الدرس في شرح الفرائد البهية 17، القاعدة الرابعة:الضرر يزال. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس بشرح القاعدة الرابعة من القواعد الفقهية وهي "الضرر يزال". يبين الشيخ أن هذه القاعدة لها تطبيقات فقهية مختلفة وتدخل تحتها مسائل كثيرة في أبواب الفقه المختلفة.
يناقش المقطع قاعدة 'الضرورة تقدر بقدرها' في الشريعة الإسلامية، حيث يشرح أن الضرورة التي تبيح المحظورات يجب أن تقدر بقدرها. يستشهد بآيات القرآن الكريم وأحكام الفقه الإسلامي.
يناقش المقطع مراتب القاعدة الأصولية المتعلقة بالضرورات وتطبيقاتها مثل درء المفاسد وجلب المصالح وتزاحم المصلحتين والمفسدتين، مع تقديم أمثلة من الشريعة الإسلامية.
يتم ختام الدرس الحالي مع الإشارة إلى أن هناك متابعة لاحقة إن شاء الله. يُنهي المتحدث الدرس بتأكيد العلم من الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المولى -رحمه الله تعالى- القاعدة الرابعة: قال الضرر يزال. أي هذه القاعدة الرابعة من القواعد الكلية التي سبقت الإشارة إليها في أول هذا النظم. قال -رحمه الله تعالى-: قال وأصلها قول النبي «لا ضرر ولا ضرار» حسب ما قد استقر. قالوا وينبني عليها ما لا يحصر أبوابًا فعل مقالا، ثم بها قواعد تأتلق كما حكى المؤلف المحقق. منها الضرورات تبيح المحتضر بشرطها الذي له الأصل اعتبر. قال وما أبيح للضرورة قدر بقدرها حتمًا كأكل المضطرر. قال لكنه خرج عن ذا صور منها العراية واللعان يذكر. هذا شروع في ما يتعلق بالقاعدة الرابعة من القواعد الكلية، وهي «الضرر يزال» أو يعبر عنها بقاعدة «الضرورة» أو يعبر عنها بقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» على نص الحديث، أو يعبر عنها كذلك بقاعدة «درء المفاسد» وغيرها من الألفاظ. وهي قاعدة من القواعد الكلية كما تقدم، تدخل تحتها قواعد كثيرة ومسائل عديدة. وقوله -رحمه الله-: «وأصلها قول النبي لا ضرر ولا ضرار حسب ما قد استقر»، أي أصل هذه القاعدة ودليلها حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- المشهور «لا ضرر ولا ضرار»، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، روي عن عدد من الصحابة كما ذكر تخريجه في التعليق. وكذلك هو في كتب السنة والصحاح، والعلامة الألباني -رحمه الله- في مواضع من كتبه، وله أدلة لهذا الأصل ولهذه القاعدة أدلة أخرى كثيرة عامة وخاصة من الكتاب ومن السنة. ولكن ذكر المؤلف -رحمه الله- هذا الحديث خاصة لأنه حديث يدل على لفظ القاعدة. فمن الأدلة الكثيرة من الكتاب قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، وقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾، وغيرها من الأدلة العامة التي تدل على دفع الضرر، وهو معنى «الضرر يزال». وهكذا أدلة خاصة منها قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُضَارَّهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، وهكذا قوله جل وعلا: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾، وغيره من الأدلة الخاصة الكثيرة. وهكذا من السنة أدلة كثيرة، منها الحديث المتقدم المروي عن عدد من الصحابة، روي عن ابن عباس وعبادة بن الصامت وجماعة من الرجال والنساء من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ومنه حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة -رضي الله عنهما- والذي فيه: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره»، الحديث. وجاء بألفاظ عن عدد من الصحابة، وفيه النهي عن إلحاق الضرر. ومعنى «لا ضرر ولا ضرار» أشهر ما ذكره العلماء من تفسير معنى هذا الحديث: أن «لا ضرر» أي على النفس، و«لا ضرار» أي على الغير. فالإسلام جاء للنهي عن الضرر بالنفس والضرر بالغير، ولا شك أن المقصود به بغير حق وعلى الوجه غير المأذون فيه. وإلا فهناك من الضرر ما يأذن به الإسلام لما يترتب عليه من مصلحة أعظم، مثل الجهاد في سبيل الله، فإنه قد يكون به إزهاق النفس، ولكنه في شيء مأذون ولما يترتب عليه من مصلحة أعظم. وسيأتي الكلام على هذا في موضعه إن شاء الله. ومن معاني الحديث «لا ضرر ولا ضرار»: أي لا ضرر بمن لم يضر بك، ولا ضرار بمن ضر بك على وجه ليس فيه حق. يعني من لم يضر بك فلا تضر به، ومن أضر بك فإن أضررت به فجزاء سيئة سيئة مثلها، فلا يجوز الإضرار عليه بشيء فيه تعدي. والمعنى الثالث من معاني هذا الحديث، وهو يدخل في الحقيقة في المعنيين السابقين: أن المراد بالضرر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين. هذا أشهر ما ذكر في تفسير معنى الضرر والضرار والضرار. والقاعدة العامة التي دلت عليها نصوص الشريعة أن الضرر يزال، وهو بغير حق غير مأذون فيه في دين الله بكل معنى من المعاني. وقوله -رحمه الله-: «قالوا وينبني عليها ما لا يحصر أبوابًا فعل ما قالا»، أي قال العلماء: وينبني على هذه القاعدة ما لا يحصر من المسائل في أبواب الفقه الكثيرة. فهي من الوعي والتأمل والتدبر هذا المقال ومعناه استفد من هذا التنبيه الذي نبه عليه العلماء. وقد ذكروا أمثلة كثيرة، وهي تتناول جميع أبواب الدين حتى العقائد، فإنها فيها معنى هذه القاعدة. قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾، وهذا على هذه القاعدة «الضرر يزال»، فيجوز للإنسان أن يقول كلمة الكفر لدفع الضرر عن نفسه أو عن عرضه، ما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان. وهكذا قل في أبواب الفقه من عبادات ومعاملات وغيرها، وهي كثيرة. وقوله -رحمه الله-: «ثم بها قواعد تعتلق كما حكى المؤلف المحقق»، أي مما يُعلم وينتبه له أنه يدخل في معنى هذه القاعدة أو يتعلق بمعنى هذه القاعدة قواعد كثيرة، وسيأتي التنبيه إلى ذلك في ثنايا الأبيات الآتية إن شاء الله. وهذا معنى قوله «تعتلق» أي من التعلق، معنى من معاني التعلق. وقوله «كما حكى المؤلف المحقق» يعني في الأصل، وهو السيوطي -رحمه الله تعالى-، ونظمها الناظم ها هنا، وهو الأهدل -رحمه الله- في هذه الأبيات. ومن هذه القواعد ما ذكرها -رحمه الله- هنا، وستأتي إن شاء الله قواعد كثيرة. ومنها ما لا يسع المقام لذكرها، أو لأنه سيأتي ذكرها في موضع آخر لم يذكرها. فمن أهم هذه القواعد ما ذكره بقوله: «منها الضرورات تبيح المحتضر بشرطها الذي له الأصل اعتبر»، أي الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها. هذه قاعدة تدخل تحت معنى هذه القاعدة الكلية. «الضرورات تبيح المحظورات» بشرط عدم نقصانها عنها، وهذا القيد قيد يضبط به معنى هذه القاعدة. وإن كان عدم ذكر القيد لا يعني الإطلاق المطلق، لأن النصوص الشرعية تضبط هذه القاعدة بما توجبه بعمومات أدلتها وخصوصاتها. فالضرورات تبيح المحظورات، لكن هذا له شرط وهو عدم نقصانها عنها. فمثلًا ليس من الضرورة تبيح المحظورة أن يدفع الإنسان عن نفسه القتل بقتل غيره، لأن نفس غيره ليست بأقل من نفسه، فلا يجوز للمسلم أن يدفع القتل عن نفسه بقتل النفس المعصومة. ولا يصح الاستدلال بهذه القاعدة لأن معنى القاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» مقيد بشرط عدم نقصانها عنها. كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وهذا الذي يدفع القتل عن نفسه بقتل غيره باغٍ وعادٍ، هذا عنده بغي وعدوان، فهو ليس معذورًا ولا يحله الشرع مثل ذلك. فهنا لم يكن إلا بمعنى مثل معنى ما دفع عن نفسه الضرر. ومثل هذا لا يأذن به الشرع. وأعظم من هذا لو دفع الضرر عن نفسه بضرر أعظم في غيره، مثل أن يدفع القتل عن نفسه بالزنا بالمرأة العفيفة، فهذا أشد، فهو عند المرأة العفيفة أشد من القتل. فلا يجوز أن يقول: «أنا فعلت هذا من باب الضرورات تبيح المحظورات». فيقال: قال الله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ�، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وأنت باغٍ وعادٍ، لأن «الضرورات تبيح المحظورات» بشرط عدم نقصانها عنها. بخلاف إذا دفع الموت عن نفسه بأكل الميتة، فأكل الميتة ضرر أخف من ذهاب نفسه، فأجاز الإسلام مثل ذلك. ولهذا قالوا بهذا القيد: «الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها». ومن هذه القواعد قاعدة «درء المفاسد»، وسيأتي التنبيه عليها. ومنها ما أشار إليه بقوله -رحمه الله-: «وما أبيح للضرورة قدر بقدرها حتمًا كأكل المضطرر»، وهو ما يعبر عنه بقولهم: «الضرورة تقدر بقدرها». «الضرورة تقدر بقدرها» قاعدة من القواعد التي تدخل تحت القاعدة الكلية «الضرر يزال». «الضرورة تقدر بقدرها»، ومعناه كما مثل به: «كأكل المضطرر». الله أحل للمضطر أن يأكل من الميتة، لكن يأكل ماذا؟ هل يأكل على وجه التشهي أم يأكل على وجه دفع الضرر؟ الجواب: على وجه دفع الضرر. فمثلًا لو أن إنسان لم يجد ما يدفع العطش الذي بسببه يموت إلا شرب الخمر، لم يجد إلا خمرًا، جاز له أن يشرب الخمر. أم لا؟ الجواب: نعم، يجوز أن يشرب الخمر، لكن هناك فرق بين إنسان شرب من هذا الخمر قدر ما يدفع عن نفسه الضرورة، وبين من تعدى هذا على وجه التشهي والدخول في الحرام. ولهذا قال العلماء: «الضرورة تقدر بقدرها»، كما قال -رحمه الله-: «وما أبيح للضرورة قدر بقدرها حتمًا كأكل المضطرر». فأكل المضطر يكون بقدر ما يدفع عن نفسه الضرورة. ولهذا قال العلماء: لو كان في مضنته أن الضرورة تستمر، فلا يعني ذلك أن يتعدى الوجه المؤذون إلى الوجه المحرم بأكل شيء زائد عن دفع الضرر، أو شرب شيء زائد عن حد الضرر. لكن يحمل معه عنده ميتة، أو عنده خمر، دفع عن نفسه الضرر بأكل وشرب ما معه من حرام، لكن لا يتعدى ذلك بأكل وشرب شيء زائد. ويجوز له أن يحمل معه من الميتة ومن الخمر ما إذا لم يجد غيره أكل منه مرة أخرى. لكن أكل منه بما يدفع عن نفسه ماذا؟ الضرر. فلا يقرب الحرام إلا بقدر دفع ماذا؟ الضرر. «الضرورة تقدر بقدرها»، «الضرورة تقدر بقدرها». وبه نعرف حكمة الإسلام كيف أن هذا الدين لما حرم هذه المحرمات لما فيها من ضرر، والله -سبحانه وتعالى- الحكيم العليم لا يحرم على الناس ما فيه مصلحة لهم. لكن لما ترتب عليه مفسدة أشد من مفسدة الضرر في هذه المحرمات، أجاز لهم الإسلام تناول ذلك المحرم لماذا؟ لدفع ضرر أشد من ذاك الضرر. ومع ذلك لا يتعدى حتى في هذا الموضع. انظر، وهذا فيه حكمة الإسلام حتى في مثل هذا الموضع منضبط الأمر، منضبط. «الضرورة تقدر بقدرها» حتى لا يفتح الباب فيكون الضرر. فإذا احتاج إليه مرة أخرى تناوله مرة أخرى. ولهذا قال العلماء: «لا يأكل المضطر إلا ما يسد الرمق»، يعني ما يدفع الهلاك، ما يدفع الهلاك. فإذا احتاج إلى ذلك مرة أخرى أكل وشرب، احتاج مرة ثالثة أكل وشرب، رابعة أكل وشرب، ولو عشرات المرات إذا لم يجد من ذلك. وقد ثبت عن عدد من الأئمة أنهم شربوا النجاسة كما روي عن البخاري -وغيره- أنه شرب بوله في رحلته بطلب الحديث ثلاث مرات، لماذا؟ ليدفع الضرر عن نفسه، لكن يكون على قدر الحاجة. وهذا مستحسن، لا يمكن أن يأخذ الإنسان منه إلا ما يدفع به الضرر. بخلاف ما قد يجتشه مثل لحم الخنزير، مثل الخمر، مثل كذلك غيره من المحرمات الأخرى التي قد تميل به بعض النفوس الضعيفة. ولهذا قال العلماء: «الضرورة تقدر بقدرها». قال -رحمه الله تعالى-: «لكنّه خرج عن ذا صور منها العراية واللعان يذكروا»، يعني استثنى العلماء من هذه القاعدة «الضرورة تقدر بقدرها» صورًا. وحقيقة هذه الصور مستثناة بالدليل، هذه الصور مستثناة بالدليل. فيكون استثناؤها لاستثناء الدليل لها. وجه ذلك أن بيع العراية الأصل فيه الحرمة، لأنه فيه معنى من معنى الجهالة. ولكن الإسلام اشترط له شروطًا كما هو معروف في كتب الفقه والشروح الحديث. وقد مر معنا في دروس سابقة في الفقه والحديث الكلام على مسألة العراية. أصلها أن يحتاج الفقير إلى الرطب وهو ليس عنده مال يشتري الرطب، ولكن عنده تمر من السنة الماضية، فيأتي فيشتري الرطب التي في الأشجار بما معه من ثمر في الأرض. الآن عنده شيء معلوم وهو في الأرض، وعنده شيء مجهول وهو في الأشجار. أجاز الإسلام بيع العراية، لكن بشروط من هذه الشروط أن يجتنب معنى الجهالة المطلقة. ولهذا لم يطلق، وإنما جاز في خمسة أوسق وما كان بمعناها. ومن هذه الشروط أن يأتي من يخرصها، وهو من يقدرها، وهو عنده خبرة بتقديرها. وفي حديث جابر وغيره: أنه في أول الإسلام جاز لأجل هذا السبب، لكنه بعد ذلك أطلق جواز بيع العراية للغني وللفقير. فقال العلماء: كان في أول الإسلام جوازه من باب «الضرورة تقدر بقدرها»، ثم أطلق، فصار للغني وللفقير، صار للغني وللفقير. والجواب: أن هذا بنص الشرع خصوصًا، وأنه ضبط بهذه الضوابط والشروط التي ذكرها العلماء في شروط العراية، فلذلك لم يكن فيه إشكال. ولأمر آخر، وهو أن هذا الباب يشق فيه التحري بين الغني والفقير، صعب أن يأتيك إنسان يشتريه فتقول له: «أنت غني ولا فقير؟» إذا كنت غني نبيع لك بيع عراية، وإذا كنت فقير إذا كنت فقير نبيع لك بيع عراية، وإذا كنت غني ما نبيع لك بيع عراية، هذا صعب أم لا؟ فيه صعوبة. وفيه حرج على الناس، وتقدم معنا أن المشقة تجلب التيسير، أن المشقة تجلب التيسير. فإذن هو لا يخرج عن عمومات الشريعة والقواعد التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة. وهكذا قوله «واللعان يذكر»، الأصل أن اللعان يلجأ إليه عند عدم البينة، هذا هو الأصل. ومع ذلك أجاز العلماء اللعان مطلقًا، أجاز الملاعنة مطلقًا. وهذا كذلك محمول على ما تقدم، لأن هذا الباب فيه مشقة، وجواز أصله مع المشقة، أجازه على إطلاقه، فالمشقة تجلب التيسير. من الصعب أن تقول: «لا نقبل لعانًا إلا بعد التثبت والتأكد أنه لا بينة»، صعب. لكن صار الحكم مطلقًا، حكم الملاعنة. الرجل يتهم زوجته وليس عنده شهود، فهنا يلاعنها على ما جاءت به النصوص الشرعية، يشهد شهادات وتشهد شهادات، وعند ذلك يفرق بينهما بالأحكام المذكورة من أحكام الملاعنة. وقد يكون بينهما مولود أو حمل، فيدخل في حكم هذه الملاعنة أو لا يدخل. فإذا كانت هناك بينة أو شهود، ولكن لم تظهر، هل تصح الملاعنة أو لا تصح؟ الجواب: تصح، لأن حكم الملاعنة مطلق. وهذا مما يشق التثبت فيه، والمشقة تجلب التيسير. فإذا هو مستثنى بالدليل، وبالتعليل. الدليل لما جاء فيه النص، والتعليل لأن مما فيه مشقة، والمشقة تجلب التيسير. قال -رحمه الله تعالى-: «قال فائدة ثم المراتب هنا تعد خمسة كما قد زكنا ضرورة وحاجة ومنفعة وزينة ثم هضول تبعة»، هذا انتقال إلى ذكر مراتب هذه القاعدة. فأول هذه المراتب هي مرتبة الضرورة، وقواعدها كثيرة. منها ما تقدم من القاعدتين المذكورتين: «الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها»، «الضرورة تقدر بقدرها». وهكذا كذلك من هذه القواعد «درء المفاسد أولى من جلب المصالح». ومن هذه القواعد: إذا تعارضت مفسدة ومصلحة، فيقدم درء المفسدة على جلب المصلحة. ومن هذه القواعد: إذا تعارضت مفسدتان، فيدفع أشدهما بأخفهما. ومن هذه القواعد: إذا تعارضت مصلحتان، طلب الأعلى بدفع الأخف. ومن هذه القواعد: ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه في حال الاشتباه، وما لا تبيحه الضرورة لا يجوز الاجتهاد فيه في حال الاشتباه. أمثلة يسيرة مختصرة لهذه القواعد. أما القاعدة الأولى والثانية فقد مر معنا من كلام الناظم مع ما سبق ما يغني عن الإعادة. وأما ما ذكر في تعارض المصلحة والمفسدة فكثيرة، منها: لو كان هناك شيء من العلم أو الأمر بالمعروف الذي تريد أن تبثه، ولكنك خشيت -وغلب هذا على ظنك- أن يترتب عليه مفسدة، فهنا درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، فيؤخر بث هذا العلم، ويؤخر الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر إلى موضعه، الوقت المناسب الذي يتحقق به أمر هذه المصلحة من دون مفسدة. ومنه قول علي -رضي الله عنه-: «حدث الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟» وبوّب البخاري -رحمه الله- في كتاب العلم بابًا، وذكر هذا الأثر عن علي فيما يجوز أن يكتم من العلم، وهو من باب هذه القاعدة. وهكذا أثر ابن مسعود في الصحيح مسلم: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة». إذن من الفقه ومن الحكمة ومما تقتضيه الشريعة وفقه السلف الصالح: مراعاة تحقق المصلحة مع عدم وجود مفسدة. فإن كان معها مفسدة أخرى، تحقيق المصلحة. ومثال ما بعده: إذا تعارضت مفسدتان، يرتكب الأخف لدفع الأشد. مثاله قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. بيان فساد شرك المشركين مطلوب شرعي، والسكوت عنه مفسدة، لكن إذا ترتب عليه سب الله -سبحانه وتعالى- والاعتداء على أهل الإيمان، فهنا يرتكب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررًا. ما هو الأشد؟ سب الله -سبحانه وتعالى- والاعتداء على أهل الدين. وما هو الأخف؟ هو السكوت المؤقت عن المشركين لدفع الأشد. ومنه ما وقع للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في مكة، فإنه من باب درء المفسد الكبرى بالصغرى، درء المفسد الكبرى بالصغرى. ولهذا لم يؤذن بالجهاد في سبيل الله في العهد المكي، وإنما أذن به حين تحققت المصلحة واندفعت المفسدة الكبرى في العهد المدني. ومن معاني ما بعده: إذا تعارضت مصلحتان، فيحرص على الأعلى. فهذا كثير، ومن هذا الكثير: أنه لو تعارض وتزاحمت بعض المصالح مع بعض، فإنه يقدم أعلى المصلحتين. مثلا طلب علم مع حج، أيهما يقدم؟ ينظر أيهما أشد مصلحة، فالحج فرض، وطلب العلم فرض، فأي الفرضين أولًا مطالب به؟ الجواب: طلب العلم إذا كان العلم الذي يطلبه هو العلم الضروري. ولهذا قدم العلماء -ومن قرأ في تراجم العلماء- طلب العلم على الحج. فما من عالم من العلماء إلا وترى في ترجمته أنه قدم طلب العلم على ماذا؟ على الحج. يبذلون النفقة في طلب العلم ويقدمونه على الحج، لماذا؟ هو من باب تزاحم المصالح، لأن مصلحة العلم أشد من الحج. الحج ركن من أركان الإسلام، لكن العلم ركن أشد منه، لأنه لا يستطيع أن يعبد ربه ويحقق ما أوجبه الله عليه من توحيده بالجهل. ولهذا قدم العلماء العلم على الحج من باب تزاحم المصالح. وقل كذلك مثله في ما هو بمعناه من تزاحم المصالح. ومن هذه القواعد كذلك ما مر معنا فيما ذكر: «ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه في حال الاشتباه، وما لا تبيحه الضرورة فلا يجوز الاجتهاد فيه في حال الاشتباه». مثاله: لو اضطر في أكل، واضطر للأكل، وحصل اشتباه بين ميتة وغيرها، فهنا يجوز الاجتهاد، يجوز أن يجتهد ما دام أنه مضطر. ومثله: لو اختلطت أخته بغيرها من النساء الأجنبيات، لا يمكن أن نقول له: «يحرم عليك النكاح لأن أختك ضاعت، ما ندري أي النساء التي ستتزوجها هي أختك؟» هذا ضرورة. وهنا يقال: «ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه في حال الاشتباه». يجتهد، يبذل ما يستطيع من الوسع حتى لا يقع بالزواج بما قد تكون هي أخته. لكن ما لا تبيحه الضرورة لا يجوز الاجتهاد فيه. دبح ذبيحة ثم وجد بجانبها ميتة مذبوحة، لكنها ذبحت من قبل مثلًا مشرك، لا تحل ذبيحته. التبس عليه الأمر، ليس مضطرًا أن يأكل هذه، ويجتهد فيها، عنده لحم آخر كثير، وطعام آخر كثير، إذا لا يجوز الاجتهاد، يترك الذبيحتين. اختلطت أخته التي هي من الرضاع بأسر معينة، لا يدري أي البنات هي أخته، يستطيع أن يتزوج من أسر أخرى، هنا لا يوجد ضرورة، لا يجوز الاجتهاد، لا يقول: «أختبر وأنظر من التي يغلب على الظن أنها ليست هي وأتزوجها من نفس الأسر». يقال: «لا، بل هنا وقع الاجتهاد». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». وأنت لست مضطرًا. إذا كنت مضطرًا فالقاعدة: «ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه عند الاشتباه، وما لا تبيحه الضرورة لا يجوز الاجتهاد فيه عند الاشتباه». طيب، هذا خلاصة ما يذكر من أهم القواعد المتعلقة بهذه القاعدة الكلية. نكتفي بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم.