الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 103، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تفسير قول أيوب الصديق "روح الله خلقني" ومعناه، ويبين أن "روح الله" تشير إلى الملك المصطفى. يشرح كذلك معنى الإضافة إلى الله تعالى ودلالتها على التميز والاصطفاء.
يفسر الآية الكريمة حول خلق الإنسان وتعليمه، ويشير إلى دور الملائكة في الخلق بإذن الله، ويستدل ببعض الأحاديث النبوية والآيات القرآنية.
يتناول الرد على شبهة حول معنى الروح في كلام الأنبياء من ثلاثة أوجه ويبين أن معنى الروح يأتي بمعنى الملك وأنه لا يلزم من خلق عيسى بأمر الله أن يكون إلهًا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام رحمه الله: فصل، قالوا: وقولوا على لساني أيوب الصديق: «روح الله خلقني وهو يعلمني»، أو «يعلمني»، فيقال: هذا لا حجة فيه؛ لأنكم ادعيتم أن الأنبياء سمت حياة الله روح القدس، وهذا لم يقل «روح القدس»، بل قال «روح الله»، و«روح الله» يراد بها الملك الذي هو روح اصطفاه الله، فأحبها، كما قال في القرآن: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾، فقد أخبر أنه أرسل إليها روحه فتمثل لها بشرا سويا، وتبين أنه رسوله، فعلم أن المراد بالروح والروح ملك هو روح اصطفاه، فأضافها إليه كما يضاف إليه الأعيان التي خصها بخصائص يحبها، كقوله: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾. والمضاف إلى الله إن كان صفة لم تقم بمخلوق، كالعلم والقدرة والكلام والحياة، كان صفة له، وإن كان عينا قائمة بنفسها أو صفة لغيره، كالبيت والناقة والعبد والروح، كان مخلوقا مملوكا، مضافا إلى خالقه ومالكه، ولكن الإضافة تقتضي اتصاف المضاف بصفات تميز بها عن غيره، حتى استحق الإضافة، كما اختصت الكعبة والناقة والعباد الصالحون بأن يقال فيهم: «بيت الله»، «وناقة الله»، و«عباد الله»، كذلك اختصت الروح المصطفى بأن يقال لها: «روح الله»، بخلاف الأرواح الخبيثة، كأرواح الشياطين والكفار، فإنها مخلوقة لله، ولا تضاف إليه إضافة الأرواح المقدسة، كما لا تضاف إليه الجبادات كما تضاف الكعبة، ولا نوق الناس كما تضاف ناقة صالح التي كانت آية من آياته، كما قال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾. وإذا كان كذلك، فهذا اللفظ إن كان ثابتا عن النبي، وترجم ترجمة صحيحة، فقد يكون معناه: أن الملك صورني في بطن أمي وهو يعلمني؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مر بالنطفة -أو مر بالنطفة- ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكر أو أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، أجله؟ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، رزقه؟ فيقول ربك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزاد على أمر ولا ينقص»، رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري. وقد يقال: من هذا قوله في الزبور في مزمور الخليقة: «ترسل روحك فيخلقون»، وفي المزمور أيضا: «هو قال فكانوا، وأمر فخلقوا، وأمر فخلقوا»، فقد يضاف الخلق إلى الملك، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فأخبر أنه يخلق من الطين كهيئة الطير طيرا بإذن الله، وكذلك الملك يخلق النطفة في الرحم بإذن الله. ولا يجوز أن يريد به أن حياة الله خلقتني وتعلمني؛ فإن الصفة لا تخلق ولا تعلم، وإنما يخلق ويعلم الرب الموصوف الذي خلق الإنسان من علق، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، ولكن هو سبحانه يخلق بواسطة الملائكة؛ فإن الملائكة رسل الله في الخلق، فجاز أن يضاف الفعل إلى الوسائط تارة، وإلى الرب أخرى، وهذا موجود في الكتب الإلهية في غير موضع، كما في القرآن: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾، وفي موضع آخر: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾، وفي موضع ثالث: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾، والجميع حق. فإذا وجد لفظ له معنى في كلام بعض الأنبياء، ولم يوجد له معنى يخالف ذلك من كلامهم، كان حمله على ذلك المعنى أولى من حمله على معنى يخالف كلامهم، وليوجد في كلامهم أن حياة الله تسمى روحا. بسم الله الرحمن الرحيم، ظاهر كلام المؤلف رحمه الله في هذا الفصل، فهو تبع لما سبق، وهو يشير رحمه الله إلى الجواب على هذه الشبهة من ثلاثة أوجه. الوجه الأول: صحة ثبوت هذا الكلام، فإن صح، والوجه الثاني: لزوم ثبوت المعنى الذي يزعمون، فبين رحمه الله أن المعنى الذي زعموه معنى مردود ترده الأدلة من الكتب التي في أيديهم، كما بين، ومثل، فقد نقل في هذه النصوص التي سبقت من الزبور ومن الإنجيل ما يؤيد أن معنى الروح يأتي بمعنى الملك، وأن معنى الخلق والأمر يأتي بمعنى أمر الرب للملك، ومثله خلق عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن عيسى يخلق بأمر الله، كما أن الملك يخلق بأمر الله، كما أن النصارى يقولون أن الملك يخلق بأمر الله، وليس يخلق لأنه إله، فكذلك ينبغي أن يقال: أن عيسى يخلق بأمر الله، ليس لأنه إله مع الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهكذا كذلك ثالثا: هذا التنبيه المهم الذي نبه عليه وختم به، وهو قوله: أنه لو قدر أن لفظ ثبت في كلام أحد من الأنبياء من جهة اللفظ ومن جهة المعنى، لكنه عورض بما هو أولى منه من جهة المعنى، يقول: الواجب عند العقلاء جميعا، فضلا عن من عرف ما تقتضيه الأدلة الشرعية في مثل هذا المقام، إرجاع المظنون إلى المستيقن، والمحتمل إلى ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، وهذا أمر متفق عليه بين العقلاء، فكيف إذا نضاف إلى ذلك أنه يعارض أدلة شرعية كثيرة، وعقيدة ينبغي أن لا يستهان بأمرها، فهذا كله يبين أن هذه الشبهة شبهة باطلة، والله تعالى أعلم.