شرح العقيدة الواسطية للهراس 111

شرح العقيدة الواسطية للهراس 111

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 111، الدرس الحادي عشر بعد المائة:من( وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي ... وحرمة الزنا والقتل الخ فهو كافر قد خرج من الإيمان بهذا الإنكار ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

موقف أهل السنة من المعاصي وتفاوت الإيمان

أهل السنة لا يكفرون مرتكب الكبيرة إذا كان مسلمًا، ويرون أن الإيمان يزيد وينقص. الأخوة الإيمانية تظل قائمة رغم ارتكاب المعاصي.

تفاصيل الأخوة الإيمانية وتأثير المعاصي عليها

المعاصي لا تلغي الأخوة الإيمانية، والإيمان يتفاوت بين الناس. بعض المعاصي قد تصل إلى درجة الكفر إذا انضم إليها جحود أو إنكار للحكم الشرعي.

مسألة تكفير من أنكر معلوم الدين بالضرورة

من أنكر معلوم الدين بالضرورة مع الجحود يُعتبر كافرًا. هناك نزاع بين الطائفتين الوعيدية والمرجئة حول مسائل التكفير.

شروط وموانع الإيمان

الإيمان له شروط وموانع، فمن لم يستوف الشروط أو فعل ما ينقض الإيمان لا يُعتبر مؤمنًا. الأدلة على ذلك موجودة في الكتاب والسنة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾». أورد رحمه الله تعالى هذا تتمة لما سبق من ذكر مبحث الإيمان، وأن أهل السنة والجماعة الذين من اعتقادهم ما في هذا الكتاب المسمى بالعقيدة الواسطية، هم في مبحث الإيمان والألقاب، وفي الحكم على الفاسق الملي -أي المنتسب إلى الملة- وسط بين المرجئة وبين الوعيدية. ومن ذلك قوله: «وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر». ومعنى مطلق المعاصي والكبائر يعني مسمى المعاصي والكبائر؛ لأن من المعاصي والكبائر ما هو كفر، فالسحر من أكبر الكبائر وهو كفر بنص الشرع، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل المثال. وهكذا كذلك جحود الشرع من الكفر، وجحود الأمر والنهي من الكفر، مع أن بعض ذلك يسمى معصية. فليست كل معصية كفر، ولا كل المعاصي كفر، لكن منها ما هو كفر ومنها ما ليس بكفر. لكن الأصل أن المعاصي ليست بكفر إلا ما دل الشرع على أنه كفر. ولهذا قال: «كما يفعله الخوارج»، يعني الخوارج يكفرون بالمعصية، والمعتزلة يخرجون من الإيمان ولكن يقولون: هو في منزل بين منزلتين. وقد مر معنا أن الخوارج والمعتزلة توافقوا في خصال واختلفوا في خصال. في ماذا توافقوا؟ وفي ماذا اختلفوا؟ هذا أن أصحاب الكبائر مخلدون في النار اتفقوا على ذلك. وكذلك «خرج من الإيمان ينزع عنه اسم الإيمان، فاعل المعصية ليس بمؤمن عند الخوارج وعند المعتزلة» اتفقوا بهذا، واختلفوا: «منزل بين منزلتين». نعم، أنهم اختلفوا في مسمى الكفر، فقال الخوارج: فاعل الكبائر والمعاصي كافر. وقالت المعتزلة: «في منزل بين المنزلتين، لا مسلم ولا كافر، لا مؤمن ولا كافر». نعم، ثانيًا في تبعة مسمى الكفر، لما استحل الخوارج اسم الكفر على فاعل المعصية قالوا: إذن هو حلال الدم والمال. ولما لم يستحل المعتزلة اسم الكفر وقالوا: «وفي منزل بين منزلتين»، توقفوا في استحلال الدم والمال. فإذن اختلفوا في مسألتين، واتفقوا في مسألتين. وقوله رحمه الله: «بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي»، لكن هم يتفاوتون، فهذا كامل الإيمان، وهذا ناقص الإيمان، هذا مسلم، وهذا مؤمن. وقد مر معنا أن الإيمان والإسلام لفظان كما قال بعضهم: للعلم إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. فإذا جاء لفظ الإيمان وحده فإنه قد يدخل فيه الإسلام، كما جاء في حديث ابن عباس في وفد عبد القيس، أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بأربع: الإيمان بالله وحده، ثم قالوا: هل تدرون ما الإيمان؟ «شهادة أن لا إله إلا الله، ويقام الصلاة، وإيطاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس» أو «الخمس» الحديث. فهذا يدل على أن الإسلام يدخل في الإيمان. وهكذا كذلك العكس، فإنه قد يدخل مسمى الإيمان في الإسلام، وهذا كله دلت عليه أحاديث. فقول النبي عليه الصلاة والسلام -حديث عمر بن عباس- أي الإسلام أفضل؟ قال: «الإيمان والإيمان أن تؤمن» إلى آخره، هو يدل على هذا المعنى. وفي حديث جبريل الذي روي عن عدد من الصحابة، فيه التفريق بين الإيمان والإسلام. وهؤلاء لم يفرقوا بين الإيمان والإسلام، فجعلوه شيئًا واحدًا إذا ذهب بعضه ذهب كله، وهذا خطأ. قال رحمه الله: «ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة والخوارج». انظر هنا ذكر المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج يقرون بهذا المعنى. قال: «كما يفعله الخوارج في الأول» يعني في مسألة التكفير، قال: «بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مع أنه هناك قاتل ومقتول، والقتل العمد يعتبر من الكبائر ومن المعاصي، ومع ذلك ما سماه كافرًا سماه أخًا». وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ومع ذلك قال في آخرها: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ نعم «وبين أخويكم». وهكذا كذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، دليل على أن هؤلاء لم يخرجوا من مسمى الإيمان. قال الشارح رحمه الله: «ومن الإيمان المطلق»، مع أن الإيمان المطلق مركب من الأقوال والأعمال والاعتقادات، فهي ليست كلها بدرجة واحدة، بل العقائد أصل في الإيمان. فمن أنكر شيئًا مما يجب اعتقاده في الله أو ملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر، أو مما هو معلوم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة وحرمة الزنا والقتل إلى آخره، فهو كافر. قال: «قد خرج من الإيمان بهذا الإنكار». وهذا يريد أن يبين رحمه الله كما سبق: ليس كل المعاصي درجة واحدة، فإنه من المعاصي ما هو كفر، ومن المعاصي ما هو ليس بكفر. وقوله رحمه الله: «فمن أنكر مما هو معلوم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة إلى آخره»، يعني أن هذا الإنكار كان فيه جحود لهذا الحكم الشرعي، فهذا يعد كفرًا. وما سوى ذلك فيه نزاع. هذا هو الأصل، وهو الذي يسميه بعضهم: الواجبات الظاهرة المتواترة. أو بعضهم يسميه: لم يحرم المحرمات الظاهرة المتواترة. أو غير ذلك مما هو بمعنى هذا. مع أنه عند التفصيل والتدقيق قد يفصل بين الجاهل وغير الجاهل؛ إذ الجهل قد يدخل حتى ما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لأن ما هو معلوم من الدين بالضرورة يختلف باختلاف حال الناس. فحديث عهد بالإسلام لا يعلم تفاصيل الأحكام الشرعية مثل غيره الذي له سابق في الإسلام. ومن كان إسلامه في بلاد كفر ليس كمن كان إسلامه في بلاد إسلام، وهكذا. كما بينا شيخ الإسلام وغيره من العلماء: ما هو معلوم من الدين بالضرورة يتفاوت. وقوله: «فهو كافر قد خرج من الإيمان بهذا الإنكار»، هذا يكون كما سبق فيما هو معلوم من الدين بالضرورة. على أن بعض أهل العلم بينا أن هذا الكفر لا يكون بالفعل، بل يكون بالاعتقاد ولو لم يتلفظ. لكن بالنسبة لنا إذا تلفظ كان لفظه هذا بما فيه جحود ما هو معلوم من الدين بالضرورة كفر مكفر له. فإذا فعل ما يؤكد ذلك فهو كفر. فليس الفعل المجرد دليل، ولا ما في القلب كذلك يحكم به، وإنما لنا ما يكون من لفظه مما يدل على ذلك. والمراد بهذا الرد على الطائفتين: الوعيدية والمرجئة؛ لأن بعض الناس قد يغلو في هذا الباب فيكفر من لا يستحق التكفير بمثل هذه الشبهة. وأكثر من دخل في مسائل التكفير المعاصرة دخل بمثل هذه الألفاظ، وتمسك بعموماتها، وتدخل في تفاصيل لا توافق هذه العمومات عند التحقيق. والعكس كذلك من وقع في نفي الكفر عن من استحقه. فالأولون مثل جماعات التكفير المعاصرة الذين يكفرون الحكام ومن يوافق الحكام، حتى ولو كان من عامة الناس أو من علماء الأمة -يعني من لم يوافقهم على تكفير من يكفرونه فهو عندهم كافر والعياذ بالله- بمثل هذا الإطلاق بالتكفير. وضد هؤلاء أولئك الذين سلكوا مسلك المرجئة بمعنى شبيه بضد هذا المعنى الذي سلكه التكفيريون المعاصرون، كحال بعض عباد القبور ومن يدافع عنهم. فكأنه يريد أن يقول بعبارة: لا يوجد أحد يقول «لا إله إلا الله» يكون كافرًا. فعندهم كل من قال «لا إله إلا الله» إذن لا بد أن يكون مؤمن ولو فعل ما فعل من المكفرات. وهذا خطأ باطل، بل دلت أدلة الكتاب والسنة أن قول «لا إله إلا الله» لها شروط. فمن أتى بشروطها وامتنع من موانعها فهو المؤمن، ومن لم يأت بشروطها وفعل ما ينقضها فهو ليس بمؤمن. والأدلة على هذا كثيرة من الكتاب والسنة، فينبغي أن ينتبه لمثل هذا المعنى الدقيق. نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم.