الدرس في كتاب الإيمان 22، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الحديث النبوي "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ويبين أهمية الإيمان وخصاله المتعددة. يُوضح أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
يُبين أن من الإيمان أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، ويوضح أهمية الوسطية في تطبيق هذا المفهوم وفقًا للشرع. يُفرق بين حب الخير للآخرين وتضييع الحقوق.
يُناقش أهمية الاقتداء بالسلف الصالح في فهم الدين وتطبيق مبادئه، مثل الإيثار والإنفاق في سبيل الله. يقدم أمثلة من حياة الصحابة مثل أبي بكر وسعد بن أبي وقاص وأبي طلحة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الدليل على أن من خصال الإيمان يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير. قال حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». قال: أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث من الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وكما تقدم يخرج رحمه الله لفظ الإمام البخاري، وأخرجه مسلم رحمه الله بمثله. وهذا الكتاب أو هذا الباب هو تبويب الإمام البخاري رحمه الله كذلك كما أشار رحمه الله. وفي الحديث مسائل من أهمها بيان أن الإيمان لا يقتصر على الاعتقاد، وأن الإيمان شعب، ولهذا بواب عليه بقوله: باب الدليل على أن من خصال الإيمان. فالإيمان فيه خصال، خلافًا لمن زعم أن الإيمان شيء واحد إذا ذهب ذهب كله، وإذا بقي بقي كله. وعلى هذا كان قول من ضل من الوعيدية في طرف والمرجئة في طرف آخر، فلما ظنوا هذا الظن الخاطئ زعمت الوعيدية أنه لا يجتمع إيمان مع معصية أي كبيرة، ولهذا قالوا: إذا ذهب بعض خصال الإيمان بالمعصية ذهب الإيمان. وعند ذلك كان قولهم بتكفير صاحب الكبيرة، أي الخوارج والتوقف فيه عند المعتزلة، وكلهم اتفق على أنه ليس عنده إيمان، ولكن هل هو كافر اختلف الخوارج والمعتزلة في ذلك. وفي الطرف الآخر لما ظن هذا الظن الخاطئ المرجئة زعموا أن الإيمان لا ينقص بالذنوب والمعاصي، فعند ذلك قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، وقالوا كذلك خطأً وظلمًا أن إيمان جبريل وسائر الأنبياء كإيمان أفجر الناس من المؤمنين. وهذا خطأ، بل الإيمان خصال، فمن أكملها كملت خصال إيمانه فهو أكمل الناس إيمانًا، ومن أنقصها نقصت خصال إيمانه فينقص من إيمانه بقدر نقصان تلك الخصال. وفيه كذلك أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن الطاعة أن يحب المسلم والمؤمن لأخيه ما يحب لنفسه. وفيه كذلك بيان أن من الإيمان أن يحب المسلم والمؤمن لأخيه ما يحب لنفسه. ومعنى من لم يكن كذلك فليتهم نفسه في إيمانه، ليس كافرًا، ولكن نقص الإيمان. قد يبتل الإنسان أحيانًا بموت القلب، وموت القلب درجات كما أن حياة القلب درجات، ومن موت القلب أن يموت قلبه في حبه لإخوانه ما يحب لنفسه، يكون عنده شيء من الأنانية وعدم الاهتمام بأمور المؤمنين، فهذا نقص في خصال الإيمان لا ينبغي لمسلم أن يرضى لنفسه بذلك. وهذا كسائر خصال الخير والبر، منها ما يكون بالفطرة يفطر الله عز وجل بها من يشاء، ومنها ما يكون مكتسبًا، فإن من الناس من يكون عنده من الرحمة واللين ما يجعله يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، ومن الناس من لا يكون كذلك، فإذا لم يكن كذلك فعليه أن يربي نفسه بخصال الإيمان، ويعلم أنه لا يتم له إيمان ولا يكمل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ولا يعني ذلك أن يضيع حقه وحق من أمر بإعطاء الحق إليه، ولكن معناه أن يحب له بما لا يزاحم حقه. فرق بين أن يظن الظان وربما بالجهل دفع بعض الناس ذلك إلى الشح والبخل وحب النفس، يظن أن هذا المعنى الذي حث عليه الشرع يدعو إلى أن يزاحم حق الناس حقه. الشرع لا يرضى بذلك، فالله عز وجل أرحم بنا من أنفسنا، ولهذا أمر أهل هذا الدين أن يؤدوا الحقوق الأقرب فالأقرب، الأقربون أولى بالمعروف. فإن كان لا يمكن أن يوسع هذا المعنى لنفسه ولغيره فيقدم الأقرب فالأقرب، فالأمر وصف لا إفراط ولا تفريط، لا يكون جافًا بعيدًا عن أمر حب الخير للناس، ولا يكون كذلك عنده من التوسع في هذا الباب ما يدعو إلى تضييع حقه أو حق ذوي الحقوق ممن يعولهم. ودين الله عز وجل وصف وكذلك جعلناكم أمة وسطًا، لكن هذه الوسطية ليست بالعقل والعاطفة وإنما بالشرع. وهكذا كذلك نتنبه إلى أنه ليس مما يدخل في هذا المعنى الأول وهو تقديم حق النفس والأقربين على حق الأبعدين، ليس منه الإنفاق والإحسان إلى الغير ما دام أنه يستطيع ذلك، فلم ينقص مال من صدقة أبدًا. قد يقول قائل: أنا عندي مال قليل ليس كثير، إذا تصدقت على غيري نقص المال عندي، فهذا ضرر عليه. الجواب: لا ليس كذلك، ولهذا كان الميزان الذي يوزن به مثل هذه المعاني هو حياة السلف الصالح في أقوالهم وأفعالهم وأخلاقهم وسائر فعالهم، رضي الله عنهم أرضاهم، فهم خير من يؤتس به في مثل هذا المقام، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق. فمن اقتدى بالسلف الصالح علم أنهم فهموا وهم أعلم الناس، وكذلك أصدق الناس أعلمهم علمًا وأصدقهم عملًا، ولم يمنعهم ما كانوا فيه من فقر وفاقة أن يحبوا لإخوانهم ما يحبوا لأنفسهم، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. لكن ليس معنا ذلك أن يدع الإنسان وأن يضيع الإنسان حقه وحق من يعول. قد يقول قائل: كيف نصنع بحديث أبي بكر حين جاء بكل ماله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا تركت لأهلك يا أبا بكر؟» قال: تركت لهم الله ورسوله، أليس في هذا منافاة؟ الجواب كما أجاب أهل العلم: ليس فيه منافاة، لماذا؟ لأن أبا بكر رجل قوي ويكتسب، والمال الذي أخرجه وإن كان كل ماله لوقت حاجة وشدة في المسلمين، وهو بقوته وبما يكتسب يستطيع أن يدخل على أهله، لكن لو كان رجلًا ضعيفًا غير قادر على الاكتساب لقيل في حقه: لا تخرج كل المال. وعلى هذا يفرق بين قصة أبي بكر وقصة سعد، لما كان سعد في مرض الموت وأراد أن يتصدق بكل ماله، ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «لا تفعل»، قال: «إلى أن قال له الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم فقراء يتكففون الناس». وهذا هو الفرق، لأن سعد في مرض الموت إذا مات وتصدق بكل ماله ترك ورثته ماذا؟ فقراء. لكن أبو بكر لما تصدق بكل ماله لم يكن مريضًا في فراش الموت، بل كان قادرًا على الاكتساب، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم ذلك، فقبل منه هذه الصدقة. وبه نعرف إذا كان المقام في مثل هذا لم يكن فيه إجحاف، فما دونه مما يظنه الكثير من الناس أنه تضييع للحقوق ليس كذلك من باب أولى. ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ولا يخفى علينا نظائر هذا في القصص والأخبار الكثيرة الصحيحة الثابتة في حياة السلف الصالح، كقصة أبي طلحة مع امرأته مع الضيف، وغير ذلك كثير. نكتب بهذا القدر، والله تعالى أعلم.