الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 72

الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 72، الدرس الثاني والسبعون:من( ومن التقاسيم الصحيحة:تقسيم العتق إلى أربعة أقسام ... وإن كان مريضاً مرض الموت المخوف عتق من ثلثه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في العتق وأقسامه

شرح تقسيم العتق إلى أربعة أقسام: العتق باللفظ، العتق بالفعل، العتق بالملك، والعتق بالسراية، مع الإشارة إلى أهمية العتق في الإسلام.

أحكام المماليك وأقسامهم

يناقش أحكام المماليك وأقسامهم مثل العبد المطلق والمدبر وأم الولد، ويشرح شروط عتقهم وأحكامهم الشرعية، بما في ذلك مسألة اشتراك عدة أشخاص في ملك عبد واحد.

تفصيل أنواع المماليك وأسباب عتقهم

يتناول أنواع المماليك وأسباب عتقهم، ويشرح أربعة أنواع منهم: أم الولد، والمكاتب، والمعلق عتقه بصفة، ويوضح شروط وأحكام عتق كل نوع.

ختام الحديث عن أقسام المماليك

ينهي الحديث عن أقسام المماليك ويبين اختلاف أحكام كل قسم، ويعبر عن الاكتفاء بالحديث حتى الآن.

  • 20 جمادى الآخرة 1430هـ - 13/06/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ومن التقاسيم الصحيحة تقسيم العتق إلى أربعة أقسام، أحدها: العتق بإيقاع المعتق بلفظ من ألفاظ العتق، الثاني: العتق بالفعل، بأن يمثل برقيقه فيعتق عليه، الثالث: العتق بالملك، فإذا ملك ذا رحم محرم بالقرابة عتق عليه، والرابع: بالسراية، وهو أن يعتق جزءًا من رقيقه فيعتق كله، أو يعتق نصيبه، أو نصيبة. قال: فيعتق كله، أو يعتق نصيبه من الرقيق المشترك، فيسري إلى حق شريكه، ويضمن نصيب شريكه إن كان موسرًا، فإن كان معسرًا لم يعتق منه إلا نصيبه، وهو المذهب. وقيل: يعتق كله، ويستسعى العبد في نصيب الشريك. وهذا تقسيم آخر من التقاسيم الصحيحة فيما يتعلق بالعتق. ومر معنا في دروس سابقة الكلام على قضية الرق في الإسلام، وأن الإسلام لم ينشئ الرق، وإنما أقر ما كان حقًا أو ما كان بوجه حق. ومع ذلك، فقد ضيق أبواب الرق، وفتح أبوابًا كثيرة للعتق. وكل هذا إن دل على شيء، دل على كمال هذا الدين العظيم. وسبق معنا بيان شيء من ذلك وبراهينه في دروس سابقة، درس منهج السالكين، وهكذا دروس أخرى. الشاهد من هذا: أن من الأقسام المذكورة في العتق أن العتق يكون بأربعة أقسام. القسم الأول: العتق بقاع المعتق بلفظ من ألفاظ العتق، يعني أن يعتق المعتق عبده أو أمته بلفظ فيه معنى العتق، سواء كان اللفظ صريحًا، مثل: «أنت حر»، أو «أنت حرة»، أو كان كناية مع القرينة الدالة على معنى العتق، أو العرف الجاري به، مثل: «اذهب حيث شئت» أو «اذهبي حيث شئت»، فإنه كناية عن العتق، يجري مجرى العتق الصريح. وقد حث الإسلام على العتق في أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله تعالى بكل إرب منه إربًا من النار، حتى إنه ليعتق اليد باليد، والرجل بالرجل، والفرج بالفرج»، يعني: كل عضو من المعتق يعتق منه بقدر ما أعتق من رقيقه. وهكذا أحاديث العتق كثيرة. وكذلك جعل الشرع عددًا من الكفارات فيه إعتاق رقبة. وكل هذا حث على العتق. والشاهد: أن من العتق ما يكون باللفظ، إما الصريح أو الكناية، فيكون بذلك العتق. والثاني: قال: العتق بالفعل، بأن يمثل برقيقه فيعتق عليه. وهذا على قسمين: قسم منه أن يمثل برقيقه، ولو قطع إصبع واحدة، فإذا فعل مثل ذلك، فإن رقيقه يعتق منه، شاء أم أبى. وقد ورد عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجة، بإسناد حسن، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن زنباعًا، أبا روح، رجلًا من الصحابة، وجد غلامًا له مع جاريته، فقطع ذكره، ومثل به، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اذهب فأنت حر». فمن مثل بعبد، بعبد له، عتق عليه، شاء أم أبى، قليلًا كان هذا التمثيل أم كثيرًا. قال العلماء: ولو قطع طرفًا من أصبع، فإنه يعتق عليه. وهذا نوع يجب، ويلزم العتق. ونوع آخر لا يلزم العتق، لكن لا يحصل التحلل إلا بالعتق، وهو كل ظلم يجري على العبد بضرب، ولو كانت الضربة واحدة، فقط لو مد يده بضربة واحدة، فإنه عند ذلك لا كفارة له إلا أن يعتقه. فقد جاء بصحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لطم غلامه، فكفارته عتقه». وفي صحيح مسلم، في قصة معاوية بن الحكم السلمي، حين ضرب جاريته، وصكها، صكه - يعني كفها كف - حين أكل الذئب شاة من الغنم، غضب، وأخذه الغضب، فضرب هذه الجارية، فأراد أن يجعل لذلك كفارة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يعتقها، بعد أن تأكد أنها مؤمنة. قال لها: «أين الله؟» قالت: «في السماء». قال: «من أنا؟» قالت: «أنت رسول الله». قال عليه الصلاة والسلام: «اعتقها، فإنها مؤمنة». وهكذا كذلك في صحيح مسلم، من حديث أبي مسعود البدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم أدركه وهو يضرب غلامًا له، فقال: «اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود». يرفع صوته. فنظر أبو مسعود، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعيد، ينادي أبا مسعود، فقال له: «لله أقدر عليك منك عليه»، يعني: اتق الله فيه، الله يستطيع، ويقدر على أن ينزل بك من عذابه وعقابه مما أنت تفعل بهذا الغلام. فقال أبو مسعود: «قد أعتقته يا رسول الله». فقال: «أما إنك لو لم تفعل، للفحتك النار»، أو قال: «لمستك النار». فهذه الأحاديث تدل على أن من ضرب عبدًا له، أو أمة، فإنه لا يكفر ذلك إلا العتق. ولا يحل الذنب إلا العتق، ولا يلزمه ذلك. فرق التمثيل: التمثيل يعتق عليه، شاء أم أبى. أما الضرب، فإنه لا يعتق إلا بأن يعتق هو، ولكنه يبقى عليه الإثم والذنب، حتى يعتق، فيكون ذلك كفارة وتحلل. وقوله رحمه الله: الثالث: العتق بالملك، فإذا ملك ذا رحم محرم بالقرابة، عتق عليه. لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من ملك ذا رحم محرم، فهو حر». من ملك ذا رحم محرم، فهو حر. فلو أن رجلًا ملك أخته - يعني وجد أخته تباع - فاشتراها، فهي بمجرد أن يشتريها، هي حرة. أو دخلت في نصيبه في سبي، بمجرد أن تدخل عليه، فهي حرة. وهكذا يقال في كل المحارم والقرابات. والحديث رواه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء. وقد اختلف في صحته؛ لأنه من رواية الحسن عن سمرة، لكن تشهد له آثار كثيرة، والشيخ الألباني رحمه الله حسنه بشواهده. وقوله: الرابع: بالسراية، وهو أن يعتق جزءًا من رقيقه، فيعتق كله، أو يعتق نصيبه، إلى آخره. وهذا دليله ما جاء في الصحيح، من حديث ابن عمر، في الصحيحين، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من أعتق شركًا له في عبد، فكان له ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد. وإلا فقد عتق عليه ما عتق»، يعني: إذا كان معسرًا، عتق عليه ما عتق. وليس في الحديث صريحًا ما حكم هذا العبد إذا كان الشريك معسرًا. الآن عندنا عبد له شركاء، أي: من يملكه شركاء، ليس مالك واحد. فأعتق أحد الشركاء هذا العبد. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أعتق شركًا له في عبد»، يعني: أن له نصيبًا فأعتقه، فهو يتحمل نصيب البقية، فيدفع لهم إذا كان غنيًا. فإذا لم يكن، فعند ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عتق عليه العبد. وإلا فقد عتق عليه ما عتق». إذا لم يكن غنيًا، ولم يستطع أن يدفع للشركاء، فيعتق من العبد ما يعتق، العبد تحرر منه نصيب، ولا بد من ذلك. يبقى الآن نصيب هؤلاء الشركاء الذين لم يعتقوا. يلزم هذا الذي أعتق أن يدفع لهم. فإن كان ليس عنده، هنا اختلف العلماء، كما قال المؤلف رحمه الله. قال: فإن كان معسرًا لم يعتق منه إلا نصيبه. ومعناه: أنه يبقى عليه الباقي عند الشركاء البقية. قال: وهو المذهب. وقيل: يعتق كله، ويستسعى العبد في نصيب الشريك. وهذا هو الصحيح: أنه يعتق كله، ولكن يبقى عليه نصيب الشركاء البقية، يبقى على هذا العبد يسدد لهم، إما أحد يعينه بصدقة، أو أنه يعمل ويسدد لهم. فإن عجز العبد، فعند ذلك يبقى النصيب الباقي عليه. قال: ومن التقاسيم الصحيحة تقسيم المماليك إلى أقسام. أحدهم: رقيق، وقن، ومملوك، وعبد مطلق، وهو الذي لم يوجد فيه من أسباب العتق شيء، وهو الأصل في الأرقاء. ومعناه: أنه من بقي على أصل رقه. رقيق يعني خادم يخدم. وقن يعني يعمل لسيده عنده عمل ومهنة. ومملوك أي ملك، وليس عنده عمل يقوم به ولا شيء. وعبد مطلق كذلك. فهذه أوصاف متنوعة لشيء واحد، وهو العبد أو الأمة الذي/ والتي لم يوجد فيه/فيها من أسباب العتق شيء. فهذا الذي ليس به سبب من أسباب العتق هو النوع الأول من أقسام المماليك. قال: وهو الأصل في الأرقاء، يعني: أحكام الرق أكثرها تجري على هؤلاء. وهناك أبواب خاصة تتكلم على أحكام الرق، تراجع في كتب الفقه. لكن نحن الآن في ذكر التقاسيم التي ينتفع بها المتفقه في معرفة الفروق بين ما يحتاج إلى معرفته. فهناك فرق بين عبد على أصل الرق، وبين عبد عنده سبب من أسباب العتق، وهو ما سيأتي إن شاء الله ذكره. قال: الثاني: مدبر، وهو الذي علق سيده عتقه بموته. فإن مات السيد وهو في ملكه، عتق من ثلثه. والعبد المدبر هو الذي يقول السيد: «أنت عبدي حتى أموت، عن دبر - يعني حتى ينتهي أجلي - فأنت عند ذلك حر». تخدمني ما بقيت حيًا، هذا معنى. وهذا النوع من العبد أو من أهل الرق عنده سبب من أسباب العتق، لكنه ليس سبب حاضر، وإنما سبب مؤجل. وهذا النوع أقر الإسلام بقاءه، ووصفه، وجعل له أحكامًا. فينبغي لمن خاض في هذه المسائل أن يعرف شيء من أحكامها. ولهذا ذكر في قسم خاص. أي: العبد المدبر يختلف عن العبد المطلق. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن رجل أعتق مملوكًا له عن دبر، فاحتاج، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤتى بعبده، فقال: «من يشتريه مني؟» فباعه لرجل يقال له نعيم بن عبد الله بثلاثمائة درهم، وقال لصاحب الدين: «أنت أحوج منه». وكان قد أفلس، واجتمعت عليه ديون. والحديث في الصحيحين، من حديث جابر بن عبد الله. فدل ذلك على مسائل: أولها: الإقرار بعقد التدبير. وثانيها: كذلك جواز الرجوع في عقد التدبير عند الضرورة، وما كان بمعناه، مثل هذا الحديث. وثالثها: كذلك فيه إشارة إلى ما أشار إليه المؤلف رحمه الله: أنه إن مات وهو في ملكه، عتق من ثلثه؛ لأن الميت لا يملك من ماله إلا الثلث. فإن استوفى الثلث، هذا العبد عتق العبد كله. وإن لم يستوفي الثلث، فإنه عند ذلك يعتق منه بقدر الثلث، والباقي يستسعي العبد. ومعنى يستسعي: ينظر من يعينه حتى يسدد ما بقي عليه للورثة. ومن أحكام التدبير أو العبد المدبر: أنه إن قتل سيده، بطل هذا العقد. بطل هذا العقد. وقاس العلماء ذلك على مسألة الوارث. فالوارث إذا قتل، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يرث. وهذا من موانعه. وكذلك قاس عليه مسألة العبد المدبر. وهكذا كذلك لو أنه أوقفه قبل موته، فإنه ينتقل عقده من التدبير إلى الوقف. وقوله رحمه الله: والثالث: أم ولد، وهي التي ولدت من سيدها ما فيه خلق إنسان. وحكمها: أنها في حال حياة سيدها، يملك سيدها منافعها - منافع الخدمة - ومنافع الاستمتاع، لكن لا يملك التصرف فيها. فإذا مات السيد، عتقت من رأس ماله. والنوع الثالث من أنواع المماليك والأرقى: أم الولد. وأم الولد فيها سبب من أسباب العتق، لكن سبب العتق عندها ليس مثل سبب العتق العبد المدبر. ولهذا وضع في قسم خاص. فأم الولد هي المرأة التي تكون أما عند سيدها، فتحمل من السيد. فإذا حملت من السيد، تبقى أما إلى أن يموت. فإذا مات، ومعنى تحمل: ويكون لها ولد من هذا السيد، ولو مات هذا الولد - يعني: وضعت ووضعت خلق إنسان ميت - فإنها تسمى أم ولد، قد ولدت لهذا السيد. فإنها والحالة هذه تعتق عليه. وقد رويت في هذا آثار كثيرة عن ابن عمر، وابن عباس، وجماعة، في أنها تعتق. وبعض من صح أحاديث في هذا المعنى. فحكمها كما قال: أنها بحال حياة سيدها، يملك السيد المنافع - يعني: استعملها كأنها أمة - وفي نفس الوقت يستمتع بها بملك اليمين، أو ما ملكت أيمانكم. لكن بعد موته، لا ينتفع بها أحد، بل هي حرة؛ لأنها أم ولد. وأم الولد تعتق. قال رحمه الله: الرابع: مكاتب، وهو الذي اشترى نفسه من سيده بنجوم مؤجلة. فما دام في كتابته، فهو رقيق، لكنه يملك أكسابه ومنافعه. فإن أدى لسيده، أو لمن قام مقامه من وارث أو مشتر، عتق. وإن عجز عن الأداء، عاد إلى الرق. وهذا النوع الرابع من أنواع المماليك هو من عنده سبب من أسباب العتق، لكنه سبب يختلف عن العبد المدبر، وعن أم الولد. ولهذا وضع قسمًا رابعًا؛ لأن سببه هو المكاتبة، بأن يكتب كتاب بينه وبين سيده. وقد جعل الإسلام هذا السبيل سبيلًا آخر، وموضعًا كذلك من مواضع العتق. أن كل عبد أو أمة يريد العتق، له الحق بمطالبة العتق. فيتفق مع سيده بأن يقول له: «أريد أن أعتق». فيقول: «كاتبني». فيكاتبه بقيمته، أو ما يتفقان عليه. قيمة المثل: إذا كان مثلًا قيمته ثلاثمائة درهم، فهو يكاتبه على ثلاثمائة درهم. أو سامح السيد، فقال: «أكاتبك على مئة وخمسين درهم». فيكاتبه على مئة وخمسين درهم، على أن يسدد له مثلًا كل شهر كذا وكذا. فهو يسدد، ويعتق منه بقدر ما يسدد، لكن لا يبقى عبدًا حتى ينتهي من السداد. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم»، يعني: حتى ولو بقي عليه درهم واحد. «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». والحديث رواه أبو داود، والبيهقي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. فهذا يدل على أن العبد المكاتب عنده سبب من أسباب العتق، لكنه يختلف عن العبد المدبر، وعن أم الولد. ولهذا وضع قسمًا رابعًا. وهؤلاء يعانون حتى من الزكاة، كما أخبر الله عز وجل بذلك في كتابه، ودلت عليه كذلك عمومات السنة، والآثار الكثير المروية عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقوله: بنجوم مؤجلة، النجوم مواسم تتتابع، كل نجم ثلاثة عشر يومًا. ومعنى أن يكون التأجيل بفترة معلومة، فترة معلومة، مثلًا كل شهر كذا، أو كل ثلاثة عشر يوم كذا. وبعضهم اشترط أن يكون في نجمين لا يقل، وهذا لا دليل عليه. أو لا يزيد كذلك، هذا لا دليل عليه. روي عن علي، وليس فيه شيء صحيح صريح يلزم به. لكن المقصود هو حصول التأجيل بنجوم، أو بأشهر، أو بأسابيع، أو بغير ذلك، بما يتفقان عليه. وقوله رحمه الله: وإن عجز عن الأداء عاد إلى الرق، للحديث: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم». طيب، وهذا المال الذي دفعه، المال الذي دفعه، يبقى حقًا للعبد عند السيد. يعني: مثلًا قال العبد: دفع، دفع، دفع، ثم قال: «ما أستطيع». فيقال له: «اذهب ابحث من يعينك». فيبقى في الرق، وهو بالخيار إما أن يبحث من يعينه فيكمل، وإما أن يرضى بالرجوع إلى الرق، ويأخذ ما له من مال عند السيد. وهذا حق له؛ لأنه كاتب عليه. وهنا ننتبه إلى أن مثل هذه الأحكام في الغالب إنما تقع على رق كان أصله الكفر؛ لأنه ليس في الإسلام رق إلا يعني جديد، إلا ما كان من طريق الكفر. وأما ما لم يكن من طريق الكفر، فلا يقر الإسلام الرق، إلا ما كان من أصله - يعني مما كان بقي على أصل صحيح من بقايا الجاهلية. وأما ما كان يفعله العرب من بغي بعضهم على بعض، فلا يقره الإسلام. وقد حرم الإسلام أن يأخذ - أن يؤخذ الحر - ويباع ثمنه. وجعل ذلك من كبائر الذنوب. قال رحمه الله: الخامس: معلق عتقه بصفة، فإن وجدت وسيده حي، عتق من رأس المال. وإن كان مريضًا مرض الموت المخوف، عتق من ثلثه. قوله رحمه الله: الخامس، يعني: النوع الخامس من أنواع المماليك، من عنده سبب من أسباب العتق، لكنه يختلف عن الأسباب المتقدمة، وهو من عتقه معلق بصفة. مثلًا يقول: «إن قدم فلان، فأنت حر». أو يقول: «إذا جاء الشهر الفلاني، فأنت حر». أو يقول: «إن جاءني المال الفلاني، فأنت حر». فمثل هذا إذا وجدت الصفة التي علق عليها العتق، فهو حر. ثم قال رحمه الله: إن كان مريضًا، قال: إن جاء الوصف وهو حي - أي السيد - عتق من رأس المال ما دام صحيحًا. وإن جاء وهو مريض مرض الموت المخوف، عتق من ثلثه. فإن لم يوفي الثلث، عتق منه ما عتق بقدر الثلث، والباقي يستسعي فيه هذا العبد. ومثل هذا يقال كذلك، أو مثل هذا قيل في قضية العبد المدبر، وسبق معنا الكلام عليه. هذا خلاصة ما ذكر رحمه الله تعالى في أقسام المماليك. ولكل واحد كما رأينا حكم. وبه نكتفي، والله تعالى أعلم. شكرًا لكم.