الدرس في شرح مختصر السيرة 89، الدرس التاسع والثمانيون:من( فصل:قال ابن إسحاق وقدم رسول الله من تبوك في رمضان ... وكذلك أوقافها تصرف في مصالح المسلمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
قدم وفد ثقيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان بعد عودته من تبوك وأسلموا. طلبوا مهلة لهدم صنمهم اللات ولكن النبي رفض وأمر بهدمها.
نزل وفد ثقيف على النبي وأسلموا، وأمر المغير بن شعبة وأبا سفيان بهدم اللات. عين النبي عثمان بن أبي العاص أميرًا عليهم لاهتمامه بتعلم القرآن.
يجب هدم مواضع الشرك والطواغيت فور التمكن منها، وتركها يعتبر فتنة كبرى. يستدل على ذلك بأهمية إزالة مظاهر الشرك.
الوقف بغير رضا المالك باطل، والمال المأخوذ غصبًا يعتبر فيئا يوضع في مصالح المسلمين إذا لم يعرف مالكه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال فصل: قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف. وهذا الذي ذكره الشيخ رحمه الله ذكر نحوه الإمام بن القيم رحمه الله في «زاد المعاد»، وهو ينقله عن ابن إسحاق. وابن إسحاق رحمه الله يذكره من غير إسناد، هكذا قال ابن إسحاق في سيرته: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر تفاصيل وذكر تفاصيل ما ذكرها هنا من وفد ثقيف، فليس في شيء مما ذكر شيئا مسندا. لكن له مما بلغ ابن إسحاق قال رحمه الله: وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم اتبع أثاره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فيهم نخوة الامتنع» -يعني عزة- قال: فقال: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم». وهو تمثيل لمن اشتد حبه عند قومه. قال: «والأبكار معروف النساء الأبكار»، ومعنى أن حبه عظيم عند قومه. قال: وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، وخرج يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم. فلما أشرف لهم على علية -يعني على مكان مرتفع- وقد دعاهم إلى الإسلام رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله. فقيل له: ما ترى من دمك؟ فقال: «كرامة أكرمني الله بها وشهادة، وشهادة ساقها الله إلي، فليس فيي إلا ما في الشهداء الذين قتلوا بسبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم» -يعني حيث دفنا من قتل من الصحابة في غزوة ثقيف- قال: فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن مثله في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه» -يعني يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار-. وهذا كما مر معنا ليس له إسناد مستقيم، وإنما يرويه ابن إسحاق فيما بلغه بغير إسناد. قال: ثم أقام الثقيف بعد قتل عروه أشهرا ثم اعتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد أسلموا وبايعوا -يعني العرب- فأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا كما أرسلوا عروه، فكلموا عبد يا ليل بن عمر وعرضوا عليه ذلك فأبى وخشي أن يصنع به كما صنع بعروه -يعني يقتل من قبل أهله- فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا. فأجمعوا أن يرسلوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، منهم عثمان بن أبي العاص. فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة -وهو اسم مكان- ألفوا بها المغير بن شعبة، فاشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم، فلقيه أبو بكر فقال: «أكسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكون أنا أحدثه»، ففعل. ثم خرج المغير إلى أصحابه فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني بتحية الإسلام- قال: فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية -يعني في صيغة التحية وفي الفعل- فضرب عليهم قبة في ناحية المسجد -يعني ضيه فيها- وكان فيما سألوه أن يدع لهم اللاتة لا يهدمها ثلاث سنوات فأبى، فما برحوا يسألونه سنة فيأبى حتى سألوه شهرا واحدا فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى. وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم، ويكرهون أن يروعهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام -يعني كأنهم يريدون ذلك رفقا بقومهم- قال: فأبى إلا أن يبعث أبى سفيان ابن حرب والمغير ابن شعبة يهدمانها. قال: فلما أسلموا، وكل هذا ليس فيه إسناد مستقيم في كتب السيرة، ولا هو له أصل في كتب الحديث والسنة، لكنه مما يتناقله أهل السيرة عن ابن إسحاق. قال: فلما أسلموا أمر عليهم عثمان ابن بلعاص، وكان من أحدثهم سنا، وذلك أنه كان من أحرصهم على التفقه بالدين وتعلم القرآن. وقد جاء في صحيح مسلم كما أشار المعلق: أن النبي صلى الله عليه وسلم وكله أن يأم بقومه، ففي صحيح مسلم من حديث سعيد المسيب عن عثمان ابن عاص: أن آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له: «إذا أممت قوما فأخف بهم الصلاة» -يعني خفف- وفيه أشياء في صحيح مسلم عن عثمان ابن العاص يدل أنه كان إماما في قومه، وهو من ثقيف. قال: فلما توجهوا راجعين بعث معهم أبا سفيان والمغير بن شعب حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى، وقال: «ادخل أنت على قومك». وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم. فلما دخل المغيرة علىها يضربها بالمعول، وقام دونه بن معتب خشية أن يرمى كما فعل بعروة -يعني حماه بن معتب امتثالا لما كان منهم من قدومهم على النبي عليه الصلاة والسلام- قال: وخرج نساء ثقيف حسرا -يعني عن رؤوسهن- يبكين عليها -يعني على صنمهم-. فلما هدمها أخذ مالها وحليها وأرسل به إلى أبي سفيان. قال الشيخ رحمه الله: ما في غزوة الطائف من الفقه. قال: فيها من الفقه جواز القتال في الأشهر الحرم، ونسخ تحريم ذلك -يعني القتال في الأشهر الحرم- وفي هذا خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن النسخ إنما هو لما يتعلق بابتداء القتال أو استمراره إذا كان في رد عدوان العدو. وهل يبدأ به إذا كان يمكن تأجيله؟ في هذا خلاف، والصحيح أنه ينبغي أن يحافظ على عموم النص من النهي في ذلك، فيكون ما ورد تقييد وتخصيص وليس نسخ لكل الحكم. فإذا استطاع أهل الإسلام أن يؤجلوا القتال في غير الأشهر الحرم فهو أو لا وأحوط عملا بالأدلة. قال: وفيها أنه لا يجوز إبقى مواضع الطواغيت والشرك بعد القدرة عليها يوما واحدا، فإن شعائر الكفر وهي أعظم المنكرات. وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله، وكذلك الأحجار والأشجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر لها، وكثير منها بمنزلة الله والعزة أو أعظم شركا عندها وبها. وهو يشير لما في زمانه رحمه الله من المشاهد على القبور والأشجار والأحجار التي تُعبد من دون الله بأنواع العبادات، إما بطواف أو كذلك أخذ شيء من تربتها أو غير ذلك مما يظن أنها تنفع وتضر، وهذا هو الشرك، وهو عين ما كان يفعل مع اللات والعزة. فلما لم يأذن النبي عليه الصلاة والسلام بتأجيل ما وقع ما طلبه أهل ثقيف، فكذلك دل على أنه لا يجوز لأهل الإسلام تأخير هدمي ما يتيسر هدمه مما أمكنهم الله عز وجل عليه. وهو يشير إلى بعض مخالفيه في زمانه، إذ أنهم زعموا أن من الفقه ترك هذه الأصنام، ولو كانوا يقولون أنها لا تجوز. وكان الشيخ رحمه الله يخالفهم في ذلك، ويرى أن السلطان ما دام تمكن من البلاد فلا ينبغي له أن يتركها، لأن تركها هي الفتنة الكبرى وهو الشر الأعظم. قال: ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيث يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها ما يفعلوا إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وقفاء العلم، وغلبت التقليد، وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسن بدعة والبدعة سنة، وناشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام. وهو يشير إلى كلمة ابن عقيل رحمه الله تعالى في هذا المعنى، فإن أمثال هؤلاء بعد قيام الحج عليهم هم من المشركين، وشركهم كشرك الأولين لا فرق، فلا فرق بين من عبد قبرا أو من عبد حجرا وصنما، فكل عبادة لغير الله عز وجل شرك. وهو يعرض رحمه الله تعالى بمن خالفه من أهل زمانه في أمر هؤلاء. قال: ولكن لا تزال طائف من العصاب المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. وفيها: ويريد بذلك أن أهل الحق في كل زمان هم موجودون، فبزمن النبي عليه الصلاة والسلام كان هو وأصحابه عليه الصلاة والسلام، وبعدهم كذلك حتى زمان المؤلف رحمه الله، ويشير إلى ما كان عليه ومن معه من محاربة الشرك وأهله. قال: وفيها صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد من عابديها -يعني ترسل وتجعل- فيجب على الإمام أن يصرفها في الجهاد ومصالح المسلمين، وكذلك أوقافها تصرف في مصالح المسلمين. والصحيح أن هذا الوقف وقف باطل لا ينعقد، فإن أخذ المال غصبا من أحد رجع المال إليه، وإن لم يأخذ ولم يعرف له مالك فإنه يكون فيئا يأخذه أهل الإسلام ويضعونه حيث يريهم الله عز وجل إياه وما تكون فيه المصلحة، كما قال رحمه الله في الجهاد أو في مصالح المسلمين كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. طيب لهنا والله تعالى أعلم.