الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 79، الدرس التاسع والسبعون:من(وقوله:عجب ربنا من قنوط عباده وقرب خيره ...يقال أزل الرجل يأزل أزلا من باب فرح أي:صار في ضيق وجدب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ ابن بريك حديث عجب ربنا من قنوط عباده ويبين ضعف سنده مع صحة معناه وتأكيده بأحاديث أخرى.
يثبت المقطع صفة العجب لله تعالى من خلال الأحاديث النبوية الصحيحة ويشرح معنى العجب الإلهي.
يفسر المقطع معنى العجب في سياق الإيمان بالله ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتأكيده.
يشرح المقطع معنى أزلين قنطين ويبين أهمية حسن الظن بالله والتوكل عليه لتحقيق العبودية له.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال وقوله «عجب ربنا من قنوط عباده وقربه خيره» أو «خيره»، وجاء ببعض النسخ «وقربي غيره»، قال: «ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب». قال: «حديث حسن»، والصحيح أن الحديث لم يصح، فقد جاء من طرق: جاء من حديث أبي رزين العقيلي، وفيه وكيع بن حدس، ويقال: عدس، وهو مجهول. وجاء من حديث لقيط، وفيه عبد الرحمن بن عياش السمعي، وهو مقبول، كذلك مجهول، ودلهم بن الأسود، وأبو الأسود بن عبد الله العقيلي، وهؤلاء جميعًا مجاهيل. وقد وثقهم ابن حبان، وانفرد بذلك، وليس توثيقه بانفراده مما يعتمد عليه. وجاء معناه من حديث عائشة، وفيه متروك، وهو خارج بن مصعب، وآخر ضعيف، وهو سلم بن سالم البلخي. وقد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله بمجموع طرقه، كما ذكره في «الصحيحة» حديث 2810. وكما ترى فيما يظهر أنه إلى الضعف أقرب، لكن معناه صحيح، وتحسين شيخ الإسلام له وجه، فقد حسنه غيره. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «عجب ربنا» إلى آخره، قال: هذا الحديث يثبت لله عز وجل صفة العجب، وصفة العجب ثابتة بالكتاب وبالسنة، كما سيأتي؛ فإنه ثبت لفظها ومعناها بالكتاب وبالسنة. قال: وفي معناه قوله عليه الصلاة والسلام: «عاجب ربك من شاب ليس له صبوة». والحديث -كما أشار المعلق- رواه أحمد وغيره، وهو ضعيف؛ جاء من حديث عقبة بن عامر، ولكنه ضعيف. ذكر ابن أبي حاتم في «العلل» أنه سأل أباه عن الحديث، فقال: «إنما هو موقوف»، فرجح الموقوف. ولكن هناك أحاديث أخرى صحيحة تغني عن هذا، فيها معنى إثبات العجب لله عز وجل، من ذلك ما في الصحيح وتقدم في حديث أبي هريرة وغيره: «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل». وهكذا ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «فقد عجب الله من فلان وفلانة» -يعني أبا طلحة وأم طلحة-، وفي رواية أخرى: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة» -يعني أبا أيوب وامرأته-، وكلها في الصحيحين. وهكذا كذلك ما ثبت في مسند الإمام أحمد، وعند أبي داود والنسائي، بإسناد صحيح من حديث عقبة بن عامر، وصححه الشيخ العلامة الألباني في «الصحيحة» مجلد الأول، قال عليه الصلاة والسلام: «يعجب ربك من راع غنم في رأس شظية بجبل يؤذن للصلاة ويصلي»، فيقول الله عز وجل: «انظروا إلى عبدي، انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة». ففيه كذلك إثبات العجب لله عز وجل. قال الشارح رحمه الله: وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم «بل عجبت ويسخرون» بضم التاء، على أنها ضمير للرب جل شأنه، وهي قراءة سبعية؛ قرأ بها حمزة والكسائي وخلف. وقرأ «بل عجبت ويسخرون»، وكل القراءتين قراءة سبعية ثابتة. وقد صح أنه قرأ بها كذلك علي وابن عباس وجماعة من الصحابة، كما ذكره البيهقي رحمه الله في حديث تسعمائة واثنين وتسعين. قال رحمه الله: «وليس عجبه سبحانه ناشئًا عن خفاء في الأسباب أو جهل بحقائق الأمور كما هو الحال في عجب المخلوقين، بل هو معنى يحدث له سبحانه على مقتضى مشيئته وحكمته وعند وجود مقتضيه، وهو الشيء الذي يستحق أن يتعجب منه. وهذا العجب الذي وصف به الرسول ربه هنا من آثار رحمته، وهو من كماله تعالى. فإذا تأخر الغيث عن العباد مع فقرهم وشدة حاجتهم واستولى عليهم اليأس والقنوط، وصار نظرهم قاصرًا على الأسباب الظاهرة، وحسبوا ألا يكون وراءها فرج من القريب المجيب، فيعجب الله منهم. وهذا محل عجيب حقًا؛ إذ كيف يقنطون ورحمته وسعت كل شيء، والأسباب لحصولها قد توفرت؛ فإن حاجة العباد وضرورتهم من أسباب رحمته، وكذا الدعاء بحصول الغيث والرجاء في الله من أسبابها. وقد جرت عادته سبحانه في خلقه أن الفرج مع الكرب، وأن اليسر مع العسر، وأن الشدة لا تدوم. فإذا انضم إلى ذلك قوة التجاء وطمع في فضل الله وتضرع إليه ودعاء، فتح الله عليهم من خزائن رحمته ما لا يخطر على البال. وهذا كله بيان المعنى القريب للعجب؛ فهو على حقيقته التي تليق بجلال الله وعظمته، وليس هي أي هذه الصفة الرحمة ولا المغفرة ولا الإحسان، بل هو لفظ يختلف عن معنى المغفرة والرحمة والإحسان. ولو كان المعنى المراد غير العجب لدل ولو في موضع واحد من الكتاب أو من السنة أن المراد غيره، وليس كذلك، بل كل المواضع التي فيها إثبات هذه الصفة جاءت، وليس فيها ما يشعر -لا من قريب ولا من بعيد- لا بلفظ ولا بمعنى أن هذا اللفظ غير مراد على ظاهره، كما زعم المعطلة من جهمية ومعتزلة وكلابية وأشاعرة وما تريدية. فوجب عند ذلك أن تمر كما جاءت، وتثبت إثبات وجود على ما يليق بجلال الله وعظمته سبحانه؛ فقد ثبتت في القرآن كما سمعناه، في السنة، بل وفي مواضع في القرآن، في الآية التي سمعناها، وهكذا في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾، قال العلماء: «فإذا قال فعجب قولهم، فأول من يعجب هو المتكلم، وهو الله سبحانه، وهو الذي وصف هذا الكلام بأنه عجب، فعجب قولهم، فعلم بأنه مما يثبت له على ما يليق بجلاله وعظمته». قال: «والقنوط مصدر قنط، وهو اليأس من رحمة الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطْ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾، وهذا ظاهر». قال: قوله «وقرب خيره»، وقلنا في الرواية الأخرى «غيره»، يعني تغير الحال، وخيره يعني الخير، قال: أي فضله ورحمته. وقد روي «غيره»، والغير اسم من قولك غير الشيء، فتغير، فيكون معنى غيره أي تغير الحال. قال: وفي حديث الاستسقاء «من يكفر بالله يلقى الغير» أي تغير الحال وانتقالها، وانتقالها من الصلاح إلى الفساد. وهذا الذي ذكره رحمه الله تعالى -أي الحديث- قال المعلق: لم يجده، وجاء معنى عند البيهقي بإسناد غير صحيح، ولكن ليس بهذا اللفظ. وذكر بعض معناه ابن الأثير في «الجامع»، فالمهم ليس له أصل مسند صحيح. قال: قوله «أزلين قنطين» حالان من الضمير المجرور في إليكم، وأزلين جمع أزل، اسم فاعل من الأزل بمعنى الشدة والضيق، يقال: أزل الرجل يأزل أزلًا من باب فرح، أي صار في ضيق وجد. والمعنى أن الإنسان ينبغي أن يحسن الظن بربه، وهكذا يكون عظيم التوكل والثقة به سبحانه وتعالى، فإذا كان كذلك فإنه حقق العبودية لله عز وجل. وبهذا نكتفي، والله تعالى أعلم.