيخ شرح القواعد الفقهية المتعلقة بالقوة والضعف في الشرع، موضحًا معانيها وأمثلتها. يركز على القاعدة السادسة والثلاثين التي تنص على أن القوي يدخل على الضعيف ولا عكس.

الوسائل والمقاصد في الشريعة الإسلامية

يشرح المقطع قاعدة فقهية تتعلق بالوسائل والمقاصد في الشريعة، حيث يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد، مع تقديم أمثلة توضيحية مثل الطهارة كوسيلة للصلاة.

قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور وتطبيقاتها

تناول المقطع قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، وهي قاعدة فقهية تعني أن ما يستطيع الإنسان فعله من واجب أو طاعة لا يسقط بسبب عجزه عن جزء منه، واستشهد بالحديث النبوي 'ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم'.

تطبيق قاعدة فاتقوا الله ما استطعتم في الواجبات الشرعية

يناقش المقطع كيفية التعامل مع الواجبات الشرعية وفقًا للقدرة على أدائها، ويشرح أربعة أقسام من المسائل المتعلقة بذلك، ويتناول أمثلة على تطبيق قاعدة 'فاتقوا الله ما استطعتم'.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. تنبيه وتتمة للفائدة، قبل أن ننتقل للقاعدة الأخرى، فيما ذكره المؤلف رحمه الله في قوله: «وحيث للمنكر فيه كان حق كزوج فافهم البيانة»، لأن هذا يكثر، وقد كثر في مرات السؤال عن هذا، خصوصًا فيما يقع من خلاف بين الزوجين. فتوضيحًا للأمر حتى لا يفهم الأمر على غير وجهه، كما سبق تأكيدًا لما سبق. الخلاف ينقسم إلى قسمين: خلاف يسوغ فيه الخلاف، وخلاف يخالف الدليل لا يسوغ فيه الخلاف. فهذا الثاني لا يكون فيه الإلزام، فالعبرة بما صح به الدليل. ومما يبين الأول مما يسوغ فيه الخلاف، أن يكون خلافًا بين علماء أهل الحق، يعذر بعضهم بعضًا فيه. فما كان كذلك، فتطاوع المرأة الزوج، خصوصًا كما قلنا مما يتعلق بالحياة الزوجية. أما ما كان من الأمور الخاصة، فليس للزوج حق أن يعنف عليها، مثلًا فيما يتعلق بالأمور الزوجية. لو قال الرجل لمرأته: «لا أريدك أن تستخدمي هذه المحسنات والمزينات المعاصرة، استعملي الشيء الطبيعي، الشيء الكيماوي لا تستعملي»، فقالت: «لكن الشيخ فلان يقول يجوز، وشيخ فلان يقول يجوز». ومنه مثلًا التشقير، تسمعون التشقير، يعني شيء يفعل فيجعل الحاجب كأنه حصل فيه نمص وليس كذلك، بصبغة تجعل على الجلد، هذا اختلف فيه المشايخ المعاصرون، منهم من أجازه، ومنهم من منع، ومنهم من له شيء من التفصيل، وهو مما يسع فيه الخلاف، خلاف أفهام. لكن الزوج مثلًا قال لزوجته: «لا أريدك تستعملي هذا»، فإذا تطاوعه وتطيع في هذا؛ لأن له حق عليها، وفي شيء يتعلق بحياتهما الزوجية. لكن شيء خاص، هو لا يرضم بعد الركوع، وهي ترضم بعد الركوع، ما يشدد عليها، ينبغي أن يتركها في هذا، ينبغي أن يتركها في هذا؛ لأن هذا لا يتعلق بحياتهما الزوجية. ومثله فيما يتعلق بالأولاد، فإذا أمرها بشيء فيما يتعلق بالأولاد، فتطيعه ما دام مما يسع فيه الخلاف. وأما ما يخالف الصواب، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ومع هذا، إذا أصر وخالف ما ينبغي أن يكون، أصر على الخطأ، فهي بين أمرين: إما أن تخسر الحياة الزوجية، وإما أن تدرأ المفسدة الكبرى بالصغرى. فإن كان الرجل بالجملة فيه خير، وهذه المسألة ترجو أنها تنصحه فيما يستقبل من الحياة، فتصبر، لا تعينه، ولا تشاركه فيه، مع ماذا مناصحته. مثل توسع بعض الناس في الصور، هذا لا نقول مسائل خلاف، نقول راجح ومرجوح؛ لأن الدليل ظاهر واضح فيه. فإذا كان كذلك، فربما تستمر بالنصيحة، تنظر أن فراق الحياة الزوجية مفسدته أكبر. وهكذا قل في مسائل كثيرة. ومثل الزوج من باب أولى من الأب، ربما يأمر الأب ابنته بشيء مما يسع فيه الخلاف، فتطيعه في ذلك، برًا به، وأداء لحقه. فننتبه لمثل هذا حتى لا تختلط المسائل. قال رحمه الله تعالى: «القاعدة السادسة والثلاثون: يدخل القوي على الضعيف ولا عكس». قال: «ويدخل القوي على الضعيف»، قد قالوا: «ولا عكس»، فحقق ما ورد. ومعنى هذه القاعدة مر معنا في مسألة تداخل الأعمال، ولها عبارات، وقد مر معنا القواعد التي فيها معنى التداخل. ويريد هنا رحمه الله خاصة بما يتعلق بالقوة، لا بما كان فيه ما تقدم من التداخل، بما هو أوسع من ذلك. وقد مر معنا أنهم ذكروا معاني في التداخل، تارة بما اتحد سببه، وتارة بما اتحد مقصده، وتارة بما كان مستويًا في الوجوب. وعلمنا هناك أنه ما كان أحدهم ليس مقصودًا لذاته، دخل في الآخر، لا فرق بين الواجب والمستحب. ونحو ما سبق، لكن هنا بالنسبة للقوة والضعف. وستأتي الأمثلة إن شاء الله. قال: «ويدخل القوي على الضعيف»، قد قالوا: «ولا عكس»، فحقق ما ورد. ومعنى القوة والضعف ها هنا، تارة يريدون بالقوي الواجب، والضعيف المستحب. وتارة يريدون بالقوي الأكثر فرضية، ولو كان كلاهما واجبًا. وتارة يريدون بالقوي ما أعماله أكثر. وتارة يريدون بالقوي ما يترتب عليه من تبعات وأحكام أكثر. وهذا كله يُعلن بالشرع، الشرع دل على معاني القوة هذه. فما كان كذلك، فإنه يدخل على الضعيف، يعني فيغلبه، فيتضمن الضعيف، ولا يدخل الضعيف على القوي. من أمثلته، قالوا: «الحج والعمرة»، فالحج فرض، والعمرة فرض، لكن فرضية الحج أشد. وكذلك خصوصًا أن العمر وقع في فرضيتها ووجوبها خلاف، بخلاف الحج، ركن من أركان الإسلام بلا خلاف، بالإجماع، كتاب أدلة الكتاب، وأدلة السنة، والإجماع. وكذلك لأن الحج أعماله أكثر، ومن الحج العمرة. فهنا الحج قوي بلا خلاف، أقوى من العمرة. فهنا يقولون: «يجوز إدخال الحج على العمرة، ولا يجوز العكس»، أي إدخال العمرة على الحج. ومعنى ذلك، لو أن إنسانًا ذهب بعمرة، فجعلها عمرة حج، أو من الحج جازة الحج أقوى. فالحج يدخل على العمرة، لكن إذا أراد أن يحول الحج إلى عمرة، لا يمكن؛ لأنه بقي عليه أعمال. وإنما يصح ذلك عند العجز، يصح إدخال الضعيف على القوي عند العجز. مثاله: رجل أراد الحج، لكنه جاء وقد وقف الناس بعرفة، فاته عرفة، هل بقي له شيء من الحج؟ خرج من بيته يريد ماذا؟ يريد الحج، لكنه فاته الحج. فهنا يجعلها ماذا؟ عمرة؛ لأنه خرج محرمًا، خرج محرمًا، فيصير معتمرًا بدلًا من حاج. فأدخل العمرة على الحج، لكن للضرورة، ولعجزه عن أداء الحج. وإلا فالأصل العمرة لا تدخل على الحج. وهل يجب عليه شيء من الدماء؟ الصحيح: لا يجب عليه شيء؛ لأنه أدى عمرته على الوجه الصحيح، وعجز عن الحج، ولا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. وهذا متصور، وغير متصور. صور: إنسان خرج يوم تسعة، يريد أن يدرك عرفة، صار له عذر في الطريق، أو منع مثل قوانين الكثيرة الموجودة الآن، فهو محرم، ما منع من العمرة والحج مطلقًا، لا تفضل اذهب، لكن قد وقفوا بعرفة، انتهى عرفة، فهنا دخلت العمرة على الحج. وهكذا كذلك مثلوا له: لو أن رجلًا وطئ امرأة بملك اليمين، ثم أراد أن يتزوج أختها زواج، أو حتى تزوج أختها، فيقال: «الزواج يفسخ؛ لأنه قد نكح الأخت»، فنكاحه لأختها حرم عليه الأخت الأخرى، والمسألة فيها خلاف، لكن هذا على الصحيح؛ لأن الوطء أقوى من العقد، الوطء أقوى من العقد. وهكذا كذلك مثلوا له: وفي بعض المسائل والأمثلة خلاف، والصواب خلاف ذلك. مثلوا له: لو أنه نوى صيام يوم من شوال، هنا نوى شيء نفل، فأراد أن يدخل عليه الفرض، فقالوا: «لا يجوز أن يدخل عليه الفرض؛ لأن الفرض يحتاج إلى نية خاصة». وقد تقدم معنا أن الخاص العام لا يدخل على الخاص، والخاص يدخل على العام. كما مر معنا: «يجوز أن يقلب الفرض نفلا، لكن لا يجوز أن يقلب النفل ماذا فرضا؛ لأن الفرض يحتاج إلى نية خاصة». ولكن قالوا: «يجوز العكس إذا نوى الفرض، جاز أن يدخل معها نية ماذا النفل». والصحيح أن هذا الثاني فيه تفصيل: إن كان النفل مقصودًا لذاته، فلا يدخل فيه. وإن كان ليس مقصودًا لذاته، فيدخل فيه. فالمثال الذي مثل في من صام قضاء في شوال، وأدخل عليه نية صيام ست من شوال، غير صحيح؛ لأن المقصود صيام يوم غير القضاء، لقوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان -يعني كاملًا- وأتبعه كم ستًا من شوال». فعلم أن الست غير الفرض. فإذا أدخل الست في الفرض، ما صح أنه صام ست بعد ماذا بعد الفرض. هذا من جهة الدليل، ومن جهة التعليل؛ لأن الست مع الثلاثين ستة وثلاثين، والحسن بعشر أمثالها، كم ثلاثمائة وستين، وهذا هو صيام الدهر، هذا صيام الدهر. فهذا من جهة الدليل، وهذا من جهة التعليل. لكن لو كان ليس مقصودًا لذاته، صح. إنسان نوى أن يصوم الفرض يوم الخميس، وقال: «سأنوي أنه إن شاء الله كذلك لأجر يوم الخميس»، صح؛ لأن المقصود حصول الصيام في هذا اليوم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إني أحب أن أكون فيه صائما؛ لأنه كما قال يوم ولد فيه، ويوم بعث فيه، أنزل علي فيه». فدل على أن المقصود هو حصول الصيام فيه بفرض أو نفل. فما دام ليس مقصودًا لذاته، فيجوز جمع العملين في العمل الواحد. وقد تقدم معنا الكلام على هذا في قاعدة سابقة. ومثله كذلك في مسألة غسل الجمعة وغسل الجنابة، فالصحيح أنه يجوز أن يدخل أحدهما في الآخر؛ لأن غسل الجمعة ليس مقصودًا لذاته. وهكذا قل في مسألة التداخل. وأما مسألة القوة، فكما ذكر رحمه الله: «القوي يدخل على الضعيف، ولا يدخل الضعيف على القوي»، هذا هو الغالب. قال رحمه الله: «القاعدة السابعة والثلاثون: يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد». قال: «وفي وسائل الأمور مغتفر ما ليس في المقصود منها». يغتفر هذا كذلك البيت، جعله في هذه القاعدة من القواعد الكلية الجزئية، وهي كذلك، إلا أن تعبير بعض العلماء بغير هذا التعبير. فهذه القاعدة بهذا التعبير فيها شيء من القصور في أن تكون كلية. وبعضهم يعبر بقولهم: «وسائل الأمور كمقاصدها»، وهذا أحسن. أو يقول: «الوسائل لها أحكام المقاصد». لكن هنا أراد معنى الاغتفار في الوسائل، ما لا يغتفر في المقاصد، فهو أخص بالنسبة للوسائل لأحكام المقاصد. مع أن مسائل الاغتفار كثيرة، هناك قواعد كثيرة هي من معاني قواعد الاغتفار: «يغفر في كذا ما لا يغفر في كذا». لكن المقصود هنا الاغتفار فيما يتعلق بالوسائل والمقاصد. فمعنى القاعدة أن الوسائل يغتفر فيها ما لا يغتفر في المقاصد؛ لكون الوسيلة ليست مقصودة لذاتها، ليست مقصودة لذاتها. وهذا علم من عمومات نصوص الشريعة: «حرم الله الزنا، ولأجله حرم النظر إلى المرأة الأجنبية»، لكن استثني النظر إلى المخطوبة، استثني النظر إلى المخطوبة. فيغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في ماذا في المقاصد؛ لأنه ليس حرم لذاته، وإنما حرم لغيره. وهكذا كذلك قل في الواجبات والحقوق. فمن أمثلتها مثلوا له بأمثلة، لكن بعض الأمثلة صحيحة، وبعضها غير صحيح. فمثلًا يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد: «الطهارة وسيلة ليش للصلاة»، فإذا لم يستطع الطهارة تيمم. وإذا لم يستطع الطهارة ولا التيمم، هل لم يصل؟ لا، صلى بغير طهارة وبغير تيمم، وهي صلاة فاقد الطهورين. فيغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في ماذا في المقاصد. هذا مثل صحيح، هذا مثل صحيح. لكن الصلاة نفسها ما تترك على أي حال؛ لأنها مقصودة من المقاصد، لا تترك على أي حال. فيصلي الإنسان إذا لم يستطع قائمًا قاعدًا، لم يستطع قاعدًا على جنب، لم يستطع أن يصلي بهيئة الركوع والسجود، يصلي صلاة المسايفة، صلاة الخوف، حتى وهو يجري وهو يسايف، لا يترك الصلاة، ما تسقط بحال أبدًا. بخلاف الوسائل قد تسقط، قد يخفف. أما المقاصد فما تسقط. هذا في المأمورات، وتقدم معنى في المنهيات: «الزنا ما يمكن أن يحل؛ لأنه مقصود محرم مقصود». بخلاف الوسيلة إلى الزنا، فإنه لمعنى أو لآخر قد يرخص به. «حرم النظر للمرة الأجنبية، لكن لوجود مصلحة أعظم، ودفع مفسدة، جاز النظر للمخطوبة، وهي أجنبية». لكن لأجل أن تحصل ديمومة النكاح، وعدم ديمومة النكاح مفسدة أكبر من مفسدة النظر إلى الأجنبية. فهنا من باب ماذا ارتكاب الأخف لدفع الأشد. وهكذا قل في معناه مسائل كثيرة. لكن هنا كما ترون في التعليق، وهكذا في الأصل مثل بأمثلة فيها خلط. فمن هذه الأمثلة أنهم أجازوا الحيلة على الممنوع ما دام المقصد صحيح، وهذا غير صحيح؛ لأن الحيل لا تزيد المحرم إلا حرمة، لا تزيد المحرم إلا حرمة. فقولهم: «أنه لا يحرم الحيلة لإبطال الشفعة»، هذا غير صحيح، بل يحرم. فلو أنه وهب ما له ليحرم صاحب الشفعة شفعته، لكان آثمًا، لكان آثمًا. وهذا يشبه قاعدة كما قال بعض أهل العلم: «شيطانية الغاية تبرر الوسيلة»، الغاية تبرر الوسيلة، يعني إذا كانت غايتك طيبة، فلا بأس بالوسيلة إذا كانت ليست طيبة، ولو خالفت الشرع. وهذا غير صحيح، بل لابد ألا يتوصل إلى الغاية الطيبة إلا بالوسيلة الطيبة. فقاعدة الغاية تبرر الوسيلة قاعدة شيطانية، لا يأذن بها الشرع، بل هي قاعدة اليهود، فهم الذين يعملون بمعنى هذه القاعدة. ثم ذكروا استثناءات لهذه القاعدة: «يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد». قالوا: «يستثنى من ذلك مثلا تحريم التثليث في الوضوء عند ضيق الوقت»، تحريم التثليث، تحريم التثليث في الوضوء عند ضيق الوقت، مع أنه قد ينشغل بأشياء أخرى. فهذا الاستثناء الذي استثنوه صحيح، إذا كان صحيحًا، وصل الحد إلى أنه إذا ثلث الوضوء سيفوته الوقت، فيقتصر على الحد الواجب، يقتصر على الحد الواجب. فإذا لم يستطع حتى بالحد الواجب، هل ينتقل إلى التيمم؟ الصحيح: لا، فلا يترك الواجب، لواجب والسنة دلت على ذلك. فقد ثبت بغزوة الخندق أن النبي صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وسلم تذكر صلاة العصر قبل غروبها، كما جاء في حديث عليه الصحيحين، وجماعة من الصحابة، قال: «شغلون عن صلاة الوسطى -صلاة العصر- حتى كادت الشمس أن تغرب». وله ألفاظ وروايات. والشاهد: «توضأ وتوضأ الناس، فلم يصلوا العصر إلا بعد غروب الشمس». وفي حديث أبي سعيد: «أنهم شغلوا عن صلاة الظهر حتى لم يصلوها إلا بعد صلاة العصر كذلك في يوم الخندق»، وهو في الصحيح المسند، ما ليس في الصحيحين. فدل على أن الانشغال بالواجب، ولو خرج الوقت، لا يضر. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. وبعض أهل العلم أخذ بهذه القاعدة، فجعل قاعدة القوة والضعف، فإذا كان هذا واجبًا، وهذا أوجب، قدم الأوجب على الواجب. وبهذا يفتي شيخ الإسلام رحمه الله في من خاف خروج الوقت، وكان الغسل مثلًا عليه غسل، يخاف خروج الوقت عليه، فيتيمم حفاظًا على الوقت؛ لأن الحفاظ على الوقت أولى من الطهارة. والصحيح خلاف هذا، والدليل الحديثة التي سبقت. ومن الأمثلة التي ذكرها: «حرمة السفر نهار الجمعة دون ليلة الجمعة». والصحيح: «أنه لا يحرم، لا ليلة الجمعة ولا يوم الجمعة؛ لعدم الدليل المانع من ذلك». إلا إذا كان لأجل ترك الجمعة، فلا يجوز؛ لأن الجمعة واجبة. أما إذا لم يكن لأجل ترك الجمعة، وافق ذلك السفر مصلحة، يقال: «الأفضل أن تصلي الجمعة، لكن إذا كانت لك فيه مصلحة تخشى بفواتها حصول شيء من المشقة والضرر، فلا مانع». وإنما الأعمال بالنيات، بخلاف من نيته التحايل، فالحيلة لا تزيد الحرمة إلا حرمة. فمن سافر ليترك صلاة الجمعة، فهو آثم. ومن سافر لحاجته، ولو وافق ترك صلاة الجمعة غير عمد، فلا يحرم. وهكذا من أكل الثوم لحاجة ورغبة، ولو أدى إلى ترك الجماعة، وهو جائز، على أنه لا يحرص على كثرة ترك الجماعة، فيتساهل. ومن أكله ليترك الجماعة، فهو آثم. وعلى هذا أتت القاعدة: «الوسائل لها أحكام المقاصد». فإذا استعمل الوسيلة المباحة لنية سيئة، كان حكمها أنها من السيئات. وإذا استعمل المباحة لمقصد حسن، كانت من الحسنات، أو لمباح، فهو من المباحات. فالوسائل لا أحكام المقاصد، مثلًا المشي مباح، لكن مشى ليصل إلى المسجد، صار في كل حسنة، في كل خطوة حسنة، وتكفر له بها سيئة، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين. ومشى إلى الحرام: «شرب خمر، مخدرات، غيره»، في كل خطوة سيئة، غير السيئة التي سيصل إليها. ومشى إلى مباح، فهو مباح. الوسائل لها أحكام المقاصد. إنسان يغتسل للتبرد، مباح. وإنسان يغتسل لصلاة الجمعة، أو للعيد، أو حتى كما قال ابن عباس: «إني لأحب أن أتجمل لأهلي، كما أحب أن يتجملوا لي»، أو كما قال رضي الله عنه، هذا فيه أجر. وآخر يفعل هذا لمحرم عليه ماذا وزر. وهكذا الطيب: «تستعمله المرأة لزوجها، تؤجر عليه، تستعمله للشارع، تأثن به، تستعمله في بيتها، ليست مزوجة، مباح». إذن هو أقسام ثلاثة. وهكذا كل شيء: «الوسائل لها أحكام المقاصد». قال رحمه الله تعالى: «القاعدة الثامنة والثلاثون: الميسور لا يسقط بالمعسور». قال: «كذلك مما قعد الميسور لا يسقط بالمعسور»، حسب من جلى، وهي من الأشهر في القواعد، وأصلها من الحديث الوارد. وخرجت مسائل كالموسر بالبعض من رقبة المكفري، لا يعتق البعض، وإنما انتقل قطعًا لما وراءه من البدل. قال: «وقادر لصوم بعض اليوم لا يلزمه إمساكه»، كما اعتلى كذا الشفيع إن يجد بعض الثمن لا يؤخذ القسط من الشقص. ولن: «وحيث أوصى باشتراء رقبة فلم يفي الثلث لغى ما طلبه». ومن على عيب مبيع اطلع، فالرد والإشهاد كل امتنع عليه، لا يلزمه، كما اتضح تلفظ بالفسخ في القول الأصح. هذه قاعدة من القواعد الكلية الجزئية التي ذكرها في هذا الباب، وهو الباب الثاني. ويعبر عنها بهذا التعبير، وتارة يقولون: «لا يسقط الميسور بالمعسور». وقال القرافي بتعبير آخر: «المتعذر يسقط اعتباره، والممكن يستصحب فيه التكليف». وبعضهم يقول: «الطاعات تؤدى بما قدر، ويسقط ما عجز عنه». وإذا تأملنا هذه القواعد، فهي تدور حول معنى قاعدة القدرة. وبعضهم يعبر فيقول: «البعض المقدور عليه هل يجب؟ والجواب: أنه يجب بنص النصوص الشرعية». وأدلة هذا كثيرة، كما قال: «ولهذا قال بعد ذكر القاعدة: كذلك مما قعد الميسور لا يسقط بالمعسور»، يعني أن الميسور لا يسقط بالمعسور. ويريدون بالميسور أي المقدور عليه، لا يسقط بما لا يقدر عليه. فلو أن إنسانًا استطاع أن يغسل أكثر اليد المجروحة، فكون اليد لا يستطيع أن يغسلها كاملًا، لا يعني ذلك سقوط غسل المقدور عليه، بل يغسل المقدور، وهو الميسور، ويترك المعسور، وهو غير المقدور. ثم قال: «وهي من الأشهر في القواعد، وأصلها من الحديث الوارد»، يعني هي قاعدة من القواعد المشهورة، وكما سمعنا لها عبارات، وتدخل في قاعدة القدرة. ويريد بالحديث المشهور: «حديث أبي هريرة في الصحيحين: ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». وهذا هو فعل الميسور، وأنه لا يسقط بالمعسور. فقوله: «ما استطعتم»، يعني ما قدرتم على فعله. وهذا معناه في القرآن، قال الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وقال جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. فمن أمثلته: لو أن إنسانًا لم يستطع أن يستر عورته كاملة في الصلاة، وعنده ما يستر بعض العورة، فماذا يفعل؟ يستر بعض العورة. ومن أمثلته: لو أن إنسانًا لم يستطع أن يلبس الإزار، ولكنه وجد السراويل، إذن يلبس ماذا؟ السراويل. واتقوا الله ما استطعتم. لو أن إنسان في يده جرح، ما استطاع أن يغسلها كاملة، غسل الذي يتيسر، وترك ما لم يتيسر مما تعسر. فالمعسور لا يسقط الميسور. وإن شئت فقل: «الميسور لا يسقط بالمعسور». ثم قال رحمه الله: «وخرجت مسائل كالموسر بالبعض من رقبة المكفري»، يعني أن العلماء استثنوا مسائل ذكروها في هذا الموضع. وقبل الدخول في هذه المسائل، حتى تضبط مثل هذه الاستثناءات، نبه العلماء في مسألة القدرة أنها تنقسم إلى أربعة أقسام. من القدرة ما يجب باتفاق، وهو في مقدور الإنسان، مثل ستر بعض العورة إذا لم يتيسر ستر كامل العورة، وفعل بعض الطهارة إذا لم يتيسر كامل الطهارة، ونحو ذلك. على أن بعض المسائل نبهوا بتنبيه فيها، فمثلًا جعل الله عز وجل لمن لم يستطع الماء أن ينتقل إلى التيمم، متى ينتقل من الماء إلى التيمم؟ إذا لم يوجد الماء، وإذا لم يستطع استعمال الماء. طيب إذا وجد بعض الماء، أو استطاع أن يستعمل بعض الماء، فمتى ينتقل إلى التيمم؟ قال العلماء: «ينتقل إلى التيمم إذا كان عنده ماء لا يكفي لأركان الوضوء؛ لأنه بهذا لا يصير وضوءًا شرعيًا». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عمل ليس عليه أمرنا فهو ماذا فهو رد». فإذا لم يستطع أن يستوعب أركان الوضوء المذكورة في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. فهذه الأركان وهي بالتفصيل ستة، وبالإجمال أقل -يعني مع النية- إذا استطاعها بالماء فعل. وإذا لم يكفي فينتقل إلى ماذا إلى التيمم. لا يقول: «فاتقوا الله ما استطعتم؛ لأنه سيفعل وضوءًا ليس شرعيًا، اختل الركن من أركانه». وكما تقدم: «الركن إذا لم يقع بطل الشيء؛ لأنه من ما هي الشيء الذي لا يتم إلا به». ومثله الذي لا يستطيع استعمال الماء، إذا لم يستطع أن يستعمل الماء في عضو كامل، وجهه محروق، ما يستطيع أن يمسه ماء مثلًا، أو رجليه كلا رجليه محروقة. نمثل بالرجلين؛ لأنه حتى ما يضيع عضو التيمم. فهنا ما نقول: «أنه يغسل كل شيء إلا الرجلين، لا ينتقل إلى التيمم؛ لأن أركان سيسقط ركن من أركان الوضوء». وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. القسم الثاني: ما كان ما في وجوبه خلاف، يعني في وجوب هذا المقدور عليه خلاف. مثاله: من وجد بعض زكاة الفطر، ولم يجد كل الزكاة، هل تجب عليه زكاة الفطر؟ «فاتقوا الله ما استطعتم» في هذا خلاف. والصحيح: أنها لا تجب عليه. إنسان لم يجد إلا نصف صاع، أو ربع صاع، هل يجب عليه أن يخرج هذا؟ ويقال: «هذا ما تأسر لي»، في هذا خلاف. والصحيح: أنه لا يجب عليه ذلك. ومثله لو وجد بعض الوضوء، ما الوضوء لا يكفي لأركان الوضوء، فالصحيح: أنه ينتقل إلى ماذا ينتقل إلى التيمم. القسم الثالث: في مسألة القدرة ما لا يجب قطعًا بدون خلاف. ومن ذلك من لم يجد الرقبة -يعني أو لم يجد قيمة رقبة كاملة- انتقل بدون خلاف إلى غيرها في كفارة اليمين، من الإطعام أو الكسوة، إن تيسر له ذلك. القسم الرابع: ما فيه خلاف في القدرة، والراجح كذلك أنه لا يجب عليه ذلك. وهو فيما كان لا يستطيع المأمور، فهل يجوز له الوصول إليه بواسطة واستعانة؟ فالصحيح: أن الشرع دل أن من لم يستطع سقط عنه، وانتقل إلى غيره إن كان له غير. وإن لم يكن له غير، فقد قال الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وكذلك في الحديث: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». ويدل عليه أدلة خاصة في عين المسائل التي ذكرت. فمثلًا من لم يستطع القيام بنفسه، ولكنه يستطيع أن يقوم بعصى، فهل يجب عليه في الفريضة أن يقوم بعصى؟ قال بهذا بعض أهل العلم؛ لأنهم قالوا: «هذا في حدود المقدور، فيجب عليه». والصحيح: أن هذا المقدور لم يأتي الشرع به بالأمر به مع وجود سببه. وإنما قال عليه الصلاة والسلام: «صلي قائمًا، فإن لم تستطع فصلي قاعدًا». فصلي قاعدًا. ولو كان واجبًا أن يستعين بشيء، لأمر به عليه الصلاة والسلام. والصحيح: أنه في رخصة. طيب إن فعله إنسان، هل عليه إثم؟ نقول: «ليس عليه شيء، لكن ينظر إن كان فيه مشقة وكلفة، فلا يشق ولا يكلف على نفسه». فقد قال عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر»، فكذلك هنا. بل صح عنه عليه الصلاة والسلام حين رأى ذلكم الخيط معلقًا بسارية المسجد، قال: «ما هذا؟ قالوا: إنه لفلانة تستعين به على صلاتها في الليل». فقال: «حلوه، أمر بحله». وقال: «ليصلي أحدكم استطاعته». وقال: «طاقته». فدل على أن الإنسان لا يشق على نفسه. وقد جاء اليسر، فإن الله يحب أن تقبل رخصة كما يحب أن تؤخذ عزائمه. ومن هذا ما استحدث فيما يفعله بعض الناس، وهي بدعة جديدة ظهرت في بلادنا، بعض الناس الذين عندهم كبر في السن، ما يستطيع يركع ولا يسجد لكبر سنه، ظهره يؤذيه يؤذيه. فماذا فعلوا؟ أتوا بطاولة مثل هذه، هذا انتشر الآن في مدينة عدن، رأيناه في بعض المساجد، ويسجد على هذه الطاولة. وطبعًا المسألة لها أصل، الشافعية ذكروا في هذه القاعدة من لم يستطع السجود، واستطاع أن يسجد على وسادة، هل يسجد على الوسادة؟ اختلفوا فيها. وقال جماعة منهم: «أنه يسجد على الوسادة». والصحيح: «أنه لا يسجد على الوسادة، بل هذا الفعل الذي فعل الآن فيه مفاسد». أولًا: فيه كلفة ومشقة مالية وبدنية. وفيه تمزيق للصفوف، تتعجب في بعض المساجد إذا دخلت الصف الأول والثاني في مقدمة المسجد، والكراسي والأمياز التي يصلي عليها الذين يسجدون على الطاولات في آخر المسجد. ف: «أن بعضهم ربما يصلي في الخلف منفردًا». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». لكن يقال لمثل هذا: «صلي قاعدًا، وأومئ إيماء ما تستطيع، تركع أومئ، واجعل خفضك في ركوعك أخف، وخفضك في سجودك أكثر وأشد». فاتقوا الله ما استطعتم، ولا يكلف. وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم. هذا هو الصحيح في تطبيق هذه القاعدة. إذن على هذه الأقسام الأربعة، نستطيع أن نتصور هذه المسائل الكثيرة التي ذكرها رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «وخرجت مسائل كالموسر بالبعض من رقبة المكفري»، يعني أن العلماء استثنوا مسائل ذكروها في هذا الموضع. وقوله: «لا يعتق البعض، وإنما انتقل قطعًا لما وراءه من البدل». وهو يشير بهذا في من كان واجد بعض الرقبة في الكفارة، ليس قيمة رقبة كاملة. فهنا ينتقل إلى البدل، مثلًا في كفارة الظهار، أو كذلك في اليمين، أو غيره. وأنه الصحيح: «لا يلزمه إخراج البعض، وإكمال الباقي بالصيام؛ لأنه لم يأتي في الشرع الجمع بين البدل والمبدل منه». وهذه قاعدة أخرى: «لا يجمع بين البدل والمبدل منه». وقوله: «وقادر لصوم بعض اليوم لا يلزمه إمساكه»، كمعتلى. ومعناه: وهذه المسائل كما قلنا مما خرجت، وخرجت لما سمعناه من الأقسام المذكورة؛ لأن الشرع لا يقبل في مثل هذه المسائل فعل البعض، وترك البعض؛ لأن فعل البعض فيها على خلاف الوصف الشرعي. مثل الوضوء بسقوط بعض أركانه، وهكذا. من لا يستطيع العتق، يسقط العتق. من لم يستطع أركان الوضوء، يسقط الوضوء، ينتقل إلى التيمم. من لم يستطع ركن السجود، أو ما إيماء. من لم يستطع القيام، جلس. وهكذا. ومثله كذلك ذكروه مما يستثنى: «من يستطيع صيام بعض اليوم، فهل يلزمه صيام هذا البعض؟ والصحيح: أنه لا يلزمه». سواء أكان عدم الاستطاعة لمرض مثلًا، إنسان كبير في السن، ما يستطيع يصوم 12 ساعة، يستطيع يصوم فقط 6 ساعات. أو إنسان مريض، ما يستطيع يصوم كذلك كل اليوم، يصوم بعضه، يقال: «أفطر، ويجزئك أن تطعم». وك