الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 97، الدرس السابع والتسعون : (ثم السكوت واجب عما جرى .. وخطؤهم يغفره الوهاب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول فضل الصحابة وموقفهم من الأحداث التي وقعت بينهم، ويبين أن أخطاءهم ليست كأخطاء غيرهم. كما يشير إلى أن الاجتهاد قد يقع حتى في مسائل القتال.
يجب على المسلمين السكوت عما جرى بين الصحابة من فتن، وعدم الخوض فيها، لأنهم إما مجتهدون مثابون أو مخطئون مغفور لهم. الخوض في ذلك من طريقة أهل الأهواء.
يُنبه إلى خطورة وقوع بعض الدعاة في القدح في الصحابة، ويُوضح أن هذا يُنافي عقيدة أهل السنة والجماعة التي تقتضي ذكرهم بالجميل. ويحذر من تربية غير سلفية تؤدي إلى مثل هذه الأخطاء.
يؤكد على أهمية التناصح في مبحث فضل الصحابة كجزء من العقيدة، ويحذر من التساهل فيه لأنه يعتبر خللًا في الاعتقاد. يشير إلى أن كتب الاعتقاد تطرقت لهذا الموضوع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، أهلًا. حافظ -أكرمه الله تعالى- في نسخة أخرى ثمة فصلًا جعله رحمه الله بفضل الصحابة، أضاف بيتين فقال: ثم السكوت واجب عما جرى بينهم من فعل ما قد قدر، وكلهم مجتهد مثاب، وقطعهم يغفره الوهاب. لما ختم الفلام على فضائل الصحابة رضي الله عنهم ورضاهم، كأنه استحضر هذا المبحث وهذه الشبهة التي يثيرها بعض أهل البدع فيما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم ورضاهم من اختلاف، وربما وقع بينهم شيء من القتال، وهم بشر يصيبون ويخطئون، ومع ذلك هم ليسوا كالبشر من جهة الثواب والعقاب. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عمر، إنك لا تدري، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم». ومعناه أن بعض الأعمال الصالحة العظيمة عند الله تكون سببًا لتكفير صغائر الذنوب، بل وربما بعض كبائرها. وإذا كان الحج المبرور يكفر جميع الذنوب والخطايا حتى الكبائر، فكيف لا يمكن أن يكون لفضل الصحبة ما يكفر الذنوب والخطايا ولو كانت كبائر؟ إنه لا مانع من ذلك، وقد سبق دليل ذلك من الكتاب ومن السنة. فمن الكتاب: ﴿رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. فعلم بهذا أن الرضا حصل مع ما يستقبل من أعمال. لهؤلاء ولهذا قال نبيه الإسلام المتيمية رحمه الله في الجواب عما وقع بين الصحابة: أنهم بين ثلاثة أمور؛ إما أن يكونوا مجتهدين، فهم بين الأجر والأجرين، والاجتهاد قد يقع حتى في مسائل التي يكون فيها القتل، فإن ذلك مما قد يقع به الاجتهاد، وهم بين الأجر والأجرين. وإما أن يكونوا قد أخطأوا في بعض ذلك، ولكن عندهم من الأعمال الصالحة ما يكفر عنهم تلك الأخطاء. وإما أن يكون لهم كذلك من السابقة وحسن العمل والصحبة ما يكون سببًا في التجاوز عن مثل ذلك. فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم أخطاؤهم ليست كأخطاء غيرهم، كما أن إحسانهم ليس كإحسان غيرهم. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». فإذا كان كذلك، فكيف يمكن أن يجعل مثل هذا سببًا في قدح صحبتهم والتنقيص من فضلهم؟ بل هذا مما يزاد في حسناتهم الكثيرة، رضي الله عنهم أرضاهم. فكيف إذا تبين بعد ذلك أنه لم يثبت عن أحد من أفاضل الصحابة عمل في شيء من ذلك الذي ينسب إليهم أبدًا؟ فكله من الخطأ. أقصى ما يمكن أن ينسب إليهم خطأ واجتهاد، مثل ما وقع في الجمل وصفين وغيرها من المواقع والوقعات والأحداث التي وقعت، خاصة والعامة بين بعض الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. وقد ذكر ابن الوزير رحمه الله تعالى، وهكذا ابن العربي وجماعة، وقبلهم كذلك من كتب كابن كثير والذهبي، ما يبين أن أكثر ذلك كان من أهل السوء، فهم الذين سعوا في إيجاد الفتنة بين الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، كالسبائية عبد الله بن سبأ اليهودي الذي دخل في الإسلام ليفتن به ومن معه، وكغيرهم الذين سعوا في الفتنة بين الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. فهم أقصى ما يمكن أن يقال: أخطأوا، فيغمر ذلك في جانب حسناتهم الكثيرة. وأما أن يكون ذلك قادحًا في فضلهم ومنزلًا من منزلتهم، فهذا ليس بالصحيح. ولهذا قال: ثم السكوت واجب عما جرى بينهم من فعل ما قد قدر. وكان السلف رضي الله عنهم وأرضاهم يقولون: لا يذكرون إلا بالجميل، أي: لا يذكر الصحابة إلا بالثناء الحسن، لا يذكرون إلا بالجميل من القول، وكذلك من الوصف في أفعالهم رضي الله عنهم أرضاهم. ولا يلزم بما وقعوا فيه، رضي الله عنهم أرضاهم. قال: فكلهم مجتهد مثاب، وخطأهم يغفره الوهاب. يعني: كلهم مجتهد، فإن كانوا كلهم مجتهدين فهم بين الأجر والأجرين. وإما أن يكون أحد منهم أخطأ، فإن كان أحد منهم وقع في الخطأ، فإن هذا الخطأ يكون مما يغفر؛ لأنه قد ثبت أن أعمالًا يعملها سائر المسلمين تكفر الذنوب الخطيرة، فما بالك بالأخطاء التي هي من باب أولى؟ فما بالك بما هو أعظم من ذلك، وهو فضل الصحبة؟ ففضل الصحبة أفضل من الجهاد في سبيل الله، وأفضل من الحج، وأفضل كذلك من الهجرة. فالهجرة لو كانت لأي مسلم لن تساوي الصحبة التي تكون لصاحب النبي عليه الصلاة والسلام، والصحبة لها فضل أعظم. ولكن صارت الهجرة مع الصحبة لها مزية بين الصحابة، لكن الهجرة من غير الصحبة ليست هي مثل الصحبة. فالصحبة شيء وفضل أعظم من أعمال كثيرة. ولا يعني ذلك أنها أوجب من الصلاة والصيام أو من الجهاد والحج، لا، لا نتكلم عن الواجب، لكن نتكلم على الفضل. لأن سائر المسلمين يحجون ويجاهدون ويصلون، ومع ذلك كان للصحابة الفضل الزائد عن جميع ما يعمله المسلمون. فننتبه لهذا. وبهذا نعرف أولًا أنه يجب على كل مسلم السكوت والكف عن الخوض في شيء مما قد جرى بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. وثانيًا: أن ما قد نقل ويثيره بعض أهل الأهواء أو من يتبع أهل الأهواء مما فيه بعض قدح في الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم، فهو بين أحد أمرين كما سبق؛ إما أن يكون من الاجتهاد الذي هم بين الأجر والأجرين، وإما أن يكون من الخطأ الذي يغفر بسابقتهم وحسن أعمالهم، رضي الله عنهم أرضاهم. والأمر الثالث: أنه كذلك يجب أن نعلم أن الخوض في ذلك من طريقة أهل الأهواء وأهل البدع، حتى لو فعل ذلك الإنسان بحسن نية، فهو قد أخطأ ووافق بذلك أهل البدع، ولا يجوز له أن يفعل ذلك. قد يقول قائل: أنت تذكر أن فلانًا تكلم في الصحابة، هل أنت تشك أنه عنده شيء من الرافضة أو الناصبة؟ الجواب: لا، ما نشك أنه عنده شيء من الرافضة أو الناصبة، إذا كنا قد عرفناه بأنه من أهل السنة. لكن عرفنا أنه ضعيف في تمسكه بالسنة؛ لأنه لو كان ذو تمسك صحيح وعقيدة صحيحة، ما يمكن أن تقع منه مثل هذه الزلة في حق الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. ولو أراد خيرًا، ولو أراد بذلك أن يضرب المثل، فإن ضرب الأمثال لا تكون بالصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. ولهذا تجد أن بعض من ينحرف عن طريق السنة، ولو من أبواب أخرى كتحزب أو غير ذلك، قد يقع في هذا الباب. والسبب في ذلك أن هؤلاء عندهم خلل في فهم السنة، وعندهم خلل كذلك في تطبيق عقيدة سلف الأمة. وإلا الذي يتربى تربية سلفية صحيحة كاملة، فإنه لا يمكن أن يجري على لسانه ذكر الصحابة إلا بالجميل والثناء الحسن، ولا يمكن أن يخطر بباله أن يضرب أمثال السوء بالصحابة. فإذا أراد أن يضرب مثلًا للسرقة، يضربه في غير الصحابة، أو يضرب كذلك غير ذلك في غير الصحابة. لا، هذا ما يمكن أن يضرب بهم، بل ينبغي أن يتعلم الإنسان ويعرف أن عقيدة أهل السنة والجماعة أن لا يذكر الصحابة إلا بالجميل والثناء الحسن. فلتحذر أن يكون على لسانك شيء من القدح والثلم في أحد من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم؛ لأن ذلك ينافي عقيدة أهل السنة والجماعة. عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم لا يذكرون إلا بالجميل. وبهذا ننتبه إلى أخطاء يقع فيها كثير من الدعاة والمنتسبين إلى السنة. وما أضر الدعاة في هذا الزمان الذين لم يتربوا التربية الصحيحة، ولم يفهموا العقيدة السلفية الفهم الصحيح، فتجدهم يقوضون في هذا الباب، ما يوقعهم في هذا الخلل. قد يقول قائل: ماذا تتهمهم بأنهم رافضة؟ نقول: لا، ما نتهمهم بأنهم رافضة، لكن نتهمهم أنهم ليسوا على العقيدة السلفية الصحيحة. وربما يوجد بعض منهم من عنده كذلك تساؤل في هذا الباب، حتى أنه يريد أن يقرب بين دعوة أهل السنة ودعوة الرافضة بذكر بعض هذه المعايب والقدح والثلم ببعض الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، تزلقًا وتجملًا لنفسه مع بعض أهل الأهواء. ومن أمثال هؤلاء السويدان الذي جعل في سلسلة في ذكر أحداث الصحابة وسيرتهم، وكان بذلك بالحقيقة القدح فيهم وفي بعضهم على التعيير. ولهذا حذر العلماء من أشرطته ومن كتبه ومؤلفاته. وأناس مثل هؤلاء كثير من الذين لم يتربوا التربية السلفية الصحيحة، فيحصل في ثنايا كلامهم القدح في بعض الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. فمن تكلم على أبي الحسن المصري كذلك، فإنهم ربما قالوا: بعض المتعصبين وبعض من لم يفهم القضية كيف يمكن أن تتهموا مثل هذا الرجل بأنه عندهم مثل هذا؟ هذا هو رافضي. نحن لا نتكلم على رافضي، لكن نتكلم على شيء خالف منهج أهل السنة والجماعة وعقيدة أهل السنة والجماعة. فعقيدة أهل السنة والجماعة أن الصحابة لا يذكرون إلا بالجميل، لا يذكرون إلا بالجميل. فمن قدح فيهم فقد خالف عقيدة أهل السنة والجماعة. وكما أننا نناصح في باب الأسماء والصفات، ونناصح في باب الربوبية والألوهية، فإننا كذلك يجب أن نناصح ونتناصح في باب الصحابة، وضبط ما يتعلق بالصحابة. فهذا مما يجب أن يحصل التناصح فيه، فهو باب ومبحث من مباحث العقيدة التي ذكرت في كتب الاعتقاد، وما ذكرت إلا لأجل أن يسد هذا الباب، ولا يحصل فيه خلل. فالتساهل في هذا يعتبر خللًا في العقيدة في هذا المبحث، في مبحث فضل الصحابة. هذا خلاصة يذكر بهذين البيتين، وبه نكون قد انتهينا من هذا الفصل. وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.