الدرس في كتاب الإيمان 33، باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم:سباب المسلم فسوق وقتاله كفر . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تحريم سباب المسلم ووصفه بالفسوق وتحريم قتاله ووصفه بالكفر، كما يحذر من خطورة القتل العمد والسباب وحرمة الاعتداء على المسلمين وغير المسلمين.
يشرح هذا الفصل أهمية ضبط النفس وعدم الرد على السب بالسب، كما يوضح أن رد الباطل يجب أن يكون بحق وليس بباطل، ويحذر من الاقتتال بين المسلمين ويبين أن العفو أفضل.
يتناول هذا الفصل كيف يختلف تعريف النكاح والسفاح عند الكفار، حيث قد يعتبرون العلاقة المستمرة نكاحًا حتى بدون إجراءات رسمية، ويوضح أن هذا التعريف قد يؤدي إلى اشتباه في فهم المعنى الحقيقي للنصوص الشرعية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». قال: حديث عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». قال: خرجه البخاري بكتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لأبواب كتاب الإيمان، وعلى قاعدته رحمه الله الباب على ما بوب به على أحاديث صحيح مسلم، ولفظ الحديث ولفظ الإيمان البخاري رحمه الله. وقد أخرجه الإيمان البخاري رحمه الله في الموضع المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا محمد بن عرعرة قال: حدثنا شعبة قال: فذكر الإسناد عن زبيد قال: سألت أبا إسحاق عن المرجئة، فقال: حدثني عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكر الحديث بلفظه. وفي الحديث مسائل من أهمها تحريم سباب المسلم، وأنه من الفسق، فلا يجوز لمسلم أن يسب أخاه المسلم. والسباب هو التنقص، سواء بذكر المعايب الموجودة أو المفتراة، وكل ما يفضي إلى الشحناء والبغضاء مما هو بمعنى ذلك، فلا يجوز. وهو يتناول ما كان قوليا، وهكذا كذلك بمعنى ما كان فعليا. فقد يكون السباب باللعن والشتم، وكذلك ذكره بأقبح أسمائه أو تعييره بما يعير به ونحو ذلك. وفي إيراد هذا الحديث والباب بعد الذي قبله مناسبة ظاهرة، إذ أن من الناس من يعير بالنسب، فيكون هذا من معاني السب الذي هو من الفسوق، فلا يجوز ذلك، وهو ليس فقط معصية، بل هو مما ينافي الإيمان. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن ليس بالشتام ولا السباب ولا الفاحش البذيء. فالمسلم لا يسب ولا يشتم ولا يفحش ولا يكون بذيئا بقوله أو بفعله. ومعناه أن المسلم ينبغي أن يترفع عن مثل هذه الأخلاق الذميمة السيئة. وأما ما يكون بالفعل فهو كذلك بمعناه، ومن الفعل مثلا التنقص بالهمز واللمز، أو كذلك بالإشارة خفية، أو كذلك بالإشارة إلى بعض المعايب. فكل ذلك من معنى التنقص، وهو درجات، والفسوق درجات. وفيه كذلك تحريم قتال المسلم، وأنه من الكبائر، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم كفرا. وذلك لأن أمثال هذه المعاصي الكبار قد تفضي إلى الكفر، فهو وإن كان كفر دون كفر، إلا أنه قد يفضي إلى الكفر، يوصل إلى الكفر. بل نص بعض أهل العلم أنه كفر، وحمله. وقد روي نحو ذلك عن عبد الله بن عباس، أي قتل العمد، وحمله العلماء على أنه إذا كان هناك معنى يفضي به إلى الكفر الأكبر، مثل أن يستحل القتل مثلا أو غير ذلك مما فيه معنى الإفضاء إلى الكفر الأكبر. وغالبا لا يوفق من يقتل قتل العمد، لا يوفق من يقتل قتل العمد، وربما أفض به ذلك إلى أن يكفر بالله سبحانه وتعالى. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما، فإذا سفك دما حراما بلح». كما جاء في حديث بن عمر، ومعنى بلح يعني أنه لا تحسن خاتمته ولا يوفق. فلا تزال تضيق به الدنيا حتى ربما أفض به ذلك إلى القنوط من رحمة الله فيكفر والعياذ بالله. وربما أفض به ذلك كذلك إلى الاستهتار بالمعاصي، خصوصا القتل، فيتوسع في هذا الباب حتى يقتل أنفس كثيرة، فإما أن يبتلى بتغليب الرجاء أو القنوط من رحمة الله والعياذ بالله، وكل ذلك قد يفضي به إلى الكفر والعياذ بالله. وفيه كذلك في هذا الحديث تحذير المسلم من الاعتداء على المسلم، خصوصا. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسوق» ليس معناه أن سباب غير المسلم ليس بفسوق، لا بل هو كذلك فسوق، لكنه أشد مع المسلم. وإلا فلا يجوز حتى مع الكافر، ليس المسلم بالطعان، وليس المسلم بالسباب ولا الطعان ولا الفاحش البديء، حتى الكافر لا يجوز أن تعتدي عليه، يعني ما دام له حرمته ذميًا أو معاهدًا أو مستأمنًا، ليس كونه كافرًا معناه أنك تعتدي عليه لا بسباب ولا بقتل، لا يجوز. ولكن حرمة المسلم أشد وأعظم. وإذا كان هذا في السباب وفي القتال، فهو كذلك في غيره. وذكر بعض أهل العلم لطيفة في معنى السباب والقتال، فالسباب ليس هو السب، هو ما يوصل إلى السب، والقتال ليس هو القتل، وإنما ما يوصل إلى القتل. ومعنى تحريم المشاجرة الغليظة التي تفضي إلى القتل، فهو من القتال. وهكذا كذلك تحريم كل خصومة تفضي إلى السباب، فهو من السباب. وهذه الصيغة بمعناها تدل على هذا المقصد، فلا يجوز للمسلم أن يبتدأ أسباب السب، فضلا عن السب، ولا يجوز للمسلم أن يحدث أسباب القتل، فضلا عن القتل، وذلك لما يعلم من هذا المعنى. وفيه كذلك أن هذا يتناول المعتدي والمعتدى عليه، فكما لا يجوز على المعتدي، لا يجوز كذلك على المعتدى عليه، لأن الحرمة من الجانبين. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يسب فيسب، أنه تترك معونته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لم تزل الملائكة تدفع عنك»، يعني لو لأنك تكلمت فلم تدفع عنك. فإذا سب المسلم لا يرد السب بالسب، بل يصبر، لأن السب محرم عليك وعليه، فلا ترد السب بالسب. وأما قول الله عز وجل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، المراد بالسيئة ها هنا ليس المعصية، وإنما رد الباطل رد الباطل بحق، فلا يجوز أن ترد الباطل بباطل. وهكذا كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في القتال: «إذا اقتتل المسلمان فالقاتل والمقتول في النار». القاتل والمقتول في النار. وإذا رفع السلاح المسلم على أخيه لم تزل الملائكة تلعنه، وهذا يشمل من المعتدي والمعتدى عليه، يشمل الاثنين، لأنه محرم على الاثنين. وهذه المسألة يغفل عنها حتى بعض الصالحين، فيظن أن رد الباطل بابه مفتوح، ولو كان بجنس الباطل، وهذا غير صحيح. فيقع بعض الناس في السب إذا سب، ويظن أن هذا له فيه رخصة استدلالا بعمومات، وليس الأمر كذلك. وعلمنا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ومع ذلك فالعفو أفضل. فكيف إذا علم أن المراد بالسيئة ليس هو الباطل؟ وكذلك كذلك بعض الناس يدخل في القتال الجاهلي، فيشرك نفسه مع قبيلته ومع عشيرته فيما يكون من ثأر وخصومات، وهذا لا شك أنه لا يجوز. فالباطل لا يرد بالباطل، كونهم قتلوا ظلما لا يعني أنك تقتل ظلما. وأما الاستدلال بقول الله عز وجل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، صحيح، لكن القصاص على من على القاتل أولا، ليس كما يفعله اليوم بعض الناس على عوائد أهل الجاهلية، إذا قتل رجل قالوا: نبحث إلى من هو أعظم من يبحثون على من هو أعظم من، فيذهبون فيقتلون شيخ القبيلة أو ابن الشيخ أو أخيه أو أحد آخر له منزلة ومرتبة، كيف يجوز هذا؟ والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، بل أعظم من ذلك ربما قالوا: رجلنا يساوي عشرة، قتلوا عشرة ظلم عدوان. إذا كان القاتل لا يجوز على الصحيح من أقوال أهل العلم أن يقتل إلا على الوجه الشرعي الصحيح، وذلك بالسلطان، لأن الحدود إقامتها من خصائص السلطان، وإلا فكل قتل قد يكون فيه تأويل أو خطأ، سيقتل الناس به، وتحصل بهذا فتنة في المجتمع، وهذا لا يجوز. حتى ولو كان القاتل، «ولكم في القصاص حياة» بالشرع، مش بالعقل، ليس بالعقل ولا بالعواطف ولا بالأهواء، ولكن بميزان الشرع، تطالب أن يقتل القاتل كما قتل، وليس يكون ذلك بالأهواء والعواطف. فالحاصل هذا المعنى وغيره يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وقتاله كفر». طيب، في شيء في هذا الحديث، أحدهم سأل: بما مر معنا في الأمس من ذكر بعض التفاصيل في أنكحة الكفار، بالنسبة للحالة الأخيرة المشكلة التي يحصل فيها الاشتباه، قال: كيف نعرف هل هناك ضابط يمكن أن نعرف به كونه نكاحًا أو سفاحًا؟ الجواب: يرجع في هذا إلى العرف، يرجع في هذا إلى العرف. فما سمي نكاحًا أو تعارف الناس أنه نكاح فهو نكاح، كما تقدم، ولو تخلفت فيه بعض شروط النكاح الشرعي في الإسلام. فربما في بعض عرف الكفار إذا اجتمع رجل وامرأة سنين، وكان عندهم أبناء، يسمون هذا نكاحًا، ولو لم يذهبوا إلى الكنيسة أو يحصل نكاح بولي أو نحو ذلك. وربما صار عندهم السفاح هو ما يكون بالمرة والمرتين أو الشهر والشهرين، أما عشرة السنين عندهم عند بعضهم -ولا أقول الجميع- نكاح. فإن كان كذلك أو كان الأمر قريب من هذا ومشتبه، فهو يدخل في المعنى الذي تقدم، والله أعلم.