الدرس في شرح ستة مواضع من السيرة 4، الموضع الثالث:قصة قراءته صلى الله عليه وسلم سورة النجم بحضرتهم . الموضع الرابع:قصة أبي طالب . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل قصة الغرانيق ودلالتها على التوحيد وبراءة النبي صلى الله عليه وسلم من الشرك، كما يبين بطلان هذه القصة من جهة السند والمعنى. يشرح أيضاً أهمية تحقيق التوحيد بعبادة الله وحده.
يتناول هذا الفصل بطلان قصة الغرانيق من حيث السند والمتن، ويشير إلى إجماع العلماء على بطلانها. كما يفسر آية سورة الحج المتعلقة بإلقاء الشيطان في تمني الأنبياء، ويوضح أن التفسير يرتكز على إلقاء الشيطان في القراءة والتلاوة.
يشرح هذا الفصل أهمية تحقيق التوحيد والكفر بالشرك، ويبين أن مجرد الانتساب أو النسب أو المعرفة وحدها لا تكفي للنجاة من عذاب الله. يستشهد بقصة أبي طالب وأبي لهب عموم النبي صلى الله عليه وسلم وعدم قدرة النبي على الشفاعة لأقاربه الكافرين.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته «ستة مواضع من السيرة»: قال الموضع الثالث قصة قراءته صلى الله عليه وسلم سورة النجم بحضرتهم، يعني المشركين. فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ ألقى الشيطان في تلاوته: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى». فظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها، ففرحوا بذلك، وقالوا كلاما معناه: هذا الذي نريد، ونحن نعرف أن الله والنافع الضار وحده لا شريك له، ولكن هؤلاء يشفعون لنا عنده. فلما بلغ السجدة سجد، وسجدوا معه، فشاع الخبر أنهم صافوه، وسمع بذلك من بالحبشة فرجعوا. فلما أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني أنه قال هذه الكلمات- عادوا إلى شر مما كانوا عليه. ولما قالوا له -يعني شر مكانوا عليه من أذيته ومحاربته وتعديب أصحابه- قال: ولما قالوا له إنك قلت ذلك، خاف من الله خوفا عظيما، حتى أنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾. قال: فمن فهم هذه القصة، ثم شك بعدها في دين النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفرق بينه وبين دين المشركين، فأبعده الله، خصوصا إن عرف أن قولهم «تلك الغارانيق» يراد بها الملائكة. أورد رحمه الله تعالى هذا الموضع الثالث مما أراد رحمه الله أن يستدل به على توضيح حقيقة دعوة الأنبياء والمرسلين، دعوة التوحيد التي من لوازمها الكفر والبراءة من الشرك. فهنا في هذه القصة التي ذكرها رحمه الله -كما نرى- وجه الاستدلال بها: كونه عليه الصلاة والسلام لما وقع على لسانه -على ما ذكر في هذا الحديث الذي أشار إليه- ما ألقاه الشيطان، كان ذلك سببا لسجودهم معه في سجدة سورة النجم، ظنا منهم أنه وافقهم، وكذلك داهنهم فيما يريدون، على أقل الأحوال. فلما تبين للنبي صلى الله عليه وسلم -فيما ذكر في هذه القصة- حين ذكر له ذلك، وقال لهم: لم أقله، فعلم أنه شيء خرج من لسانه بغير قصده وإرادته، وهو مما ألقاه الشيطان -على ما يروي في هذه القصة وذكر- فعند ذلك تبرأ عليه الصلاة والسلام من ذلك. فكان ما كان من شدة عداوتهم له، وأذيتهم، وغير ذلك من تعذيب أصحابه، حتى كان بهم أشد مما كان قبل هجرة الحبشة. هكذا اشتهر في كتب السير والتفسير، في آية سورة النجم، وآية سورة الحج التي أشار إليهما رحمه الله. وهو رحمه الله يشير بهذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت على ما هو عليه من الدعوة إلى التوحيد والتبرأ من الشرك. مع أن الذي وقع منه خطأ، ولم يسعه السكوت على هذا الخطأ، بل بينه ووضحه. مع أن تبعت ذلك ما كان من شدة العداوة والمحاربة والأذية والانتقام، فلم يمنعه ذلك كله من أن يبقى على التوحيد الحق، الذي هو إثبات العبادة لله وحده، والكفر والكفر بما يشرك به، ليس بالإجمال، ولكن بالتعيين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. واللات -كما تقدم- الرجل الصالح الذي جعلوا على قبره وثنا، وجاء في بعض الأحاديث وكتب السير: أنهم بنوا مشهدا يدل عليه، فصاروا يعبدونه من دون الله. وهكذا كذلك العزة، ومنات الثالثة الأخرى -كما ذكر في كتب التفسير والسير- أنها معبودات عبدت في زمن أهل الجاهلية، نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها. بل لما من الله عز وجل عليه بالفتح، أرسل من أرسل في التدمير. وماذا قطع تلك المعبودات؟ فألات في الطائف، وعزة في موضع يقال له «نخلة»، يقال له «نخلة» بين مكة والطائف، وهو موضع معروف إلى يومنا هذا. أرسل إليهم خالد بن الوليد. ومنات: صنم بين مكة والمدينة، قيل: في «المشلل» في «جبل قديد»، وهو موضع معروف اليوم بين مكة والمدينة، لمن يسير في طريق مكة. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من يهدمها. وقبل أن يمكن، أنزل الله عز وجل عليه الكفر بها، وتحذير الناس من عبادتها. فالتوحيد لا يثبت ولا يتحقق إلا بالنفي والإثبات: أن تثبت الألوهية لله، وتنفيها عما سوى الله، ليس بالمعنى المجمل، بل بالمفصل الذي به تقيم الحجة على الخلق، وتبرئ الذمة. وكذلك تصدق في النصيحة. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يداهنوا أممهم. وهكذا يجب أن يكون أتباعهم: لا يداهنون الأمم، بل يبينون لهم ما يجب. وهذا من صدق النصيحة. فمن لم يفعل ذلك، لم يحقق التوحيد في دعوته. ومن بقي على عبادة غير الله عز وجل، ولو تغيرت الأسماء، ولو قال: أنه يعبد الله سبحانه وتعالى، لم يحقق التوحيد لله عز وجل، بل هو في الحقيقة نقض ما يدعيه من توحيد. لو وجد: بما كان من الشرك الذي فعله الله عز وجل، أخبرنا عن المشركين: أنهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. وتأملوا هذا: دعوا الله مخلصين له الدين، يعني لم يلتفتوا إلى ما سوى الله. ومع ذلك فلم يدخلهم ذلك في دين الإسلام. لماذا؟ لأنهم في الرخاء يكفرون بالله سبحانه وتعالى. وإن كانوا في الرخاء كذلك يقرون بربوبية الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. ومع هذا إقرارهم بالربوبية، لم يدخلهم في دين الإسلام. لماذا؟ لأن هذا لا يكفي في تحقيق التوحيد لله عز وجل. إذ التوحيد ثلاثة أقسام: ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات. ولا يتحقق إلا بالنفي والإثبات: تثبت هذه المعاني الثلاثة لله وحده، وتنفيها عما سوى الله سبحانه وتعالى. فلو أثبتها لله، وأثبت بعضها -فضلا عن كلها- لغير الله، لكان هذا من الشرك الذي يحبط عليه ذلك الإثبات. وكذلك -كما يقال- مثله: لو نفاها عما سوى الله، وكذلك نفاها عن الله، لم يكن مؤمنا بالله سبحانه وتعالى. فالأول مشرك، والثاني ملحد، والموحد هو الذي حقق النفي والإثبات، بتحقيق ذلك لله وحده، والكفر بما سوى الله سبحانه وتعالى، بنفيه عما سوى الله سبحانه وتعالى. هذا مقصوده رحمه الله من إيراد هذه القصة. وقد نبه الحفاظ والعارفون والمحققون في علم الحديث: أن هذه القصة بهذا اللفظ والمعنى باطلة، لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهي من جهة السند قصة باطلة. وقد ألف غير واحد من أهل العلم في بيان بطلان هذه القصة، المسمى «بقصة الغرانيق». ومن أحسن ما ألف في هذا الباب: ما ألفه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في رسالته المشهورة، المسمى «نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق». وهي رسالة على صغر حجمها، تناولت فوائد عظيمة، وتنبيهات جليلة، منه رحمه الله تعالى. وقد بين الحفاظ قبله -في مؤلفات مفردة، وفي ثنايا كتبهم- ما يبين بطلان هذه القصة، من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى. فأما من جهة السند، وكذلك من جهة معنى القصة: وبين رحمه الله أنها لم ترو موصولة إلا فيما رواه البزار في مسنده. وقد بين البزار: أنها رويت مسندة من طريق لا يصح مثله. لا يصح مثله. وقد أشار إلى ذلك غير واحد من أهل العلم، كالقاضي عياض في كتابه «الشفاء». وهكذا كذلك الحافظ بن كثير رحمه الله تعالى. وله طرق عند الطبراني والطبري، ولكنها غير متصلة، وهي أشد ضعفا، وتزيد تأكيدا أنها قصة باطلة، لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وبه يعلم خطأ من أثبتها، ولو كان من أهل العلم الفضل. لأن من أثبتها، كان خطأه إما من جهة الخطأ في ظن القصة صحيحة، لكثرة ما روي فيها، وإن كانت عند التحقيق والتأمل والنظر الصحيح يعلم أنها لا تصح. وبهذا خطأ العلماء تصحيح «ابن حجر» لهذه القصة. وهكذا كذلك قد يصححها من لا معرفة له بالأسانيذ، ويغتر بهذه الطرق، ثم يتكلف لها المعنى الصحيح. ولكن الذي عليه أهل التحقيق: أنها قصة باطلة، لا تصح. أنها قصة باطلة، لا تصح. ويؤيد ذلك: أن القصة رويت بالأسانيذ الصحيحة، بغير هذا التفصيل المذكور في هذه الأسانيذ الباطلة. فقد روى البخاري في صحيحه هذه القصة، من حديث «ابن عباس»، من دون الزيادة المروية عن «ابن عباس» التي أشار إليها البزار، وفيها ذكر «قصة الغرانيق». ولا يخفى إمامة وجلالة الإمام البخاري في معرفة الحديث الصحيح. فقد ذكر الإمام البخاري -بالصحيح- وقد انفرد بهذا الحديث: هذه القصة بدون ذكر «قصة الغرانيق». فدل على ضعف هذه القصة. فكيف إذا انضاف ما سبق -على وجه الاختصار- من الإشارة إليه: أنها رويت بأسانيد إما متصلة لا تصح، أو غير متصلة، فهي أشد ضعفا. ولفظ الإمام البخاري -عن «ابن عباس» رضي الله عنه- قال: «سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس». وحمله الحفاظ -أي من حضر تلك القراءة التي قرأ فيها النبي صلى الله عليه وسلم- وسجد. وقد فسر العلماء «سجود المشركين والجن والإنس»: يعني تعظيما لما كان من سماعهم للقرآن، فلم يشعروا بأنفسهم إلا وسجدوا. وفسره بعضهم: أنهم ربما سمعوا منه ما يقتضي استجابتهم للسجود مع النبي صلى الله عليه وسلم. وأيا كان، فالمقصود: ليس فيه ذكر «قصة الغرانيق». وهكذا كذلك جاء في الصحيحين -من حديث «عبد الله بن مسعود» رضي الله عنه أرضاه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «والنجم» فسجد، وسجد من معه. غير أن شيخا أخذ في كفه ترابا، فقال: «يكفيني هذا»، فسجد عليه. قال «ابن مسعود»: فأنا رأيته بعد ذلك قتل كافرا -يعني الكبر- هذا كان سببا في موته على الكفر. وذكر القصة «الطحاوي» كذلك في «مشكل الآثار»، وأشار إلى هذا اللفظ: لفظ الصحيحين، وأشار إلى صحته، وزاد فيه توضيحا لهذا اللفظ، ولم يذكر «قصة الغرانيق». وهكذا كذلك جاء معناه خارج الصحيح -عن «عبد الله بن عمر»- وليس فيه كذلك ما ذكر من «قصة الغرانيق». فأفاد هذا -ما تقدم- أن «قصة الغرانيق» باطلة، من جهة السند، ومن جهة المتن، ومن جهة اللفظ، ومن جهة المعنى. ولهذا اضطربت ألفاظ هذه القصة -كما بين ذلك القاضي عياض رحمه الله في «الشفاء»- وأن هذا الاضطراب يزيد تأكيدا أنها قصة باطلة. والغرانيق -كما ذكرها هنا الشيخ- يراد بها «الملائكة». وقيل: «طير البحر». وقيل: غير ذلك. وقيل: غير ذلك. فإن كان هكذا، فما هو تفسير آية سورة الحج التي فيها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾؟ الجواب: أشار الإمام «ابن القيم» رحمه الله -في كتابه «غاثة اللهفان»- إلى أن قول السلف قاطبة في تفسير هذه الآية: أن معنى التمني والأمنية التي يلقيها الشيطان، هي «القراءة والتلاوة»، أي: ما يلقيه على قراءته وتلاوته. ومن تأمل كتب التفسير، وكلام أهل العلم من السلف، ومن بعدهم، وجده يدور تفسيره حول معنيين اثنين. المعنى الأول: ما يلقيه الشيطان من التحريف في اللفظ أو المعنى، مما يكون به الصد عن دين الله عز وجل، فيكون ذلك كالشبه والوساوس. فقد يلقي الشيطان على أسماع بعض من يسمع الحق: أن يسمعه على غير الحق، في لفظه، فيكون ذلك سببا في إضلالهم، وزيادة غيهم وكفرهم. وقد يلقي في قلوبهم فهم هذا اللفظ والقراءة والتلاوة، على خلاف ما هو ظاهر منها، فيكون ذلك كذلك مما يلقيه الشيطان في القراءة والتلاوة. وسواء كان هذا أو هذا، فهذا المعنى الأول ليس فيه معنى باطل ينافي الحق. والتفسير الآخر: أن ما يلقيه الشيطان قد يكون على قراءة القارئ، فيخطئ القارئ في التلفظ باللفظ، فيكون لفظه على ضد المقصود الذي يريده ربنا سبحانه وتعالى من اللفظ. قال العلماء: وهذا لا مانع من وقوعه. فإذا وقع، لا يقر، فيكون عارضا غير مستقر، يصحح، فيزول، ويذهب. وهذا -على ضعف «قصة الغرانيق»- يكون من جهة المعنى، لا مانع أن يقع، وهو على هذا الوجه الذي لا يحصل به باطل. أما ولا يعلم له وجود في الواقع، في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه. وأما أن يقال: أنه يقع، فيقر، ولو فتر من الزمن، حتى يكون فيه إضلال الناس، فهذا منافي للعصمة التي أجمع عليها المسلمون في حق النبي صلى الله عليه وسلم. فهم هذا: هناك فرق بين أن نقول: أنه ممكن أن يقع، على وجه عارض، لعموم لفظ القرآن. ولكنه من حيث الوجود، لا يعلم له وقوع. ومن حيث الإمكان، لا ينافي هذا العصمة، ولا ينافي لفظ القرآن. بل لفظ القرآن يدل -في تفسير بعض أهل العلم- أنه ممكن أن يقع، لكن على وجه عارض، ولا يقر عليه، بل يصوب فيه مباشرة. وهذا معنى من معاني العصمة. وأما على وجه يدوم، أو يكون به إضلال، فهذا منافي لمعنى العصمة. وعلى المعنى الأول: هو من حيث الإمكان والتقدير، لا منافاة له. ولكنه من حيث الوقوع، لا يعلم له وقوع. وأما «قصة الغرانيق»: فقد تقدم بطلانها، لأن فيها أنها وقع فيها ما فيه معنى دخول هؤلاء، وظنهم هذا الظن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل. وعلى هذا يكون في هذين التفسيرين المذكورين: توضيح لمعنى ما يلقيه الشيطان. ومن قرأ الآيات، فهم هذا، وتجلى له معناه. فقال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يَلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم. وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. فيكون فتنة للذين في قلوبهم مرض -ممن لم يتحقق فيهم الإيمان- كالمنافقين، ومن كان مثلهم. أو القاسية قلوبهم -كالكافرين- ولم يدخلوا في هذا الدين، فيزدادوا صدودا وبعدا. وليعلم الذين أوتوا العلم: أنه الحق من ربك، فيؤمن به، فتخبت له قلوبهم. وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم. ومعناه: أن من وفقه الله للعلم، يعلم أن هذا من الامتحان والابتلاء، وأنه بالعلم يرد المتشابه -لو قدر أنه وجد- إلى المحكم، فيزدادوا بذلك إيمانا وإخباتا وتباتا على الصراط المستقيم. وبعدها: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: يعني وقع الاشتباه، أو لم يقع. وقع الالتباس، أو لم يقع، ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. وبه يعلم هذا المعنى. فإذا كان كذلك، فيكفي في هذا الموضع: أن يذكر «قصة سجود المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم»، وكذلك استمرار معاداتهم له. فسجودهم يدل على أنهم يقرون في قرارة أنفسهم: أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ماذا؟ حق. ومع ذلك لم يؤمنوا به، وحاربوه، وكان ما كان منهم. وهكذا كذلك أهل الباطل في كل زمان ومكان: ما دام صاحب الحق يصدع بالحق، والكثير منهم ربما قد ظهر له -بل هذا الغالب- أن ما عند أهل الحق هو الحق. ولكن الذي يمنعهم هو التقليد، وكذلك موافقة ما عليه أكثر الناس في المجتمع. وبهذا يعلم: أن ما كان عليه الأولون من أهل الشرك من شرك، بعدم تحقيقهم للتوحيد حقيقة، بكفرهم بما يعبد من دون الله، هو كذلك يلزم الحكم بمن سار بسيرهم، ولو تسمى بغير اسمهم. لأنهم لم يحققوا حقيقة التوحيد، بالكفر بما سوى الله سبحانه وتعالى. ويناسب في هذا المقام: أن يذكر تنبيها نبه عليه الشيخ «الألباني» رحمه الله، وكان سببا في تشجعه في تعجيل كتابة هذه الرسالة التي فيها بيان بطلان هذه القصة. وذلك أن بعض السياسيين في زمانه رحمه الله استدل «بقصة الغرانيق» على جواز التنازل عن بعض توحيد الدين لمصلحة الدعوة، ولو كان في العقيدة. التنازل عن بعض توحيد الدين في الدعوة، ولو كان في العقيدة. فقالوا: «قصة الغرانيق» تدل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلمة الكفر والشرك؛ لأجل أن يجذب المشركين إلى هذا الدين. فإذن: لا بأس أن تفعل الشرك، ما دام قلبك مطمئن؛ لترغب الناس في دين الله سبحانه وتعالى. وانظروا إلى هذا الجهل العظيم، والكذب على دين الله سبحانه وتعالى. فرد عليهم الشيخ «الألباني» رحمه الله في تلك الرسالة، وبين -يعني- عوار هذا المنهج المنحرف الذي تضمن ما تضمن من الجهل والكذب على دين الله سبحانه وتعالى. فإن أدلة الكتاب والسنة تضافرت: أنه لا يجوز للمسلم أن يطيع الناس في معصية الله، ولا يجوز له أن يحلل ويحرم إلا بما جاء ماذا في شرع الله؟ لأن هذا حق لله وحده. ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: «هذا حلال، وهذا حرام»، لتفتروا على الله الكذب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وفائدة تذكر عارضة -فيما ذكره بعض أهل العلم في الجزء الثابت من هذه القصة- فائدة فقهية. إذ استدل فيها جماعة من أهل العلم على جواز السجود -سجود التلاوة- بغير طهارة. إذ في حديث «ابن عباس» و«ابن مسعود»: ما يدل أن المشركين سجدوا، وسمى ذلك الصحابي «سجودا». ولو كان لا يصح السجود إلا بطهارة، لم يصح أن يسمى «سجودا». مع أن المشركين سجدوا بغير طهارة. أو بغير طهارة. فاستدل به غير واحد من أهل العلم على جواز سجود التلاوة بغير طهارة. قال رحمه الله تعالى: «الموضع الرابع: قصة أبي طالب». فمن فهمها حسنا، وتأمل إقراره بالتوحيد، وحث الناس عليه، وتسفيه عقول المشركين، ومحبته لمن أسلم، وخلع الشرك. ثم بذل عمره وماله وأولاده وعشيرته في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن مات. ثم صبره على المشقة العظيمة، والعداوة البالغة -يعني في أيام «الشعب»- ولا يخفى ما مر بهم، حتى أكلوا الجلود. قال: لكن لما لم يدخل فيه -يعني في دين النبي صلى الله عليه وسلم- ولم يتبرأ من دينه الأول -يعني ما عليه هو وأجداده وأهل بلده- لم يصر مسلما. مع أنه يعتذر من ذلك: بأن فيه مسبة لأبيه «عبد المطلب»، و«هاشم»، وغيرهما من مشايخهم -يعني هذا عذره- ومع ذلك لم يكن عذرا له. قال: ثم مع قرابته -أي للنبي صلى الله عليه وسلم- ونصرته، استغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. والذي يبين هذا: أنه إذا عرف رجل من أهل «البصرة» أو «الإحساء» -بحب الدين- وبحب الدين- وبحب المسلمين. مع أنه لم ينصر الدين بيد، ولا مال، ولا له من الأعذار مثل ما لأبي طالب. وفهم الواقع من أكثر من يدعي الدين: تبين له الهدى من الضلال، وعرف سوء الأفهام. والله المستعان. وهذه وقفة أخرى مع موضع من مواضع السيرة، يحقق فيها ما تقدم مما عليه حقيقة معنى التوحيد، الذي لا يتحقق إلا بتحقيق معناه لفظا ومعنا، وظاهرا وباطنا، وعلى اللسان والجوارح، بعبادة الله وحده، والكفر بما سواه. ولو وقع ذلك التقصير في أقرب قريب من النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن ذلك مانعا من أن يحكم عليه بالكفر والشرك. قال الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. و«أبو لهب» من عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قرآن نقرأه إلى يوم الدين، فيه كفره. بل وما توعده الله عز وجل به من العذاب في نار جهنم. وهكذا كذلك «أبو طالب» -الذي في السيرة، وفي الأحاديث الصحيحة، ومما أشار إليه هنا مختصرا، وذكره في «مختصر السيرة» في كتابه الآخر رحمه الله مفصلا- من عظيم نصرته للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأييده له. وقد مر معنا تلك الأبيات التي اشتهرت في كتب السيرة: «ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا ... لولا الملامة أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحا بذاك مبينة». وغير ذلك مما نقل عنه. ولكنه لما لم يدخل في الدين، ولما لم يحقق التوحيد، ولم يكفر بما عليه أهل الشرك، لم ينفعه ذلك. بل صار من أهل النار. ففي الصحيح -في حديث «المسيب بن حزن»- حين حضرت «أبا طالب» الوفاة، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: «يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». وكان عنده «أبو جهل»، و«عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة». فقال له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» فكان آخر ما قال: أنه على ملة «عبد المطلب». فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا استغفرن لك، ما لم أنهى عن ذلك». فنزل عليه قول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. فنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له. بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنه في نار جهنم، وأنه لم يستطع أن يشفع له عند الله، إلا أن يخفف عنه من النار، فتكون له جمرتان يغلي منهما دماغه. وإنه لأهوى أهل النار عذابا. ومن تأمل هذا مع غيره الكثير -الذي صحت به السنة- بل وتؤيده نصوص الكتاب: من أنه ليس بين الله وبين خلقه نسبا، ولا صهرا. وأنه لا أحد يشفع لأحد إلا برضى ربنا سبحانه وتعالى، وإذنه. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وأن الشفاعة لا تصح إلا إذا تحققت شروطها -التي تقدمت-: الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع، والإذن بالشفاعة. علم يقينا حقيقة، وعظا، منزلت دعوة التوحيد. وأنها ليست عبارة عن ألفاظ، بل ألفاظ ومعاني، ونفي وإثبات. ومن ذلك: ما ثبت في الصحيحين -من حديث «أبي هريرة» رضي الله عنه- حين قام النبي صلى الله عليه وسلم ينادي في الناس: «يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله. يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله. يا أمة الزبير -عمة رسول الله- يا فاطمة بنت محمد». وهو يقول ذلك، ويقول: «لا أملك لكم من الله شيئا». يجعوهم إلى دين الله، وتوحيد وعبادته، والكفر بما يعبد من دون الله. فإنهم فعلوا ذلك، استطاع أن ينفعهم. وإن لم يفعلوا ذلك، فلا يغني عنهم من عذاب الله شيئا. وفي حديث «عائشة» -في صحيح مسلم- أنه قام على «الصفا»، فقال نحو ذلك. وقال: «سلوني من مال الله ما شئتم، لا أغني عنكم من الله شيئا». وبه يعلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يشفع لأقرب قريب، إذا كان هذا القريب على الشرك والكفر. على الشرك والكفر. وهو عليه الصلاة والسلام لن يفعل ذلك، بعد علمه: أن ذلك مما لا يجوز له -كما في قصة «أبي طالب»-. بل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في أبويه -كما جاء في الأحاديث الصحيحة- حين سئل عن أبيه: «أبي وأبوك في النار». وفي صحيح مسلم: أنه قال عليه الصلاة والسلام: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي. واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن لي». قال الراوي: «فكان يزور قبرها، فيبكي، ويبكي من حوله». فإذا لم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفع والديه، فكيف يظن أن أحدا يستطيع أن ينفع أحدا، وهو على ما هو عليه من الشرك أو الكفر؟ ولهذا صار أهل الشرك والكفر والوثنية يكذبون بهذه الأحاديث الصحيحة، ويضعون الأحاديث الضعيفة والمكذوبة التي توافق أهواءهم، وتصحح باطل مذهبهم. فيكذبون، ويقولون: أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. ويكذبون، ويقولون: أن «أبا لهب» في الجنة، وليس في النار. ويأتون بأشياء مكذوبة، ضعيفة، بين عوارها العلماء، وضعفها وكذبها من جهة السند، ومن جهة المثل والمعنى. وهكذا يكذبون، فيقولون كذلك: «أبو طالب» في الجنة. وهذا لأنهم يعلمون: أن هذه المواضع من السيرة تبين معنى عظيما من معاني حقيقة دعوة التوحيد. ولهذا قال رحمه الله: «من تأملها، وفهمها فهما حسنا، علم حقيقة ما جاء به الرسل، وما كان عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم». ثم ختم رحمه الله هذه الفقرة، وهذه الوقفة، بهذا التوضيح، بقوله رحمه الله تعالى: والذي يبين هذا: أنه إذا عرف رجل من أهل «البصرة» أو «الحساء» -وهو يشير إلى بعض أهل الباطل في زمانه- فكانوا في «البصرة»، وكانوا في «الإحساء». فإذا وجد -يعني كأنه يقول: إذا وجد فيهم أحد- وعرف بحب الدين، وبحب المسلمين. مع أنه لم ينصر الدين بيد، ولا مال. وهو ليس له عذر. فكان هذا أفضل من «أبي طالب»، أو دون «أبي طالب»؟ الجواب: دون «أبي طالب». لأن «أبا طالب» عرف الحق، ونصر أهله. ومع ذلك لم ينفعه ذلك من أن ينجو من عذاب الله. تأملوا هذا، وتفكروا فيه: «أبو طالب» عرف الحق، ونصر أهله. ومع ذلك لم ينفعه ذلك أن ينجو من عذاب الله. فإذا هذا الذي يقول -وهو في أوساط عباد القبور-: «أنا أعرف الحق، وأنا أعرف التوحيد». ولكنه لم يظهر منه ما يبين هذه المعرفة، لا بلسان، ولا بفعل. وهو مع أهل الشرك في شركهم، وفي مكانهم. وهو يسمع بالطعن في أهل الباطل، وبدعوة التوحيد، ولا ينكر، ولا ينصر. فكيف يمكن أن يكون هذا ناجيا؟ و«أبو طالب» لم ينج، وهو زاد على فعل هذا الرجل ماذا؟ أنه نصر أهل الحق. ومع ذلك لما لم يحقق التوحيد، ولم يكفر بالشرك، لم ينج. قال: «وفهم الواقع من أكثر من يدعي الدين» -يعني الكثير ممن يدعي الدين لم يحقق هذا الدين- بماذا؟ بتطبيق معنى التوحيد، والكفر بالشرك وأهله، ومن نصرة أهل التوحيد، ومعادات أهل الشرك وأهله. قال: «تبين له الهدى من الضلال، وعرف سوء الأفهام». والله المستعان. وهذا واضح وظاهر. لأن «أبو طالب» عرف الحق، ونصر أهله. ومع ذلك لم يمنعه ذلك، ويحجبه من عذاب الله. فكيف بمن لم ينصر الحق، ولو زعم أنه عرف الحق، وهو لم يطبقه، ولم يكفر بما سواه، ولم يظهر نصرته لأهل الحق، وكفره بأهل الباطل؟ إلى هنا والله تعالى أعلم.