الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 71، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع قول القاضي عياض إن من استخف بالقرآن أو جحد حرفاً منه أو كذب بخبره فقد كفر بإجماع المسلمين، لأن الإيمان مبني على تعظيم كتاب الله. ويبين وجوب الإيمان بالكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل في أصلها، مع التنبيه على تحريفها، وعدم جواز امتهانها لبقية كلام الله فيها.
يقرر النص أن القرآن محفوظ بالتواتر من الزيادة والنقصان، وأن من تعمد زيادة حرف أو نقصانه فقد كفر بإجماع العلماء. ويستدل بقول ابن عباس ومحمد بن الحنفية أن النبي لم يترك شيئاً خارج المصحف، ويرد بذلك على دعوى الروافض بنقص آيات في حق علي.
يحرم تفسير القرآن بغير علم لقول الله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ويجوز للعلماء المؤهلين الذين يملكون أدوات اللغة والأصول والدليل. وقسم القرآن إلى ما يدرك بالعربية، وما لا يعذر بجهله، وما يعلمه العلماء، وما استأثر الله بعلمه كالمتشابهات.
يبيّن المقطع أن من لا تتوفر فيه أدوات الاجتهاد والتفسير يحرم عليه التفسير المستقل، لكن يجوز له نقل أقوال المعتمدين من أهل العلم. كما يشير إلى أن موضوع التفسير بالرأي سيُستكمل في الدرس القادم.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: قال الإمام الحافظ بالفضل القاضي عياض رحمه الله: «اعلم أن من استخفى بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه أو سدهما أو جحد حرفًا منه أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته وهو عالم بذلك، أو شك في شيء من ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين». فالقرآن كلام الله سبحانه وتعالى، فمن استخفى أو استهزأ بالقرآن أو بشيء منه فهذا يعتبر كفرًا؛ لأن مبنى الإيمان على التعظيم لله ولدينه ولشرعه وللكتاب ولسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن استخفى بشيء أو استهزأ فيكون كافرًا. ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قالوا: أو جحد حرفًا، أو كذب بشيء مما صرح به فيه. مثلا: القرآن ذكر أن هناك من يقال له ذو القرنين، فيقول: لا، هذا غير صحيح، الروايات التاريخية تنفي أن يكون هناك شخص على هذا الاسم، فهذا تكذيب للقرآن. أو كذب أحدًا من الأنبياء، أو حكاية من الحكايات، أو قصة من القصص، فهذا يعتبر تكذيبًا لكلام الله أو كتاب الله سبحانه وتعالى. قالوا كذلك: إن جحد التوراة والإنجيل أو كتب الله المنزل، أو كفر بها، أو سبها، أو استخف بها فهو كافر. فهذا واجب الإيمان بالرسل وبما أنزل الله عز وجل على من أنزل من الرسل من كتاب. فمما أنزل الله تبارك وتعالى التوراة والإنجيل، فوجب على المسلم أن يؤمن بأن التوراة منزلة من عند الله، وأن الإنجيل كذلك منزل من عند الله تبارك وتعالى، فلا يجوز أن يسب التوراة أو الإنجيل أو يستخف بهما أو بأي كتاب أنزل الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن التوراة في أصلها منزلة، وكذلك الإنجيل من الله سبحانه وتعالى، لكن كما هو معلوم بالأدلة أن التوراة قد دخلها من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان بسبب تلاعب علماء أهل الكتاب، فلأجل هذا اختلف العلماء: هل هذه التوراة التي بين أيدينا وهذا الإنجيل هل يقال هذا كلام الله سبحانه وتعالى؟ فمن قال بأنهما حرفا تحريفًا عظيمًا فرع على ذلك جواز امتهان أوراق التوراة والإنجيل. هذه المسألة تقدمت في بعض هذه الدروس ومرت بنا قريبًا في مسائل الجاهلية، وهو أن القولين القويين: هل يعني الكثير قد حرف وبدل أو القليل؟ فهذين قولان قويان، فلأجل هذا لا يجوز امتهان التوراة يعني ككل، وهكذا الإنجيل؛ ففيهما من كلام الله سبحانه وتعالى. أن الله يقول: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾، وهكذا في قصة عبد الله بن السلام في زنا اليهوديين قال: «فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَأْتُوا بِهَا فَنَشَرُوهَا فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ». قالوا: قد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في جميع الأقطار، المكتوب في المصحف الذي بين أيدي المسلمين مما جمعه الدفتان، من أول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، كلام الله تعالى ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نعم، تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل، وتلقاه جبريل عن الله رب العالمين سبحانه وتعالى. قالوا: أن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يجتمع عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع وأجمع عليه أنه ليس في القرآن عامدًا لكل هذا فهو كافر. الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ كتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فكتاب الله سبحانه وتعالى قد حفظه الرب عز وجل، فلا يتطرق إليه زيادة ولا نقصان، فلأجل هذا فمن زاد فيه شيئًا متعمدًا فيعتبر كافرًا، وهكذا من نقص منه شيئًا متعمدًا فيعتبر كافرًا. فالكتاب الذي أنزله الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الكريم قد تلقته الأمة بالتواتر، نقل إلينا بالتواتر، فلأجل هذا فيه رد على الرافضة أو طوائف من الرافضة الذين يزعمون بأن القرآن قد نقص منه الشيء الكثير نظرا لذهاب حملته في حروب الردة، فلأجل نصرة مذهبهم الباطل في الدعوى أن هناك آيات تفيد أن الحق بالخلافة والولاية بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب، وأن الصحابة كتموا هذه الآيات، وهذا قول باطل. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي ويتلقى هذا الوحي الذي يخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم جمهور الصحابة، وفيهم الحفاظ وفيهم العلماء، وهكذا تلقاه التابعون، وهكذا تلقت الأمة جيلًا بعد جيل. ولما دخل عبد العزيز بن رفيع كما في البخاري وغيره وهو وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد: هل ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا غير ما في الدفتين؟ قال: لا. ثم دخل على محمد بن الحنفية وهو محمد بن علي بن أبي طالب، فسأله شداد كذلك: أترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا؟ قال: لا، إلا ما في ما بين الدفتين. فهم أعلم الناس بعلي بن أبي طالب: ابن عباس الحبر البحر وهو ابن عم علي بن أبي طالب، وهكذا محمد بن الحنفية ولده، ولده من خلاص أهل بيته، فلو كان يعلمان شيئًا من القرآن مما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لكانا أولى الناس بالاطلاع عليه ومعرفته. فهذا يدلنا على كذب وفجور وكفر من ادعى ذلك من الروافض: أن القرآن ناقص، وأن هناك آيات أسقطها وكتمها الصحابة في شأن علي بن أبي طالب. كيف يفعل ذلك الصحابة وقد رووا للأمة أحاديث قد يستدل بظاهرها لهذا المذهب الباطل؟ قد يستدل بعضهم بظاهرها لهذا المذهب الباطل كقوله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» وغير ذلك من الظواهر. فالصحابة نقلوا ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، ورووا للأمة الأحاديث، ونقلوا لهم القرآن، يعني القرآن نقل نقلا متواترًا. قال أبو عثمان بن الحداد: «جميع من انتحل التوحيد متفقون على أن الجحد بحرف من القرآن كفر». قالوا: قد اتفق فقهاء بغداد على الستابة ابن شنبوذ المقرأ أحد أئمة المقرئين المتصدرين بها مع ابن مجاهد، يعني قراء العراق. قام ابن مجاهد لقراءته وإقرائه بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف، وعقدوا عليه بالرجوع عنه والتوبة منه، كتبوا فيه سجلًا أشهد فيه على نفسه في مجلس الوزير أبي علي بن مقلة سنة 23 و300. يعني كان يقرأ في المحراب بحروف تخالف ما في المصحف مما ينسب إلى مصحف أبي بن كعب وابن مسعود، فدعي في ذلك واستتابوه وأظهر التوبة. وهذه المسألة تقدمت. قالوا: أفتى أبو محمد ابن أبي بكر في مسألة القراءات في باب القراءات. قالوا: أفتى أبو محمد ابن أبي بكر فيمن قال: «لعن الله معلمك وما علمك»، وقال: أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن، قال: يؤدب القائل. قالوا: أما من لعن المصحف فإنه يقتل. هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله. قال رحمه الله: فصل: ويحرم تفسيره بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه. وأما تفسيره للعلماء فجائز حسن، والإجماع منعقد عليه. فمن كان أهلًا للتفسير جامعًا للأدوات التي يعرف بها معناه، وغلب على ظنه المراد فسره، إن كان مما يدرك بالاجتهاد كالمعاني والأحكام الخفية والجلية والعموم والخصوص والغرائب وغير ذلك، وإن كان مما لا يدرك بالاجتهاد كالأمور التي طريقها النقل وتفسير الألفاظ اللغوية فلا يجزله الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المعتمدين من أهله. نعم، تفسير القرآن بمعنى إظهار معانيه، معرفة معاني القرآن وما يتضمنه القرآن من أحكام ومن آداب ومن مواعظ ومن وعظات، فيقول: يحرم تفسيره بغير علم؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل هو القائل: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، فلا يجوز أن يهجم الإنسان يتكلم فيما يتعلق بالله ودينه وشرعه بالتخرص والظن والجهل، هذا حرام لا يجوز. ومعلوم أن التفسير كما ذكر العلماء وهو في أثر مأثور لكن السند لا يصح إلى ابن عباس: أن القرآن أو تفسير القرآن على كم أنحى... تفسير القرآن على كم... لا، ليس هذا تفسير، أي يعني قسم على أربعة أنحاء: قسم يعلم باللغة العربية، وقسم لا يعذر أحد بجهالته، وقسم يعرفه العلماء، وقسم لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. فمن القرآن ما يدرك باللغة العربية، باللغة العربية يستطيع أن يفهم معاني القرآن. ومن القرآن ما يفهمه كثير من الناس لأنه واضح، ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بتدبر آيات القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، فهذا خطاب للأمة، هذا يدل على أن آيات كثيرة من كتاب الله سبحانه وتعالى يفهمها كثير ممن يتلونها. ومن القرآن ما لا يعرف إلا العلماء. ومن القرآن ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى وهو في الآيات المتشابهات: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فيما يتعلق بالله سبحانه وتعالى وصفاته وعلوم الغيب، الساعة وغير ذلك، فهذه مما استأثر الله سبحانه وتعالى... يعني كنه الذات والصفات، ومتى تقوم الساعة، وكثير من الأمور التي استأثر الله عز وجل بعلمها. فلأجل هذا يقول: أما تفسير العلماء فجائز حسن، الإجماع منعقد عليه، لكن بشرط أن تكون عنده الأهلية، أن تكون عنده الأهلية، قال: جامعًا للأدوات التي يعرف بها معناه، يعني عنده من اللغة العربية النحو والصرف والبلاغة، وعنده من قواعد من الأصول، أصول الفقه التي أيضًا يستعان بها، وعنده من الأدلة التي يستطيع أن يفهم بها كلام الله سبحانه وتعالى. قال: وغلب على ظنه المراد فسره، إن كان مما يدرك بالاجتهاد كالمعاني... إلى قوله: وإن كان مما لا يدرك بالاجتهاد كالأمور التي طريقها النقل وتفسير الألفاظ اللغوية فلا يجز له الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المعتمدين من أهله. يعني من شرط تفسير القرآن باللغة العربية ألا يخرج هذا التفسير عن كلام السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من أئمة المسلمين، لا يذهب يفسر القرآن بما لم يؤثر عن أولئك السلف، فهم أعلم باللغة العربية ممن جاء بعدهم. قالوا: أما من... كلام... وأما من كان... خطأ عندنا... وأما من كلامي صوابه... وأما من كان... قالوا: أما من كان ليس من أهله لكونه غير جامع لأدواته فحرام عليه التفسير، لكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهله. ثم ذكر ما يتعلق بالتفسير بالرأي، ونأخذ إن شاء الله الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر.