الدرس في كتاب الإيمان 7، باب الإمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث وفد عبد القيس الذي أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عن الإيمان والشرائع والأشربة، وتناول الحديث بيان أهمية الإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين. كما تطرق إلى مسائل متعلقة بتحريم الأشهر الحرم وأهمية طلب العلم.
يؤكد على أهمية حفظ العلم ونشره في المجتمع، ووجود العلماء العاملين سبب لإدخال الإيمان في قلوب الناس ومراقبتهم لله. كما يحذر من عواقب فقدان العلماء والمجتمع الذي يفتقر إلى العلماء العاملين الناصحين.
يشدد على أهمية الصبر في طلب العلم، ويحذر من اليأس بسبب صعوبة العلوم أو تأخر الثمرة. الاستمرار في طلب العلم يؤدي إلى تحقيق الرزق والنجاح، مستشهدا بحديث النبي عليه الصلاة والسلام حول هم الإنسان بالدنيا أو الآخرة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه. قال: حديث بن عباس، قال: «إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من القوم أو من الوفد؟ قالوا: ربيعة. قال: مرحبا بالقوم أو بالوفد، غير خزايا ولا ندام. قال: فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة. وسألوا عن الأشربة، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده. قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس. ونهاهم عن أربع: عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت، وربما قال: المقير». وقال: «احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم» أو «وأخبروا بهن من ورائكم»، يجوز هذا وهذا، بالكسر حرف جر أو «من» موصولة. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب والحديث، وهو من الأحاديث المتفق عليها، والباب من تبويبات صحيح مسلم، أي: ممن بوّب أحاديث مسلم، وليس مسلم الذي بوّب. ولفظ الحديث، ولفظ الإمام البخاري كما أشار، قال: أخرجه البخاري بكتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان. وقد أخرجه بإسناده -رحمه الله- قال البخاري -رحمه الله-: حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي جمرة، قال: كنت أقعد مع ابن عباس، يجلسني على سريره، فقال: أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي، فأقمت عنده شهرين، ثم قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا... فذكر الحديث بلفظه. هذا الحديث من الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وهذا هو لفظ الإمام البخاري. وأخرجه مسلم بألفاظ قريبة منه. وفي بعض ألفاظ الإمام مسلم، قال أبو جمرة: كنت أترجم بين يدي بن عباس وبين الناس، فأتت امرأة تسأله... فذكر الحديث. وفي جواب ابن عباس عن سؤال المرأة، إذ كانت تضع ما تخزنه في بعض ما نهي عنه في هذا الحديث. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل، من أهمها ما بوب به هذا الحديث من الأمر بالإيمان بالله ورسوله، فإن من الإيمان بالله ورسوله الإيمان بشرائع الدين. وفيه كذلك الدعاء إلى الإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين، ووجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم إياها. وفيه من المسائل كذلك أهمية العلم لأهله وتعلمه، فهذا الوفد جاءوا من مسافة بعيدة يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم، وبه نعرف حرص أهل هذا الدين على تعلم العلم، وأن حقيقة الدين يكمن في تعلم العلم، أي: العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة. وفيه من المسائل كذلك أهمية طلب العلم ولو مع وجود المشقة والصعاب، لأن به يحفظ الدين. وفيه كذلك من المسائل تحريم الأشهر الحرم، وما هي الأشهر الحرم؟ الجواب: حرم ذو القعدة، وذو الحجة، ورجب، هذه أربعة أشهر: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم ثلاث متواليات، ورجب. وفيه من المسائل كذلك بيان أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون الأشهر الحرم، فأهل الإسلام أولى بتحريمها. وهل تحريمها منسوخ؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح -كما تقدم معنا قريبا في درس التفسير- أن تحريمها ليس بمنسوخ، فالقتال في الأشهر الحرم محرم وحرام، حرمة لحرمة الله، فقد أخبر الله عز وجل بذلك في آيات في كتابه، وصح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديث في سنته. وهذا من هذه الأحاديث التي فيها إقرار بذلك. وأما الذي أجيز، إنما هو يحمل على أحد معنيين، يعني: الأدلة التي استدل بها من استدل أن الأمر منسوخ، محمول على أحد معنيين: الأول رد اعتداء المعتدين، وبغي الباغين، فهو يجوز ولو في الأشهر الحرم. والثاني استمرار القتال تبعا لابتدائه قبل الأشهر الحرم، على أنه إن دعي أهل الإسلام إلى صلح فهم يقبلون في غير الأشهر الحرم، فضلا عن الأشهر الحرم. وفيه من المسائل كذلك بيان ما يجب أن يسأل المسلم عن دينه، وما يقربه إلى ربه، فإن هذا من أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم. فهؤلاء جاءوا من مكان بعيد وسألوا عن أمر فصل يعلمون به من خلفهم من الناس ويدخلون به الجنة، سؤال عظيم يدل على حب لهذا الدين وصدق فيه. وهكذا كذلك سألوا عن الأشربة، وهكذا ينبغي للمسلم أن يسأل عما ابتلي به في مجتمعه من المسائل التي ينبغي أن يتثبت في حكمها. وهذه الأشربة -أي: التي تحفظ في هذه الأوعية: الحنتم والدباء والنقير والمزفت، وربما قال: المقير- وهي عبارة عن أوعية من بعض الزروع، من الدباء ومن القرع، وهكذا ما كان بمعناه، مما إذا يبس صار وعاء، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الأوعية، وذلك لأن حفظ ما يعتصر فيها مضنة سرعة تغيره. قال العلماء: وذلك لأنه يتغير بشيئين: الشيء الأول بمخالطته جدران هذه الأوعية، فهي تؤثر في سرعة تغير ذاك المعتصر فيكون خمرا. والثاني بما تكسبه تلك الأوعية من حرارة، فيكون مدعاه كذلك لخرابها. فلذلك استفاد العلماء من هذا أن ما كان يخرب بالحرارة أو بالمخالطة فلا ينبغي أن يوضع في هذه الأوعية أو ما كان بمعناها. وما كان العكس صلاحه بالحرارة وبمخالطته لمثل هذه الأوعية، فلا بأس بحفظه في هذه الأوعية. وهذا هو الصحيح في تفصيل ما يجوز وما لا يجوز في هذه الأوعية. فمثلاً لو حفظ فيها السمن أو الزبدة، أو كذلك الحقين الذي يراد إخراج السمن والزبدة منه -تعرفون إذا رج اللبن خرج السمن وصار الباقي ماذا؟ حقين أو إيش سموا الحقين؟ اللبن الرائب- فمثل هذا يجوز. وأما ما هو ما ظن تغيره إلى الخمر، كعصير التمر أو العنب أو الشعير أو ما كان بمعناه، فهو لا يجوز، كما أنه جاء النهي كذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام عن خلط بعض ما إذا خلط كان سببا لسرعة تغيره. وسيأتي معنا -إن شاء الله- الإشارة إليه في أبواب لاحقة. وبه نعرف كمال هذا الدين، فإن الله عز وجل جعل فيه من الأحكام ما فيه صلاح للناس في دينهم ودنياهم. وفيه من المسائل كذلك بيان حقيقة التوحيد، وتفسير معنى الشهادة، فإن شهادة «لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» ليس مجرد الإقرار بالربوبية والإقرار بالرسالة، ولكن هو متضمن لمعنى إفراده جل وعلا بالوحدانية في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ولنبيه عليه الصلاة والسلام بالرسالة والنبوة. وهكذا فيه كذلك تداخل الإيمان والإسلام، فقد فسرها هنا الإيمان بالإسلام، ومر معنا قريبا أن الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. فإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام دخل فيه الإيمان. وإذا ذكر معا صار أحدهما لأعمال الجوارح والآخر لما يعتقد في الباطن. وهكذا كذلك فيه من المسائل فرضية إعطاء الخمس من المغنم، وسيأتي -إن شاء الله- تفصيله في كتاب الجهاد. وقد بوّب البخاري له باب أداء الخمس من الإيمان، ليبين -رحمه الله- أن الإيمان لا ينحصر بقول «لا إله إلا الله»، ردا على المرجئة. وهكذا كذلك أنه يشمل كل قول وفعل تعبدنا الله عز وجل به، فالإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فلذلك قال: باب أداء الخمس من الإيمان، يعني: أن هذا العمل من أعمال الدين هو كذلك من الإيمان، فعدم العمل به نقصان في الإيمان، والعمل به زيادة في الإيمان. وبه نعرف أن أعمال الإيمان منها ما يكون زوال الإيمان بزوالها، مثل الشهادة والصلاة -في القول الراجح بالنسبة للصلاة-. ومنها ما يزيل كمالها ولا يزيل أصلها، مثل إعطاء الخمس من المغنم. وفيه كذلك أهمية حفظ العلم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «احفظوهن». أمرهم بحفظ العلم. وفيه كذلك أهمية خروج طائفة من الناس يتعلمون فيعلمون من خلفهم، فهنا قال: «وأخبر بهن من ورائكم»، أي: من تلقون. وفي قول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، معنى ما في هذا الحديث. ولو أن أهل الإسلام فعلوا بذلك لحصل الخير الكثير، واندفع الشر الأكثر منه، فإن وجود أمثال هؤلاء الطوائف في كل بلدة سبب لإدخال الإيمان في قلوب أهل تلك البلدة، فإن الإيمان إذا دخل لا تسأل عن الخير الذي يكون، فإن الناس يراقبون الله في السر والعلن، ويقيمون شريعة الله، وإن لم يؤمروا بوازع السلطان. وهذه نعمة عظيمة. ولهذا حث هذا الدين على هذا الأمر العظيم، فينبغي لأهل الإسلام أن يحرصوا أهل كل بلدة وقرية أن يخرج طائفة من بلدتهم ليتفقه في دين الله، فيرجع معلمين ومربين، يخرجون في الناس من يصلح أمرهم، ومن كذلك يعلمهم ما يحتاجونه من أمور دينهم. فالناس كما يحتاجون إلى الطعام والشراب، فهم يحتاجون كذلك إلى غذاء آخر للأرواح، فاستقامة الأجساد باستقامة المأكل والمشرب وبدفع الداء، فكذلك استقامة الأربية ببث العلم فيها ودفعها للعمل. ووجود الأطباء الذين هم العلماء، فمجتمع ليس فيه أطباء ماذا يكون حاله؟ مجتمع يهوي إلى الهلاك. ومجتمع لم تؤمن سبل الغذاء والشراب فيه، ما يكون حاله؟ كذلك يهوي إلى الهلاك. فكذلك المجتمع -وهذا أعظم- إذا لم يكن فيه من حملة العلم العاملين به من يوجهون الناس ويعلمونهم ويرشدونهم ويعالجون أمراضهم، فإنهم إذا فقدوا مثل هؤلاء أو فقد مثل هؤلاء كان هلاك ذاك المجتمع. وهذا هو الحاصل، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا من صدور العلماء، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم. فظلوا وأضلوا». إذن مجتمع ليس فيه علماء عاملون ناصحون، مجتمع في ظلال، بل ويكثر فيه الإضلال. وأخيرا في من المسائل كذلك أن هذه الخصال وغيرها من أسباب دخول الجنة، فمن سأل عن شيء يدخل الجنة فليعلم أنه هذا. وفي مقدمة الحديث ورواياته فوائد كذلك، ففيها حسن الأدب في استقبال الضيوف، من سؤالهم... ومن الترحيب بهم: «مرحبا بالقوم أو بالوفد، غير خزايا ولا ندام». وفي ذكر أبي جمرة في مجالسته لعبد الله بن عباس، في حرص التابعين على العلم، وبيان أن من الأسباب المعينة على العلم عدم الانشغال بالدنيا. ولهذا كان أكثر التابعين الذين وفقوا للعلم كانوا من الفقراء، من الموالي، وأمثالهم من الفقراء. فليس معنى هذا أن الإنسان يعرض عن رزق ساقه الله له، أو أنه يضيع من يعول، فيبقى عالة على غيره -لا-، لكن معناه ينبغي أن يتخفف من الدنيا، لا يكثر الانشغال بها، لأن كثرة الانشغال بها صارف عظيم من الصوارف عن الانتفاع بالعلم. وفيه إشارة أن العلم يأتي بالتدرج، كثيرا ما يقع في نفوس طلبة العلم طول مشوار طريق العلم، فيقول القائل: «أنا ما أظن أني أصلح لطريق العلم، ولا أظن أن الناس يحتاجون إلي»، يوجد في المجتمع فلان وفلان من العلماء ومن كبار طلبة العلم، وماذا عسى أن يحتاج الناس لمثلي؟ وقد قال مثل هذه الكلمة بعض الأنصار لعبد الله بن عباس -رضي الله عنه- حين كان صغيرا، في بداية طلب العلم، يختلف على مجالس كبار الصحابة، فيجلس. فكان يجلس معه هذا الأنصاري، ثم قال نحو هذه الكلمة، فذهب الأنصاري في عمله، واستمر بن عباس وصبر على طلب العلم، فماذا كانت الثمرة؟ أنصار بن عباس من علماء المسلمين، فنفع الله به العباد والبلاد. وهكذا أنت -يا طالب العلم- لا يأتي الشيطان فيدخل في قلبك اليأس، إما لصعوبة بعض العلوم، أو لثقل الحفظ، أو كذلك لتأخر الثمرة، لا تيأس، اصبر واستمر، وستجد الثمرة. واعرف أن هؤلاء الذين تراهم اليوم علماء وكبار طلبة علمهم، كانوا بالأمس مثلك ودونك، كانوا مثلك ودونك في طريق طلب العلم. بل ربما أنت أحسن منهم وخير منهم، بعض العلماء حديثا وقديما طلب العلم بعد سن الثلاثين، وبعضهم طلب العلم بعد أربعين سنة، ومع ذلك صار من علماء المسلمين، صبروا. فأنت كونك تسير في طريق طلب العلم وتصبر عليه، ستصل -بإذن الله- إلى الثمر، أهم شيء أنك تصبر، ولا تنشغل بالشواغل التي تشغلك، ولا يدخل الشيطان في قلبك اليأس، اصبر واستمر بطريق طلب العلم. واعلم أنك إذا طلبت العلم فإنه يأتيك الدين والدنيا، يأتيك الدين لأنك -بإذن الله- على طريق طاعة الله، وفيما يحبه الله. وتأتيك الدنيا كرما من الله سبحانه وتعالى. ولا يعني ذلك أن تتعيش بدينك، ولكن كما قال الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، ربما تتيسر لك أبواب وأسباب الرزق وأنت مستمر في طريق طلب العلم. أضرب لكم مثلا: ربما الإنسان أحيانا يقيس بالمقاييس العقلية والحسية فيخطئ، لأن الله يعطي الرزق من يشاء، وليس مقاييس الرزق بالذكاء، ولا كذلك بكثرة الاجتهاد، ولكن أمر الله عز وجل: العبد بالتسبب، ثم النتيجة والثمر من الله. فمثلاً يفتد اثنان طريق طلب العلم، وهما في فقر وفاقة، فيقول أحدهما: «أنا على هذا الحال ما أستطيع أصبر، سأذهب أتسبب وأبحث لي عن وظيفة، ولا يمكنني أن أبحث عن وظيفة إلا أن أتفرغ للعلم الدنيوي وأترك العلم الشرعي»، فيبدأ ينصرف ينصرف ينصرف، فينال ما ينال من المراتب والمنازل، حتى تكون له وظيفة. وآخر يصبر، ولا يرضى أن تكون يده السفلى ويد غيره العليا، يتسبب بأسباب أخرى في أوقات يسيرة، بتجارة يسيرة، ربما يبدأ ببيع شيء يسير مما يسر الله عز وجل له، بحسب حال ما يتبايع به الناس في بلده أو في مكانه، فيمر بهذا الزمن وبهذا الزمن. فهذا يفتح الله عليه، وما من إنسان يستمر في شيء إلا وبإذن الله يوفق إلى ما هو أكثر وأرفع منه، فهذا يفتح الله عز وجل عليه، فيكون له سبب رزق بالتجارة، وهو مستمر في طريق طلب العلم. وذاك انصرف عن طريق طلب العلم، وصارت له وظيفة، وربما الذي يأتيه من الوظيفة ما يكفيه في شهره، فيتعجب فيقول: «كيف هذا طالب العلم الذي استمر في طلب العلم حاله أحسن من حالي، وأنا قد بذلت وقتي للدنيا، وما أتاني من الدنيا مثل ما أتاه!». ومصداق ذلك في حديث أنس -رضي الله تعالى عنه أرضاه- الذي أخبر به عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة»، يعني: أعطاه الله عز وجل من خيرها، بواسع فضله سبحانه وتعالى. لكن ننتبه هنا: لا يعني ذلك أن تعطي للأخذ بالأسباب، ولا أن يرضى طالب العلم أن تكون يده السفلى أبدا، بل ينبغي أن يكون طالب العلم يده هي العليا، قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «واليد العليا خير من اليد السفلى». ولا يعني ذلك كذلك أننا نزهد في التفرغ والتخصص فيما يحتاجه المجتمع من علوم، ما دام ليس فيها محاذير شرعية، لأن ليس كل الناس يصلحون لطلب العلم. لكن نحث أولا للتفرغ لطلب العلم، إذا كان المجتمع يحتاج إلى أطباء للأجساد، فهو يحتاج أطباء للأرواح أعظم من حاجته إلى أطباء للأجساد. ونأسف أن يوجد في المجتمع من يهمش هذه الحاجة العظيمة التي هي من أعظم حاجات المجتمعات، فإن المجتمعات تحتاج إلى من يصلحها ويهذبها ويزكيها، ويأخذ بأيديها إلى أسباب الاستقامة، أعظم من حاجتها إلى السيف والسنان، وقوة السلطان التي يكون بها ضبط الأمن في المجتمعات. إن كان هذا مهم فهذا أهم، وإن كان هذا واجب فهذا أوجب، وإن كان هذا ضروري فهذا أشد ضرورة. ولا شك أن مراقبة الله في السر والعلن أعظم من أن تكون المراقبة خوفا من بطش السلطان، أو من عقاب السيف والسنان. ولهذا عجزت المجتمعات الكافرة -على كثرة العدد والعدة، ووسائل المراقبة والمتابعة الحديثة- أن تدخل الأمن إلى بلادها، لماذا؟ لأن القلوب فارغة من المراقبة، ومن الخوف من الله. فلذلك استطاع ذاك المجتمع أن يتحايل على تلك الوسائل، حتى صارت التعدادات العجيبة في الجريمة في تلك البلاد: أنه ما من دقيقة إلا وفي كل عشر ثوان منها جريمة في المجتمع. عشر ثوان ما أن أجهزة المراقبة في بعضها، في كل شارع أجهزة مراقبة وكيمرات وأشياء ووسائل إنذار وغير ذلك وتحذيرات، وعلى ذلك في كل عشر ثوان جريمة. بينما في مجتمع المسلمين تجد الوسائل دون ذلك بكثير، والأمن فيها -بفضل الله- أعظم من الأمن في تلك البلاد. ما هو السبب؟ السبب: أن أكثر الناس يراقبون الله ويخافون الله، وإن وجد فيهم أناس منحرفون وفاسدون، لكن هم قليل. فالشاهد من هذا: هذا قليل من كثير من أحاديث كثيرة تدل على أهمية اعتناء المجتمعات بالعلم وحملته، وبثهم في المجتمع. إلى هنا والله تعالى أعلم.