الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 72، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح الشيخ عبد الرحمن بن مرع العدني قول النووي في تحريم تفسير القرآن بالرأي لغير أهله، مستعرضاً ضعف الأحاديث الواردة في الوعيد على ذلك. ويبين أقسام المفسرين برأيهم مؤكداً اشتراط سلامة العقيدة في المفسر لئلا يحرف كلام الله لهواه.
يحرم المراء والجدال في القرآن بغير علم أو هوى، ويجب رد المتشابه إلى المحكم لتجنب التضاد الوهمي. كما يُنهى عن حضور مجالس الجدال بالقرآن، ويؤدب السائل بقول: ما الحكمة؟ بدلاً من: ما السر؟
يستعرض المقطع الأحاديث الواردة في الصحيحين حول النهي عن قول «نسيت آية كذا» والاستحباب قول «أُنسيتها» أو «أسقطتها». مبينًا أن النهي يعود إلى تجنب الإشعار بالتفريط في تعاهد القرآن مع تفصيل في أسبابه.
يتناول المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن آية أُسقطت عليه، ويناقش الألفاظ الواردة في الرواية مبيناً أنها لا كراهة فيها. ويرجح قول الإمام النووي في ذلك مختتماً بالدعاء بالاتفاق على الحق.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ما بعد: نجع هذا الفصل. قال رحمه الله: «وأما من كان ليس من أهله لكونه غير جامع لأدواته فحرام عليه التفسير، لكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهله». ثم المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح أقسام. نعم، رؤية النهي عن تفسير القرآن بالرأي من حديث ابن عباس مرفوعًا: «من قال في القرآن بغير علم» وفي لفظ: «برأيه فليتبوأ مقعده من النار». وهو حديث رواه أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم، وهو ضعيف. وهكذا حديث جندب بن عبد الله مرفوعًا: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ». رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، وهو أيضًا ضعيف. قال: «ثم المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح أقسام. منهم من يحتج بآية على تصحيح مذهبه وتقوية خاطره، مع أنه لا يغلب على ظنه أن ذلك هو المراد بالآية، وإنما يقصد الظهور على خصمه». يعني: يكون له شيء من الرأي، فيؤول القرآن على وفق هذا الرأي وهذا المذهب الذي هو عليه لينصر به قوله أو مذهبه. قالوا: «ومنهم من يقصد الدعوة إلى خير، ويحتج بآية من غير أن يظهر له دليل لما قاله». نعم، هذا أيضًا كذلك يتكلف، ولا يرجع إلى كلام أهل العلم والتفسير، ولا يرجع إلى قواعد اللغة. يريد أن ينصر حقًا، ولكن ليس في الآية دليل على هذا الحق الذي يريد أن يثبته بهذه الآية القرآنية. والسلف، مع كثرة علمهم وغزارته، كانوا أبعد الناس عن الخوض فيما لا علم لهم به. قال رحمه الله: «ومنهم من يفسر ألفاظه العربية من غير وقوف على معانيها عند أهلها، وهي مما لا تؤخذ إلا بالسماع من أهل العربية وأهل التفسير، كبيان معنى اللفظة وإعرابها، وما فيها من الحذف والاختصار والإضمار، والحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والإجمال والبيان، والتقديم والتأخير، وغير ذلك مما هو خلاف الظاهر». «منهم من يفسر ألفاظًا... من يفسر ألفاظه الغريبة». إذن عندي خطأ، يقول الأخ في نسخة: «منهم من يفسر ألفاظه الغريبة». نعم، هذا الذي يدل عليه السياق. قال: «ولا يكفي في ذلك معرفة العربية وحدها، بل لا بد معها من معرفة ما قاله أهل التفسير فيها». يعني: لا يكفي... الذي يفسر باللغة العربية، يعني يشترط أن لا يخرج بتفسيره عن أقوال أهل التفسير. وهذا تقدم. قال: «فقد يكونون مجمعين على ترك الظاهر، أو على إرادة الخصوص أو الإضمار، أو غير ذلك مما هو خلاف الظاهر». فيه الاعتماد والاعتداد بقول السلف. وهذا جيد من المصنف رحمه الله: أنه إن كان له وجه في اللغة العربية، لكن لا يكفي بالرجوع إلى اللغة العربية حتى ينظر ما عليه أهل التفسير من السلف ومن جاء بعدهم. قال: «فقد يكونون مجمعين على ترك الظاهر، أو إرادة الخصوص، أو الإضمار، أو غير ذلك مما هو خلاف الظاهر». وكما إذا كان اللفظ مشتركًا بين معاني، فعلم في موضع أن المراد أحد المعاني، ثم فسر كل ما جاء به بهذا، فهذا كله تفسير بالرأي وهو حرام. نعم، اشترط في المفسر أن يكون سليم العقيدة. أن يكون سليم العقيدة، وإلا من كان متخبطًا في عقيدته فإنه يجره هواه، ويقع في التكلف والتحريف لكلام الله سبحانه وتعالى نصرة لرأيه وهواه وبدعته. ولا بد أيضًا أن يكون صحيح المقصد والنية، وأن يكون سالمًا من الهوى، وأن يكون متحريًا، ويعتمد على ما صح من أقوال المفسرين. قال رحمه الله: «فصل: يحرم المراء في القرآن والجدال فيه بغير حق». ومن ذلك: أن يظهر له دلالة الآية على شيء يخالف مذهبه، ويحتمل احتمالًا ضعيفًا موافقة مذهبه، فيحملها على مذهبه، ويناظر على ذلك مع ظهورها له في خلاف ما يقول. وأما من لا يظهر له ذلك فهو معذور. قالوا: «قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: المراء في القرآن كفر». الحاشية: أخرجه أحمد، هو حديث صحيح. قالوا: «قد صح، وقال الخطابي: المراء بالمراء الشك، وقيل: الجدال المشكك فيه، وقيل: هو الجدال الذي يفعل أهل الأهواء في آيات القدر ونحوها». يعني: المقصود بالمراء ضرب آيات القرآن بعضها ببعض. ضرب آيات القرآن بعضها ببعض، فهو يوهم الاختلاف والتضاد بين آيات كتاب الله سبحانه وتعالى. والقرآن الكريم من عند الله عز وجل وهو القائل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، ويقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. فالقرآن سالم من أي تضاد، لا يمكن الجمع بين هذا الاختلاف في الظاهر. فالذي يعمد إلى أن يجادل في القرآن بالجهل أو بالهوى، ويضرب آيات القرآن بعضها ببعض، فهذا مراء في القرآن. ولهذا الواجب هو أن تعاد الآيات التي فيها شيء من الاشتباه إلى الآيات المحكمات، وهذه طريقة أهل العلم والراسخين. ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]. فمن رد المتشابِه إلى المحكم اهتدى، ومن رد المحكم إلى المتشابه ضل وغوى. والواجب على من حضر هذه المجالس التي يجادل فيها بالقرآن بغير علم، وتضرب آياته بعضها ببعض، ويخاض فيها بالاختلاف والتنازع، أن يقوم وأن يبادر بالانصراف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن ما ألفت قلوبكم، فإذا اختلفت فقوموا». حديث جندب بن عبد الله: «اقرؤوا القرآن ما ألفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا». فهذا لا يجوز أن يُظهر القرآن أو أن يُظهر القرآن على أنه مختلف ومتضارب، آياته بعضها ببعض، وهو سالم من هذا كله، لأنه تنزيل من حكيم حميد، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]. قال رحمه الله: «فصل: وينبغي لمن أراد السؤال عن تقديم آية على آية في المصحف، أو مناسبة هذه الآية في هذا الموضع، ونحو ذلك، أن يقول: ما الحكمة في كذا؟». هذا أدب لم يذكر فيه آثارًا. يعني: يقول: لا تقول: ما هو السر؟ ما هو السبب؟ لكن قل: ما هو الحكمة في كذا؟ قال: «فصل: يكره أن يقول: نسيت آية كذا، بل يقول: أُنسيتها بصيغة البناء للمجهول، أو أسقطتها بالبناء للفاعل». لا تقول: أسقطتها... لا، أسقطتها الأول بالبناء للمجهول، بل يقول: أُنسيتها، والثاني يقول: أسقطتها بالبناء للفاعل. قال: «القِثمة في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقول أحدكم: نسيت آية كذا وكذا، بل هو نِسيَ، نِسيَ بتثقيل السين، بتثقيل السين، بل هو نِسيَ، نِسيَ، ليس نِسيَ، لا بتثقيل السين، لا بتخفيفها». قال: «وهذا الحديث... يعني هو في مسلم». قالوا: «في رواية في الصحيحين أيضًا: بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نِسيَ كيت وكيت». يعبر به عن الجمل الكثيرة والحديث الطويل. فقوله: «نسيت آية كيت وكيت» أي: آية كذا وكذا. قالوا: «ثبت في الصحيحين أيضًا عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقرأ، فقال: رحمه الله، لقد أذكرني آية كنت أسقطها بالفتح، بالبناء للفاعل». خطى: نقول: أسقطها عندنا مشكولة بالضم. قالوا: «في رواية في الصحيح: كنت أُنسيتها». بالنسبة للنسيان: أُنسيتها بالبناء على المجهول. نعم. الحاصل: أن من الأدب أنه إذا نسي آية لا يقول: نسيت آية كذا وكذا، ولكن يقول: أُنسيتها، أو نُسيت، أو يقول: أسقطتها. هذا هو الأدب. ويكره في راه التنزيه أن يقول: نسيت، أو نسيتها، في ماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى هو مقدر الأمور كلها، فهو الذي قدر عليه أن ينسى. ولعل السبب كما ذكر العلماء في النهي عن هذه الكلمة: أن فيها إشارة إلى التفريط والتساهل، وهو منشأ النسيان، ترك تعاهد القرآن، فأدى إلى أن ينسى، فلا يجاهر بتفريطه وإهماله الذي أدى إلى حصول النسيان. وإلا في الغالب أن الإنسان لو تعاهد القرآن أنه يسلم، هكذا قال أهل العلم. لهذا يفصل بعضهم بين أن يكون السبب الذي أدى إلى نسيانه لبعض آيات القرآن: إذا كان السبب دينيًا كاشتغاله بالجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، فله أن يقول: نسيته، لأنه لا يلحقه الذنب إذا شغل بالجهاد في سبيل الله أو بأمر مهم للمسلمين. فهنا لا بأس أن يقول: نسيته، لأنه لا يلحقه الذنب. لكن لو كان سبب الانشغال هو أمر من أمور الدنيا، فيكره له أن يقول: نسيته، ولكن يقول: أُنسيتها، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: 126]. فهو يعني يجاهر بتفريطه وإهماله، وكان هذا سببًا في حصول النسيان. فعلى كل: هذا أدب، يعني من الأداب أنك إذا نسيت لا تقول: نسيته، ولكن قل: أُنسيته، أو نُسيت بالبناء على المجهول، أو تقول: أسقطت بالبناء للفاعل في كلمة أسقط. قال رحمه الله: «وأما ما رواه ابن أبي داود عن أبي عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل أنه قال: لا تقول: أسقطت آية كذا، بل قل: أغفلت، فهو خلاف ما ثبت في هذا الحديث الصحيح، والاعتماد على الحديث وهو جواز: أسقطت، وعدم الكراهية فيه». رحم الله الإمام النووي، كان يعني حقيقة ينصر الحديث في مواطن كثيرة، في مواطن كثيرة. من قرأ في كتابه النافع المفيد شرح مسلم، أو في كتابه العظيم المجموع شرح المهذب، يجد أنه منصف، يجد أنه منصف، يرجح ما رجحه الدليل، بل قد يقسو في العبارة على من خالف الدليل، ويقول: هذا قول باطل، وهذا منابذ، وهذا كذا، مع أن له بعض التخريجات. فلذا رفعهم الله سبحانه وتعالى، كانوا حريصين على نصرة حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يدور مع الدليل حيث دار. حتى إنه لا يخالف المذهب الذي ينتسب إليه وهو مذهب الشافعية، فكثيرًا ما يقول: وقال أصحابنا كذا، ولكن هناك رواية أو هناك قول لفلان وفلان وهو قوي، وهو الذي يرجح الدليل، وهو ظاهر الحديث. فرحمة الله على الإمام النووي. فانظروا هنا: يدفع أثرًا أن هذا أبا عبد الرحمن السلمي، أن هذا أبا عبد الرحمن السلمي يقول: لا تقل: أسقطت آية كذا. فالحديث يقول: كنت... نعم، لا تقل... لا تقل آية... نعم، يقول: لا تقل: أسقطت آية كذا. ولكن الحديث فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أذكرني آية كنت أسقطها»، كنت أسقطها. فإما أن يقول: أُنسيتها، أو نُسيت، أو أسقطها، هذا لا كراهة فيه. فهذا القول الذي مال إليه النووي رحمه الله قول الراجح كما هو ظاهر. واتفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.