الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 12، الدرس الثاني عشر: (ومن بهم وبالكتاب كذبا ... إلى قوله ... مستوجب للخزي في الدارين). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الناس مع العهدين إما مصدقون يتبعون الرسل والكتب السماوية، أو مكذبون يعرضون عنها ويتكبرون. المصدقون لا يكون عندهم شيء من الشقاء بينما المكذبون مستوجبون للخزي في الدارين.
عدم الالتزام بالدين يعتبر نقضا للعهدين الأول والثاني، ويترتب عليه العذاب ولعنة الله. العهد الأول يتعلق بالفطرة، والثاني بالدين الذي جاء به الرسل.
نقض العهد يرتبط بثلاثة اتجاهات: ما يتعلق بالله، بالعباد، وبالنفس، ويمكن أن يكون نتيجة للشرك أو الكفر أو النفاق. يترتب عليه الخزي في الدارين.
وَمَنْ بِهِمْ وَبِالْكِتَابِ كَذَّبَا وَلَازَمَ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ وَالْإِبَاءَ فَذَاكَ نَاقِضٌ كِلَا الْعَهْدَيْنِ، مُسْتَوْجِبٌ لِلْخِزْيِ بِالدَّارَيْنِ. خَتَمَ الْمُؤَلِفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْمَطْلَعَ مِنْ هَذَا الْقَصِيدِ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ؛ لِيُبَيِّنَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُثَنِّيَ بِأَنَّ النَّاسَ مَعَ الْعَهْدَيْنِ عَلَى صِنْفَيْنِ: الصِّنْفُ الْأَوَّلُ هُمْ الْمُصَدِّقُونَ الَّذِينَ يُتَابِعُونَ، وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الشِّقَاءِ، وَالصِّنْفُ الثَّانِي كُلُّ الَّذِينَ يَقَعُ مِنْهُمْ هَذَا الْإِعْرَاضُ وَالْإِبَاءُ وَالتَّكْذِيبُ. فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَنْ بِهِمْ وَبِالْكِتَابِ كَذَّبَا، وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ بِهِمْ أَيْ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَنْ بِهِمْ وَبِالْكِتَابِ كَذَّبَا، وَالْمُرَادُ الْكِتَابُ جِنْسُ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ عَلَى الرُّسُلِ الَّذِي يُدْعَى بِكُلِّ أُمَّةٍ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ مَعَهُ الْكِتَابُ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْكِتَابُ مِنْ الرُّسُلِ، فَمَنْ كَذَّبَ بِرَسُولِهِ وَبِالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ الْحُكْمُ الَّذِي سَيَأْتِيهِ. وَمَنْ بِهِمْ وَبِالْكِتَابِ كَذَّبَا وَلَازَمَ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ وَالْإِبَاءَ، وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَازَمَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحُكْمَ الْآتِيَ يَكُونُ لِمَنْ لَازَمَ هَذَا الْوَصْفَ أَيْ التَّكْذِيبَ وَالْإِعْرَاضَ وَالْإِبَاءَ، وَمَعْنَا الْإِبَاءَ أَيْ الرَّغْبَ وَالتَّكَبُّرَ وَكَذَلِكَ التَّجَبُّرَ مَعَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَازَمَ الْإِعْرَاضَ وَالْإِبَاءَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا، وَفِيهِ ثَلَاثُ فَوَائِدَ: حُجَّتُهُمْ، وَكَلَامُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَالْحُجَّةُ الَّتِي فِيهِ، ثُمَّ كَذَّبَ بِذَلِكَ وَأَعْرَضَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ الْإِبَاءُ وَهُوَ التَّرَفُّعُ وَالرُّقِيُّ وَعَدَمُ الِانْتِهَابِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ ذَاتُ الْحُكْمِ. وَالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ ذَاتَ الْحُكْمِ لِمَنْ لَازَمَ هَذَا الْوَصْفَ حَتَّى مَاتَ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُلَازِمْ ذَاتَ الْحُكْمِ بَلْ تَابَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنْ النُّصُوصِ الْأُخْرَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا يَتُوبُ عَلَيْهِ، وَالْأَدِلَّةُ بِهَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ. كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا قَالَ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْبَةَ تُجُبُّ مَا قَبْلَهَا. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ»، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالِاسْتِقَامَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَالتَّوْحِيدُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ. وَالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ بِقَوْلِهِ وَلَازَمَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُلَازِمْ فَلَا يَكُونُ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ. وَهَلْ يَقُولُ لَهُ الْعَكْسُ؟ سَكَتَ الْمُؤَلِفُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ، وَهَذَا عُلِمَ مِنْ الْأَبْيَاتِ الَّتِي قَبْلُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ مُبَيِّنًا أَنَّ الْاتِّبَاعَ الصَّحِيحَ هُوَ الْاتِّبَاعُ الَّذِي لَا يَكُونُ فِيهِ شِقَاءٌ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ شِقَاءٌ فَهُوَ غَيْرُ مُلَازِمٍ لَا مُلَازِمٍ لِلِاتِّبَاعِ وَلَا مُلَازِمٍ لِلرُّشْدِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُعَذَّبُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَذَابٌ، وَيُعَذَّبُ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَبِقَدْرِ مَا يَكُونُ مِنْهُ مِنْ الْإِعْرَاضِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَبِقَدْرِ مَا يَكُونُ مِنْهُ مِنْ الْإِبَاءِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُلَازِمًا وَهُوَ مَعَ هَذَا مَا مَرَّ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ. وَبِقَوْلِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَذَاكَ نَاقِضٌ فِي الْعَهْدَيْنِ، وَوَجْهُ النَّقْضِ لِلْعَهْدَيْنِ أَنَّهُ بِتَكْذِيبِهِ هَذَا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَا جَاءَ بِهِ وَالْكِتَابِ وَمَا كَانَ فِيهِ، فَإِنَّهُ نَقْضُ الْعَهْدِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُقِرُّ بِالْأُلُوهِيَةِ لِلَّهِ جَلَّ بَعْدَهُ، وَمُقْتَضَى الْإِقْرَارِ بِالْأُلُوهِيَةِ يَتَضَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مُجِيبًا لِكُلِّ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ سُبْحَانَهُ. وَقُلْنَا أَنَّ الْعَهْدَ الْأَوَّلَ هُوَ بِمَعْنَى الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّاسَ عَلَيْهَا. وَأَمَّا الْعَهْدُ الثَّانِي فَهُوَ دِينُهُ جَلَّ وَعَلَا الَّذِي جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَنْزَلَ بِهِ الْكُتُبَ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنِي آدَمَ. وَمَرَّ مَعَنَا قَرِيبًا أَنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنِي آدَمَ يَتَمَثَّلُ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ. فَمَا هِيَ؟ يَحْمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ لِلْعَهْدِ فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ وَثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ وَثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ وَثَلَاثَةِ جِهَاتٍ، كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. قُلْنَا أَنَّ الْمُفَسِّرَ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ أَوْ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنْ هَذَا النَّفَرِ، مِثْلُ: جَنُوبِ الْمُعَاصِرِ. هَذَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ، الثَّانِي: مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مِنْ التَّوْحِيدِ وَاللُّزُومِ بِهِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. الثَّالِثُ: مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ مِنْ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَةِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْمُسْتَحَقَّاتِ. فَصَارَ نَقْضُ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ يَكُونُ بِثَلَاثِ جِهَاتٍ، وَكُلُّهُمْ فِيمَا جَاءَ فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. الْأَوَّلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَنْقُضُ الْعَهْدَ لِذَلِكَ مِنْ تَوْحِيدِهِ جَلَّ وَعَلَا بِعِبَادَتِهِ. وَالْأَمْرُ الثَّانِي بِمَا يَتَعَلَّقُ بِعِبَادِ اللَّهِ مِنْ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ. وَالثَّالِثُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَالتَّبَاعِيرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ. قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَذَاكَ نَاقِضٌ فِي الْعَهْدَيْنِ مُسْتَوْجِبٌ لِلْخِزْيِ بِالدَّارَيْنِ. وَقَوْلُهُ مُسْتَوْجِبٌ لِلْخِزْيِ بِالدَّارَيْنِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ بِحَقِّ غَيْرِ الدَّافِعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَلِفَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ وَلَازَمَ، فَأَرَادَ بِهِ ثَلَاثَةَ الْأَصْنَافِ: الْمُشْرِكَ وَالْكَافِرَ وَالْمُنَافِقَ. هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِمْ الْخِزْيُ بِالدُّنْيَا وَبِالْآخِرَةِ، وَهُمُ الدَّارَيْنِ. وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْفَاسِقُ أَوْ الْفَاجِرُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. شَمِلَتْ الْخِزْيَ فِي الدَّارَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، فَالضَّنْكُ فِي الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ الْخِزْيُ يَكُونُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ فِي الْآيَةِ الَّتِي سَمِعْنَاهَا بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ أَيْ بِالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أَيْ بِالْآخِرَةِ بِمَا يَقْضِي إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ. وَخُلَاصَةُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ أَنَّهُ أَرَادَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يَذْكُرَ عَاقِبَةَ نَقْضِ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنِي آدَمَ، وَالَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَشَرْعِهِ وَهُوَ الْعَهْدُ الثَّانِي.