الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 135، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش شيخ الإسلام تيمي مفهوم التجسد والاتحاد في المسيحية ويبين تناقضاته. يظهر أن هذا المفهوم يؤدي إلى الكفر والتناقض.
يعرض المقطع أسباب فساد قول النصارى بأن الله كلم الناس من خلال ناسوت المسيح. يبين أن الاتحاد بين اللاهوت والناسوت غير معقول.
يستدل على بطلان اعتقاد النصارى باتحاد الله بالمسيح باختلاف كلام الله وكلام المسيح وعدم وجود آيات لدى الحواريين. يبين امتناع حلول الله في البشر عقلا وسمعا.
تم الفراغ من العمل بحمد الله وعونه يوم السبت خامس عشر من رجب سنة ثلاث وتسعين وألف. يظهر التأثير الديني في إتمام العمل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام تيمي رحمه الله: فصل، قالوا: أما تجسم كلمة الله الخالق التي بها خلق كل شيء وتجسدها بإنسان مخلوق، وهو الذي أخذ من مريم العذراء المصطفى التي فضلت على نساء العالمين، واتحدت الكلمة باتحاد بري من اختلاط أو تغير أو استحالة، وخاطب الناس كما خاطب الله موسى النبي من العوسجة، ففعل المعجز بلاهوته وأظهر العجز بناسوته، والفعلان هما من المسيح الواحد. والجواب: إن بهذا الكلام من أنواع الكذب والكفر والتناقض أمورا كثيرة، وذلك يظهر بوجوه: الأول: أن قولهم «كلمة الله الخالقة التي بها خلق كل شيء» كلام متناقض، فإن الخالق هو الإله الخالق، وهو خلق الأشياء بكلامه، وهو قوله «كن»، فالخالق لم يخلق به الأشياء، بل هو خلقها، والكلام الذي به خلقت الأشياء ليس هو الخالق لها، بل خلق الخالق الأشياء، والفرق بين الخالق والمخلوق، وما به خلق الخالق معقول. وهؤلاء جعلوا الخالق والذي به خلقت المخلوقات واحدا، فجعلوا الكلمة هي الخالق، وجعلوا المخلوقات خلقت بها. وإضاح هذا: أن الكلمة إن كانت مجرد الصلمة، فإن الصفة ليست خالقة، وإن كانت الصفة مع الموصوف، فهذا هو الخالق، ليس هذا هو المخلوق به. الثاني: قولهم «تجسدها بإنسان مخلوق»، وقولهم «تجسم كلمة الله»، فإن قولهم «تجسمت وتجسدت» يقتضي أن الكلمة صارت جسدا وجسما بالإنسان المخلوق، وذلك يقتضي انقلابها جسدا وجسما، وهذا يقتضي استحالتها وتغيرها، وهم قالوا: «اتحادا بريا من تغير واستحالة». الثالث: قولهم «اتحدت الكلمة به اتحادا بريا من اختلاط أو تغير أو استحالة» كلام متناقض أيضا، فإن الاتحاد يصير الاثنين واحدا، فيقال: قبل الاتحاد كان اللاهوت جوهرا والناسوت جوهرا آخر، وإن شئت قلت: كان هذا شيئا وهذا شيئا، أو هذا عينا قائما بنفسه، وهذا عينا قائما بنفسه. فبعد الاتحاد إما أن يكون اثنين كما كان، أو صار الاثنان واحدا. فإن كان اثنين كما كان، فلا اتحاد، بل هما متعددان كما كانا متعددين. وإن كان قد صار شيئا واحدا، فإن كان هذا الواحد هو أحدهما، فالآخر قد عدم، وهذا عدم لأحدهما لاتحاده. وإن كان هذا الذي صار واحدا ليس هو أحدهما، فلابد من تغييرهما واستحالتهما، وإلا فلو كان بعد الاتحاد اثنين باقيين بصفاتهما، لم يكن هناك اتحاد. فإذا قيل: «اتحد اتحادا بريا من اختلاط أو تغير أو استحالة» كان هذا كلاما متناقضا ينقض بعضه بعضا. الرابع: أن كثيرا من النصارى يقول: إنما بعد الاتحاد جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. وهذا القول يضاف إلى العقوبية. ويقولون: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا كما يختلط الماء واللبن والماء والخمر. وهذا القول هو حقيقة الاتحاد، لا يعقل الاتحاد إلا هكذا. لكن فساده ظاهر لعقول الناس. فإذا كان هذا لازما لقول النصارى، وفساده ظاهر، كان فساد لازم يدل على فساد الملزوم. الخامس: قولهم «خاطب الناس كما خاطب الله موسى من العوسجة» يوجب أن يكون الذين كلمهم المسيح ممن آمن به وكفر به بمنزلة موسى من عمران الذي كلمه الله تكليما. ومعلوم أن تكليم الله لموسى عليه الصلاة والسلام مما فضله الله به على غيره من النبيين. فإن كان آحاد الناس بمنزلة موسى من عمران، لازم أن يكون كل من آحاد الناس في ذلك بمنزلة موسى من عمران، وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل. السادس: أنه من المعلوم أن خطاب الله لأنبيائه ورسله أفضل من خطابه لمن ليس بنبي ولا رسول، والمسيح عليه السلام لم يكلم عامة النبيين والمرسلين، بل لم يكلم إلا ناسا منهم من آمن به ومنهم من كفر به. والتحقيق: أنه لم يكلم أحدا من رسل الله. ولكن النصارى يزعمون أن الحواريين رسل الله، وهذا باطل. ولو سلم، فلم يكلم إلا اثني عشر رسولا، وقد بعث الله قبله رسلا كثيرين. السابع: أن الناسوت ناسوت المسيح هو من جنس سائر النواسيت، والإنسان لا يستطيع أن يرى الله في الدنيا كما أخبر بذلك موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. فإذا لم يستطع أن يراه، كان أن لا يستطيع الاتصال به ومماثلته، فضلا على الاتحاد به، أولى وأحرى. الثامن: أن الله لما كلم موسى عليه السلام من الشجرة، كان الكلام المسموع مخالفا لما يسمع من كلام الناس، ولهذا لم تطق بنو إسرائيل سمع ذلك الصوت، بل قالوا لموسى: «صف لنا ذلك». وهذا عندهم في التوراة، كما روى الخلال في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل فيما رواه من حديث الزهري. التاسع: أن الجن إذا حل في الإنس كما يحل في المصروع ويتكلم على لسانه، فإنه يتغير الكلام، ويعرف الحاضرون أنه ليس هو كلام الإنس، مع أنه يتكلم بلسان الإنس، وحركة أعضائه. فيعلم أن الصوت حصل بحركة بدن الإنس، مع العلم بأنه قد تغير تغيرا خالف به المعهود من كلام الإنس. العاشر: أن المخاطب للناس إن كان هو مجموع اللاهوت والناسوت، فكلامه صريح في أنه مخلوق مربوب يدعو ويسأل، والمجموع ليس بمخلوق يسأل الله ويعبده. وإن كان هو اللاهوت وحده كما يقتضيه كلامهم هذا، فهو أبعد وأبعد. وإن كان هو الناسوت وحده، فلم يكن اللاهوت مخاطبا للناس، ولم يكلم الله الناس من الناسوت كما كلم الله موسى من الشجرة. الحادي عشر: أن الله لما كلم موسى من الشجرة، كان الكلام كلام الله وحده، لم يكن للشجرة كلاما أصلا بوجه من الوجوه. فإن كان هذا المثل مطابقا، كان الذي يكلم الناس من ناسوت المسيح هو اللاهوت وحده. ومعلوم أن في الإنجيل وغيره من النصوص الصريحة ما يدل على أن الناسوت كان هو المتكلم. الثاني عشر: أن الذي نادى موسى من الشجرة لم يتكلم إلا بكلام ربوبية، فقال: «إني أنا الله رب العالمين، إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري». وسائر ما تكلم به كله يقتضي أنه كلام رب العالمين. وأما المتكلم على لسان المسيح، فلم يقل كلمة من هذا أصلا، بل كان في كلامه من الإقرار بأنه رسول وأنه مخلوق محتاج وأنه ابن البشر وغير ذلك مما يناقض من كل وجه كلام المنادي لموسى من الشجرة. الثالث عشر: أن يقال: معلوم أن الله أجل وأعظم وأكبر من رسله بما لا يقدر المخلوق قدره. فلو كان هو الذي كلم الخلق على لسان المسيح، وكان الحواريون رسله الذين سمعوا كلامه منه بلا واسطة، لكان الحواريون إما مثل موسى وإما أعظم. ومعلوم أن المسيح نفسه لم تكن له آيات مثل آيات موسى، فضلا على الحواريين. الرابع عشر: أن قولهم «إن الله خاطب الناس في المسيح كما خاطب موسى النبي من العوسجة» من أبطل الباطل، فإن الله باتفاق الأمم كلها لم يحل في الشجرة ولم يتحد بها كما يزعمون أنه حل بالمسيح واتحد به. الخامس عشر: أن الذي كلم موسى وناداه هو الله رب العالمين، وتكليمه له من الشجرة من جنس ما أخبر بنزوله إلى السماء الدنيا ونزوله يوم القيامة لحساب الخلق. وأما حلوله في البشر أو اتحاده به، فيمتنع من وجوه كثيرة عقلا وسمعا. السادس عشر: أن الرب عز وجل إذا تكلم بكلام الربوبية، فلو كان في المسيح اللاهوت الذي أرسل موسى وغيره، لم يخضع لموسى ولتوراته، ويذكر أنه إنما جاء ليكملها لا لينقضها، ولا كان يقوم بشرائعها. السابع عشر: أن قولهم «فعل المعجزات بلاهوته وأظهر العجز بناسوته» فيقال لهم: إن الله فعل من المعجزات ما هو أعظم من المعجزات التي ظهرت على يد المسيح عليه السلام، ولم يكن متحدا بشيء من البشر. الثامن عشر: أن المسيح ظهرت على يديه معجزات كما ظهر لسائر المرسلين، ومعجزات بعضهم أعظم من معجزاته. ومع هذا فلم تكن المعجزات دليلا على اتحاد اللاهوت بالنبي الذي ظهرت على يديه. التاسع عشر: أن اللاهوت إذا كان متحدا بالناسوت، لم يتميز فعله عن فعل الناسوت، فإنهما إذا صارا شيئا واحدا، كان كل ما فعله من عجز ومعجز هو ذلك الواحد. بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الباب جعله رحمه الله كما رأينا في الرد على شبهة النصارى في أمر مخالطة صفة الله عز وجل لجسد المسيح، وأنه بذلك صار المسيح إلها. وبيّن رحمه الله بهذه الأوجه بطلان ذلك. والله أعلم. تم بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، ثم ذكر تاريخ الفراغ منها يوم السبت خامس عشر من رجب الفرد من شهور سنة ثلاث وتسعين وألف.