الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 119، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن تيمية اهتداء النصارى بالمسيح واتباع المسلمين لجميع الأنبياء والكتب السماوية. يُبين أن المسلمين يؤمنون بجميع الأنبياء ويقرون بأن من اتبع دين المسيح دون تغيير فقد اهتدى.
يناقش النص تحليل وتفسير الآيات الدينية ومقارنة التوراة والإنجيل بالقرآن الكريم. يشكك في دلالة بعض الآيات على ألوهية المسيح ويشرح معاني بعض الآيات القرآنية مثل قسم الله بالتين والزيتون.
يرد المقطع على شبهات النصارى حول ألوهية المسيح ويحذر من الغلو في التعبير والتقديس المبالغ فيه لأتباع المسيح. يشير إلى أهمية التمييز بين ما هو من عند الله وما هو من عند الناس.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام رحمه الله: فصل. قالوا: وقال عموس النبي: ستشرق الشمس على الأرض ويهتدي بها الظالون ويظل عنها بنو إسرائيل. قالوا: فالشمس هو السيد المسيح، والضالون الذين اهتدوا به هم النصارى، مختلفة ألسنتهم، الذين كانوا من قبله عابدين الأصنام وضالين عن معرفة الله. فلما أتوهم التلاميذ وأنذروهم بما أوصاهم السيد المسيح، فتركوا عبادة الأصنام واهتدوا باتباعهم السيد المسيح. فيقال: هذا مما لا ينازع فيه المسلمون، وإنما ينازع في مثل هذا وأمثاله اليهود المكذبون للمسيح عليه السلام، كما ينازع كفار أهل الكتاب محمدًا صلى الله عليه وسلم. وأما المسلمون فيؤمنون بجميع كتب الله ورسله، وأن المسيح عليه الصلاة والسلام أشرق نوره على الأرض، كما أشرق قبله نور موسى عليه الصلاة والسلام، وأشرق بعده نور محمد صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾، فسماه الله سراجًا منيرًا، وسم الشمس سراجًا وهاجًا. والسراج المنير أكمل من السراج الوهاج، فإن الوهاج له حرارة تؤذي، والمنير يهتدي بنوره من غير أذى بوهجه. قال: وقال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. والمسلمون مقرون بأن كل من كان متبعًا لدين المسيح عليه السلام الذي لم يغير ولم يبدل، فإنه اهتدى بالمسيح من الظلالة. ومن كفر به من بني إسرائيل، فإنه ظالم بل كافر، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾. وقوله: ستشرق الشمس على الأرض ويهتدي بها الضالون ويظل عنها بنو إسرائيل، يناسب قوله في التوراة: جاء الله من طور السيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران. فإن إشراقه من ساعير هو ظهور نوره بالمسيح، كما أن مجيئه من طور السيناء هو ظهور نوره بموسى، واستعلانه من جبال فاران هو ظهور نوره بمحمد صلى الله عليه وسلم. وبهذه الأماكن الثلاثة أقسم الله في القرآن بقوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾، فبلد التين والزيتون هي الأرض المقدسة التي بعث منها المسيح، وكان بها أنبياء بني إسرائيل، وأسري بمحمد صلى الله عليه وسلم إليها، وظهرت بها نبوته. وطور سينين المكان الذي كلم الله فيه موسى بن عمران. وهذا البلد الأمين هو بلد مكة التي بعث الله منه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه القرآن. قال: فصل. قالوا: وقال في السفر الثالث من أسفار الملوك: والآن يا رب إله إسرائيل لتحقق كلامك لداود لأنه حق أن يكون إنه سيسكن الله مع الناس على الأرض. اسمعوا أيتها الشعوب كلكم ولتنصت الأرض وكل من فيها، فيكون الرب عليها شاهدًا من بيته القدوس، ويخرج من موضعه وينزل ويطأ على مشاريق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب. هذا كله فيقال: هذا السفر يحتاج إلى أن يثبت أن الذي تكلم به نبي، وأن ألفاظه ضبطت وترجمت إلى العربية ترجمة مطابقة. ثم بعد ذلك يقال فيه ما يقال في أمثاله من الألفاظ الموجودة عندهم، وليس فيها ما يدل على اتحاده بالمسيح. فإن قوله: إن الله سيسكن مع الناس في الأرض، لا يدل على المسيح، إذ كان المسيح لم يسكن مع الناس في الأرض، بل لما أظهر الدعوة لم يبق في الأرض إلا مدة قليلة، ولم يكن ساكنًا في موضع معين. وقبل ذلك لم يظهر عنه شيء من دعوة نبوة، فضلًا عن الإلهية. ثم إنه بعد ذلك رفع إلى السماء، فلم يسكن مع الناس في الأرض. وأيضًا، فإذا قالوا: سكونه وظهوره في المسيح عليه السلام. قيل لهم: أما الظهور الممكن المعقول كظهور معرفته ومحبته ونوره وذكره وعبادته، فهذا لا فرق فيه بين المسيح وغيره. وحينئذ فليس في هذا اللفظ ما يدل على أن هذا السكون كان بالمسيح دون غيره. وإن كان بالمسيح، فليس هذا من خصائصه عليه السلام. وليس في ظهوره فيه أو حلول معرفته ومحبته ومثاله العلم ما يوجب اتحاد ذاته به. وأما قوله: فيكون الرب عليها شاهدًا. فيقال: أولًا، شهود الله على عباده لا يستلزم حلوله أو اتحاده ببعض مخلوقاته، بل هو شهيد على العباد بأعمالهم، كما قال: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾. ولفظ النص: والتنصت الأرض وكل من فيها، فيكون الرب عليها شاهدًا. وهذا كما في التوراة أن موسى لما قاطب بني إسرائيل أشهد عليهم. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم كان يقول لأمته ولما بلغ الناس بقول: ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم. فيقول: اللهم اشهد. وحينئذ فليس في هذا تعرض لكون المسيح هو الله. قد يقال أيضًا: ليس فيه أن المراد بلفظ الرب هنا هو الله. ولفظ الرب يراد به السيد المطاع. وقد غاير بين اللفظين، فقال هناك: إنه سيسكن الله مع الناس. فقال: فيكون الرب عليها شاهدًا. والأنبياء يشهدون على أممهم، كما قال المسيح عليه السلام: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾. وحينئذ فيكون الرب الشهيد هو المسيح الذي هو الناسوت، وهو الذي جاء من بيت المقدس وخرج من موضعه ونزل ووطئ على الأرض من أجل خطيئة بني يعقوب. فإنهم لما أخطأوا وبدلوا، أرسل الله إليهم المسيح عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده وطاعته وطاعة رسله. فمن آمن به كان سعيدًا مستحقًا للثواب، ومن كفر به كان شقيًا مستحقًا للعذاب. هذان الفصلان كما نرى فيهما ما شبه بالجملة، هي من معاني تشبه ما سبق من الشبه. فيقال فيها أولًا، كما أشار رحمه الله: لابد من التحقق من ثبوت صحتها، ولو صحت التحقق كذلك من صحة ترجمتها. ثم بعد ذلك من أمعن النظر فيها وجد أنها لا تدل دلالة صحيحة صريحة على ما يزعمون من إثبات ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام. فحسبها أن تكون معاني وجد لها نظائر وأولى منها وأشد في حق بعض الأنبياء كموسى عليه الصلاة والسلام، كما أشار، أو محمد عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك لم يستدل به اليهود أي بمثله على ألوهية موسى، كما لم يستدل به المسلمون على ألوهية محمد صلى الله عليه وسلم. فلزم أن لا يكون كذلك في حق عيسى عليه الصلاة والسلام. وما كان جوابًا في حق موسى ومحمد عليه الصلاة والسلام بأن يقال: مثلا إنما أريد به المعاني العلمية. فكذلك يقال في حق عيسى عليه الصلاة والسلام. مع أن أكثر هذه النصوص مما جرى فيها التحريف وحصل فيها المبالغات، خصوصًا وأن القوم عرفوا بالغلو والمبالغات في ذلك. وانظر كيف يذكرون أتباع الأنبياء بالأنبياء، وهذا توسع، وهذا توسع بغير ما يدل أو ما دل عليه الدليل. وقد مر معنا في أوائل الكتاب أن من غلو النصارى في أتباع المسيح، فضلًا عن المسيح عليه الصلاة والسلام، أنهم رفعوا بعضهم إلى منزلة الأنبياء، فجعلوا كلامهم بمثابة كلام النبي، ويعاملونه معاملة النبي. ورفعوا النبي إلى مرتبة الإله. وانظر إلى قولهم: وقال عاموس النبي. وإنما هو من أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام. فمن كان هذا حاله، كيف يمكن أن نضمن أن عباراته التي يعبر بها ويترجم لم يحصل فيها شيء من التوسع في الألفاظ والغلو الذي هو من أنفسهم لا مما أنزل الله عز وجل على عيسى. والله أعلم.