شرح مختصر السيرة 25

شرح مختصر السيرة 25

الدرس في شرح مختصر السيرة 25، الدرس الخامس والعشرون : وفيه : ( بدء الوحي في الصحيح عن عائشة ... وإن يدرك يومك انصرك نصراً مؤزاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عبادات أهل الجاهلية قبل الإسلام

كان أهل الجاهلية يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب والملائكة والصالحين، وكان سبب عبادتهم للأصنام هو الغلو في الصالحين وتعظيم بعض البقاع وأحجار الحرم. تنوعت عباداتهم ما بين عبادة الأوثان والكواكب والجن.

بداية الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم

بدأ الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم برؤيا صادقة في النوم، ثم انعزل في غار حراء للتعبد، حيث نزل عليه الوحي لأول مرة عندما جاءه الملك وقال له اقرأ. كرر النبي ذلك ثلاث مرات حتى قرأ في الثالثة.

تفاصيل نزول الوحي وتأثيره

بعد نزول الوحي، رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خديجة خائفًا، فطمأنته وأخذته إلى ورقة بن نوفل الذي أخبره أن هذا هو الناموس الذي نزل على موسى. كما أظهر أبو جهل إقراره بوحي النبي صلى الله عليه وسلم مع معاداته له.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا بهذه الرسالة وهذا الكتاب: مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى. وكان آخر ما أخذناه هو ما ذكره رحمه الله تعالى من ذكر بعض ما كان عند أهل الجاهلية من عبادات، وابتدأ وذكر ما عليه أهل الجاهلية من عبادة الأصنام. وقبل أن ننتقل للفصل الذي بعده، وهو ما ذكره من أمر نزول الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام، نذكر تتمة للفائدة: شيئًا من عبادات العرب كذلك في أيام الجاهلية، مما يبين لك حال الناس قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام. فمنهم من كان يعبد الأصنام، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، وعلمنا أنواع الأصنام. وقد ذكر بعض الأمثلة، وإلا فللعرب أصنامًا كثيرة كما ألمح إلى ذلك المؤلف رحمه الله، بل ربما لا تكاد تجد عائلة، فضلًا عن قبيلة وأسرة، إلا وفيها صنم يعبده أهلها. وخلص مما سبق أن أسباب عبادة الأصنام كثيرة، من أهمها الغلو في الصالحين. ومن أسباب كذلك عبادة الأصنام وصية الكهنة وأتباع الجن من المشعوذين، الذين كانوا يبثون في الناس الشرك. ومن ذلك عبادة الأصنام، وربما سمعوا بعض أصوات الجن في بعض الأحجار أو الأشجار، ما كان ذلك سببًا في عبادة أولئك الناس لتلك الأشجار أو الأحجار. ومنها تعظيم بعض البقاع، تعظيم بعض البقاع كان سببًا كذلك في عبادة العرب للأصنام. ومن تعظيم البقاع تعظيم بعض أجزاء البلاد المعظمة، مثل أحجار الحرم. كما ذكر كذلك أنهم ربما أخذوا بعض أحجار الحرم، وصاروا يطوفون بها كما يطوفون بالبيت. جعل بعض العرب أحجارًا من أحجار الحرم يطوفون بها كما يطوفون بالبيت، ثم مع مضي الزمان عبدوها من دون الله عز وجل. وهكذا من عبادتهم كذلك أنهم كانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب، كما ذكر الله عز وجل عنهم: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وهكذا كذلك جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك أحاديث كثيرة في بيان أن بعض المشركين كانوا يسجدون للشمس يعبدون الشمس، ويسجدون لها كما يعبدون القمر كذلك. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة في وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، فتلك ساعة كان يسجد المشركون للشمس يعبدونها مع عبادتهم للشيطان. وهكذا كذلك الكواكب، وقد ذكر من أشعارهم الشيء الكثير، فكانوا يعبدون أنواع الكواكب، بل صار لقبائل متنوعة كوكب يعظمونه ويعبدونه، وصار علمًا على تلك القبيلة. ومن ذلك قول الشاعر: «أما ابن طوق فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها». ويريد بحاديها الدبران، فكانت العرب تعظمها وتعبدها من دون الله عز وجل، ومع الله عز وجل. وهكذا كذلك من عبادتهم أنهم كانوا يعبدون الملائكة، فسمعوا بالملائكة في دين اليهود والنصارى ومن حولهم من أهل الكتاب، فصار بعضهم يعظم الملائكة ويعبدونهم من دون الله عز وجل. كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. وهكذا كان من عبادتهم عبادة الأنبياء، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَفِيضَاكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ بَعْدِ هَذَا﴾ الآية. ومنهم من أخذ بدين اليهود والنصارى، فعبدوا كما عبد اليهود عزير، عبدوه عزير، وكما عبد بعضهم كذلك المسيح، كذلك عبد بعضهم كذلك عيسى بن مريم، كما حكى الله عز وجل عنهم ذلك في كتابه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وبه نعرف أن أصنافًا من العرب كانوا يهودًا وكانوا نصارى، فمنهم من كان على دين اليهودية كبعض أهل اليمن، ومنهم من كان على دين النصارى كبعض أهل نجران. ومنهم من كان يعبد النار كذلك على دين الفرس، كأصناف وبعض عرب اليمن، كما هو معروف في التاريخ والسيرة، وذكر من ذلك قبائل كانوا يعبدون النار أتباعًا للفرس، عبادتهم للنار. وكذلك كان من العرب من يعبد الجن، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. وهكذا في الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ الآية، وغير ذلك من الآيات التي فيها عبادة الإنس للجن عند العرب. فهذه عبادات متنوعة كانت موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقبل مبعثه. وبه تعرف أن الشرك لا ينحصر بعبادة الأصنام، بل الشرك كان عند العرب متنوع. والخطاب الذي جاء في كتاب الله وفي كلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لجميع المشركين الذين عبدوا مع الله عز وجل هذه المعبودات، أو الذين عبدوا هذه المعبودات ولم يعبدوا الله عز وجل. فلم يكونوا جميعًا يعبدون الأصنام فقط، بل كان منهم كما سمعنا من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الأنبياء والملائكة والصالحين، كما مر معنا في الصنم المسمى باللات، وهكذا كذلك منات، وغير ذلك مما هو بهذا المعنى. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «رجعنا إلى سيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنقول: بدء الوحي». قال في الصحيح، يعني في البخاري، وكذلك مسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أول ما بدئ برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الوحي الرؤية الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح». وهذا بعض وحي الأنبياء، فإن رؤية الأنبياء حق، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، وكما أخبرنا ربنا عز وجل في كتابه عن رؤية عدد من أنبيائه ورسله، كقصة يوسف عليه الصلاة والسلام، وهكذا قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وغيره من الأنبياء والرسل الذين دلت أدلة الكتاب والسنة أن رؤياهم حق. فلا يرون رؤيا إلا وتأتي مثل فلق الصبح، يعني يصدقها إتيانها بعد ذلك. قال: «ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه»، وهو التعبد، أكذا يقول الزهري، وغالبًا الزهري لكان في سند. وجاء في الحديث تفاسير، فإن التفسير يكون من الزهري. قال: «وهو التعبد الليالي ذوات العدد»، يعني ليس يوم ولا يومين، ولكن أكثر من ذلك. قال: «قبل أن ينزع إلى أهله»، يعني قبل أن يرجع. قال: «ويتزود لذلك»، يعني يأخذ معه الزاد الذي يكفيه في تلك الليالي في ذلكم الغار، غار حراء، وهو غار معروف اليوم موجود في جبل في جبل النور، يسمى اليوم بجبل النور. قال رحمه الله تعالى: «ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها»، حتى فجاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: «اقرأ». قال: «فقلت: ما أنا بقارئ»، يعني لست أحسن القراءة، وليس معناه أن النبي عليه الصلاة والسلام امتنع من القراءة. قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد»، ومعنى غطني يعني حطه بشدة أخذه وحطه. قال: «ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال لي بالثالثة: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم». قال: «فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرجف فؤاده»، يعني متخوفًا من هذا الذي رآه، ما يدري هل هذا حق أم أنه شيء آخر. قال: «حتى دخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زملوني، زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي». فقالت خديجة: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا. إنك لتصل الرحم وتحمل الكل»، ومعنى الكل كما هو موضح، يعني الذي لا أحد يقوم به، المنقطع الذي ليس له أحد يخدمه لا من فوقه ولا من تحته. قال: «فقالت: إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتقري الضيف»، يعني تكرم الضيف، «وتكسب المعدوم»، يعني الذي ليس عنده شيء تعطيه شيء من الكسب، «وتعين على نوائب الحق». وفي أن هذه الصفات كان النبي صلى الله عليه وسلم متصف بها قبل الوحي، وبه تعرف أن الله عز وجل قد أعان وأيد نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما كان منه من سيرة حسنة، وما كان من الله عز وجل من تأييد حسن، حتى هيأه للنبوة والرسالة عليه الصلاة والسلام. وبه تعرف أن العرب كانوا يميزون بين الخير والشر، وبين الفضيلة والرذيلة، وأنه كذلك كان يميز بين ذلك. وبه تعرف أن تعذيب الرب جل وعلا للمشركين على شركهم وكفرهم ومعاصيهم بعد بلوغ الحق، لا يكون ذلك إلا عدل منه سبحانه، حتى لو كان كافرًا فإنه يعذب على كفره وعلى معاصيه. قال: «فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان قد تنصر في الجاهلية». وهذا يدلك أن بعض أهل الجاهلية كذلك دخلوا في دين اليهود والنصارى. قال: «وكان يكتب الكتاب العبراني»، يعني يرسل لغة أهل الكتاب. قال: «فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي». فقالت له خديجة: «ابن عم، اسمع من ابن أخيك». فقال له ورقة: «ابن أخي، ماذا ترى؟» فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: «هذا الناموس الذي نزل الله على موسى». علم بما قرأ من دين أهل الكتاب أن هذا عين ما نزل على موسى. قال: «يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك». قال: «ومخرجيهم؟» قال: «نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا». وهذا يدل أنه أقر وأيد النبي عليه الصلاة والسلام على الوحي الذي نزل عليه. طيب نقف عند هذا الحد، ونكمل إن شاء الله بدرس لاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.