الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 87، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ ابن تيمية استدلال بعض الناس بآية في سورة البقرة على تساوي الأديان، ويرد على هذا الاستدلال. يفسر الآية ويبين أن المقصود بالإيمان هو الإيمان قبل النسخ والتبديل.
يوضح أن المراد بمدح أهل الكتاب في القرآن هو من كان على الحق قبل نزول الرسول محمد، وأما بعد نزوله فلا يعتبر أحد منهم على الحق إلا بالإيمان به. يشرح أن بعد مبعث النبي، الإيمان بالله واليوم الآخر يتطلب الإيمان بمحمد.
الآية الكريمة تشير إلى أن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه من القرآن ابتغاء الفتنة، بينما الراسخون في العلم يؤمنون بكل ما جاء في القرآن. يُظهر أن فهم المراد من الآيات يحتاج إلى رسوخ في العلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: فصل. قالوا: وقال في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قال: فساوى بهذا القول بين سائر الناس: اليهود والمسلمين وغيرهم. والجواب أن يقال أولًا: لا حجة لكم في هذه الآية على مطلوبكم؛ فإنه يسوي بينكم وبين اليهود والصابئين، وأنتم مع المسلمين متفقون على أن اليهود كفار من حين بعث المسيح إليهم فكذبوه، وكذلك الصابئون من حين بعث إليهم رسول فكذبوه، وهم كفار. فإن كان في الآية مدح لدينكم الذي أنتم عليه بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ففيه مدح دين اليهود أيضًا، وهذا باطل عندكم وعند المسلمين. فإذا كان كذلك، إذن علم أنهم يجادلون بالباطل، وإلا فهم أعرف الناس أن أهل الإسلام يكفرون اليهود، وأن أدلة القرآن، فضلًا عن السنة، تكفر اليهود. فصار استدلالهم بذلك من المخاصمة بالباطل. قال: يعني أنهم يستدلون أن اليهود والنصارى والصابئين وأهل الإسلام سوَّى بينهم القرآن، وهذا ليس بصحيح. أدنى نصراني، فضلًا عن مسلم، فضلًا عن من يدعي العلم، يعرف أن هذا الكلام باطل. قال: وإن لم يكن فيها مدح يهود بعد النسخ والتبديل، فليس فيها مدح لدين النصارى بعد النسخ والتبديل. وكذلك يقال لليهود: إن احتج بها على صحة دينه، أي أنه ليس فيها دليل. وأيضًا فإن النصارى يكفرون اليهود. فإن كان دينهم حقًا لزم كفر اليهود، وإن كان باطلًا لزم بطلان دينهم. فلابد من بطلان أحد الدينين، فيمتنع أن تكون الآية مدحتهما، وقد سوت بينهما. وهذا ظاهر؛ يعني كيف أنتم تكفرون اليهود وتزعمون أن القرآن سوَّى بينكم وبين اليهود؟ إذن إما سوَّى بينكم في المدح، فهم ليسوا بكفار، وهذا لا يقوله النصارى فضلًا عن المسلمين. وإن ما سوَّى بينكم في الذم، فأنتم جميعًا كفار، وهذا هو المقصود. قال: فعلم أن الآية لم تمدح واحدًا منهما بعد النسخ والتبديل، وإنما معنى الآية: أن المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، والذين هادوا الذين اتبعوا موسى عليه السلام، وهم الذين كانوا على شرعه قبل النسخ والتبديل؛ يعني من اليهود والنصارى الذين اتبعوا المسيح عليه السلام، وهم الذين كانوا على شريعته قبل النسخ والتبديل، والصابئين، وهم الصابئون الحنفاء كالذين كانوا من العرب وغيرهم على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق قبل التبديل والنسخ. فإن العرب من ولد إسماعيل وغيرهم، الذين كانوا جيران البيت العتيق الذي بناه إبراهيم وإسماعيل، كانوا حنفاء على ملة إبراهيم إلى أن غير دينه بعض ولاة خزاعة، وهو عمرو بن لحي، وهو أول من غير دين إبراهيم بالشرك وتحريم ما لم يحرمه الله. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه -أي معه- في النار»، وهو أول من بحر البحيرة وسيب السوائب وغير دين إبراهيم. وذلك لأنه استحسن بعض شرك المشركين في بلاد الشام، فجلب الأصنام إلى مكة. قال: وكذلك بن إسحاق: الذين كانوا قبل مبعث موسى متمسكين بدين إبراهيم كانوا من السعداء المحمودين. فهؤلاء الذين كانوا على دين موسى والمسيح وإبراهيم ونحوهم، هم الذين مدحهم الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فإذن المراد ليس مدح اليهود عمومًا والنصارى عمومًا والصابئين عمومًا، وإنما من كان على الحق منهم وقبل نزول محمد عليه الصلاة والسلام. وأما بعد نزوله، فلا يكون على الحق أحد منهم حتى يؤمن به عليه الصلاة والسلام. قال: فأهل الكتاب بعد النسخ والتبديل ليسوا ممن آمن بالله ولا باليوم الآخر وعمل صالحًا، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. والمعنى: بعد مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، ليس أحد مؤمنًا بالله واليوم الآخر إلا أن يؤمن به عليه الصلاة والسلام. فإن لم يؤمن به، فإيمانه يبطل، وما عنده من خير يذهب ويكسد. قال: وقد تقدم أنه كفر أهل الكتاب الذين بدلوا دين موسى والمسيح وكذبوا بالمسيح أو بمحمد. فاليهود كفروا بالتحريف والتبديل ولكفرهم بشريعة ورسالة عيسى عليه الصلاة والسلام. ومثلهم النصارى؛ كما أن النصارى كفروا اليهود بسبب عدم إيمانهم بعيسى، فكذلك النصارى يكفرون بسبب عدم إيمانهم بمحمد عليه الصلاة والسلام -أو عليهم الصلاة والسلام جميعًا-. قال: وكذبوا بالمسيح أو بمحمد صلى الله عليه وسلم في غير موضع، وتلك آيات صريحة ونصوص كثيرة، وهذا متواتر معلوم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن هؤلاء النصارى سلفوا في القرآن ما سلكوه في التوراة والإنجيل؛ يدعون النصوص المحكمة الصريحة البينة الواضحة التي لا تحتمل إلا معنى واحدًا، ويتمسكون بالمتشابه المحتمل. وهذا حال أهل الأهواء؛ من يريد الباطل فهكذا يفعل. قال: وإن كان فيه ما يدل على خلاف مرادهم، كما قال تعالى فيهم وفي أمثالهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.