الدرس في شرح مختصر السيرة 57، الدرس السابع والخمسون:فيه:( إسلام عبدالله بن سلام ... وهو الاستعانة بالصبر والصلاة وأخبرهم:أنه مع الصابرين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول إسلام عبد الله بن سلام وتأثيره على اليهود. يشير إلى مواقف اليهود المتغيرة تجاهه بعد إسلامه.
ناقش بعض الأحداث الهامة في السنة الثانية للهجرة مثل فرض صوم رمضان وتحويل القبلة وتزويج علي بن أبي طالب بفاطمة. تطرق إلى الحكمة من تحويل القبلة وامتحان الناس في الفتن.
يذكر أن الله أمر باتباع إبراهيم عليه السلام وأنه جعل إبراهيم إماما للناس. يبين أن دين الأنبياء واحد وأن اختيار القبلة إلى البيت الحرام يجعل الأمة وسطا وعدلا.
الله عز وجل يعين الصابرين وينصرهم بمعية خاصة تتضمن النصر والتأييد. تظهر مدى اهتمام الله تعالى بعباده الصابرين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: إسلام عبد الله بن سلام، قال: وبادر عالم اليهود حبرهم عبد الله بن سلام فأسلم، وأبى عامتهم إلا الكفر، وكانوا ثلاث قبائل: قين قاع والنظير وقريضة، فنقضت الثلاث العهد وحاربهم، فمن على بني قين قاع، وأجلى بني النظير، وقتل بني قريضة، ونزلت سورة الحشر في بني النظير، وسورة الأحزاب في بني قريضة. جاء المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في إسلام عبد الله بن سلام، وقصة إسلامه جاءت في الصحيحين، يعني شيء من ذكر قصته، فقد أسلم رضي الله عنه أرضاه بعد الهجرة بثمانية أشهر، كما ذكر ذلك أهل السيرة والتاريخ، وبعضهم ذكر أقل من ذلك، وذلك أنه رضي الله عنه أرضاه كان حريصا على الحق، وقد علم أن نبيا يظهر، وهذا زمانه. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في هجرته، أتى رضي الله عنه أرضاه إلى موضع استقباله، فكان مع من حضر في قبا، حتى أنه روى حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام سمعه وهو كافر قبل أن يسلم، وهو حديث: «أفش السلام». فكان في إسلام عبد الله بن سلام أثر عظيم على اليهود، إذ أنه عالم من علمائهم وحبر من أحبارهم، حتى أن عبد الله بن سلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم كما في قصة إسلامه، وأصلها في البخاري وغيره، فقال: يا رسول الله، إنك تعلم اليهود -يعني أنهم قوم أهل غدر ومكر- فقال: سلهم عني -يعني لتكون شهادة على أنفسهم وحجة- قبل أن يخبرهم بإسلامه. فسألهم: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ فأثنوا عليه خيرا وعظموه جدا، حتى إذا خرج وبين لهم أنه أسلم، ذموه وذكروه بكل سوء. وأراد رضي الله عنه وأرضاه أن يقيم الحجة على غيره من اليهود كيف أنهم يثنون عليه وهو أسلم ودخل في دين الإسلام حين تبين له الحق. قال رحمه الله تعالى: حوادث السنة الثانية، قالوا: في السنة الثانية، رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأذان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقيه على بلال. وقصة الأذان أصلها في الصحيحين، بعضها في البخاري، وبعضها خارج البخاري في حديث عبد الله بن عمر وغيره. فكان الأذان ومشروعية الأذان في المدينة، قال: وفيها فرض صوم رمضان، ونسخ صوم عاشورة، وبقي صومه مستحبا. كذلك فرض صيام رمضان كان في المدينة، وكان قبل ذلك لم يفرض عليهم شيء غير صوم عاشورة، أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بصيامه. قال: وفيها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فاطمة رضي الله عنهما. وهكذا كذلك هذه أصلها في الصحيح في البخاري وغيره، قصة تزويج النبي عليه الصلاة والسلام علي من فاطمة، وكان ذلك عقب بدر، قيل في أواخر السنة الثانية للهجرة. قال: وفيها صرف الله عز وجل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة -يعني كذلك في السنة الثانية- كما جاء وسيأتي إن شاء الله حديث البراء في الصحيحين، قال: تحويل القبلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ستة عشر شهرا -يعني سنة وكم وأربعة أشهر- كما جاء في الصحيحين في حديث البراء. قال: قبلة اليهود -يعني المقدس بيت المقدس- قال: وكان يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة، وقال لجبريل ذلك، فقال: إنما أنا عبد، فادعوا ربك واسأله، فجعل يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك، حتى أنزل الله عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وكان في ذلك حكمة عظيمة ومحنة للناس مسلمهم وكافرهم، فأما المسلمون فقالوا: يقولون آمنا به كل من عند ربنا، وهم الذين هدى الله، ولم تكن بكبيرة عليهم. وأما المشركون فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ وأما المنافقون فقالوا: إن كانت القبلة الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل. وهكذا حال الفتن تمحص الناس وتنزلهم منازلهم، ما يعد كل إنسان منزله وقدره، فأهل الحق ينزلون منازل الحق، وأهل الباطل ينزلون منازل الباطل، وأهل الشك والريب ينزلون منازل الريب والشك. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في امتحان الناس في الفتن والمحن فيتميز الناس. قال: ثم عقب ذلك بالمعاتبة لمن تعنت على رسوله ولم ينقذ له، ثم ذكر بعده اختلاف اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء، ثم ذكر شركهم بقوله: اتخذ الله ولدا، ثم أخبر أن المشرق والمغرب لله، فأينما يولي عباده وجوههم فتم وجهه. ومعنى تم وجهه أي تم التوجه إلى الله عز وجل، وما جاء عن بعض السلف أنه تمت قبلته وجهته، ليس هذا من التحريف؛ لأن هذا من ضمن المعنى. قال: وأخبر رسوله أن أهل الكتاب لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم. ثم ذكر خليله إبراهيم وبناءه البيت بمعاونة ابنه إسماعيل عليهم السلام، وأنه جعل إبراهيم إماما للناس، وأنه لا يرغب عن ملته إلا من سفها نفسه. وفي هذا كله توطئة لأمر القبلة، واليهود والنصارى يدعون أنهم على ملة إبراهيم، فإذا كانوا على ملة إبراهيم فينبغي أن لا يكره أن يتوجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قال: ثم أمر عباده أن يأتموا به، وأن يؤمنوا بما أنزل إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إليهم وإلى سائر النبيين، أي أن دين الأنبياء كله واحد. وأخبر أن الله الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وهو الذي هداهم إلى هذه القبلة التي هي أوسط القبل، وهم أوسط الأمم. كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب، وحكم من الله عز وجل أن جعل القبلة إلى البيت الحرام، وهي وسط الأمم حسا ومعنا. حسا من حيث المكان، فإنها في وسط الأرض، وكذلك جعلناكم أمة وسطا. وسطا في الحس، ووسطا كذلك في المعنى. أما الوسط في الحس فبمكانهم، أمة العرب تعيش في وسط الأمم، انظر إلى أمم أهل الأرض في المشرق والمغرب، وفي الشمال وفي الجنوب، أوسط الأمم أمة العرب، وجعلت قبلة الناس جميعا في هذا الدين في هذا الموضع حكمة من الله سبحانه. وكذلك وسط من جهة المعنى، يعني أنهم عدل خيار، بما كان أن هداهم الله لهذا الدين، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: العدل الخيار، عدالة وخيرية بما كان من اتباع هذا الدين العظيم الذي ختم الله به الأديان. قال: كما اختار لهم أفضل الرسل، أفضل الكتب، وأخبر أنه فعل ذلك لأن لا يكون للناس عليهم حجة؛ لأن ذلك أدعى لأن تقوموا الحجة على أهل الأرض جميعا، قال: إلا الظالمين، فإنهم يحتجون عليهم بذلك الحجج الباطلة الواهنة التي لا ينبغي أن تعارض الرسل بأمثالها. قال: وليتم نعمته عليهم، ويهديهم، ثم ذكر نعمته عليهم برسال الرسول الخاتم، وإنزال الكتاب، وأمرهم بذكره وشكره -يعني على هذه النعم- ورغبهم في ذلك بأنه يذكر من ذكره، ويشكر من شكره. وهذه كلها آيات سورة البقرة، يسردها يسرد معناها المؤلف رحمه الله تعالى. ليبين كيف كان خبر نسخ القبلة، كيف وطئ حكم نسخها بهذه التوطئات الكثيرة، وكيف أتبع بهذه كذلك الأحكام، وكذلك الأخبار، قال: وأمرهم بما لا يتم ذلك إلا به، وهو الاستعانة بالصبر والصلاة، وأخبرهم أنه مع الصابرين عموما، وفي أمر القبلة خصوصا، وفي أمر الصلاة والقبلة خصوصا. فإن الله عز وجل مع الصابرين يعينهم وينصرهم، معية خاصة فيها معنى النصر والتأييد والكلاءة. والله تعالى أعلم.