شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 3

شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 3

الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 3، لدرس الثالث : ( 5-ثم أنه لم يزل من بعد مضي ... 10 -ثم القول في ألفاظهم بالقرآن ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

دور العلماء في كشف النوازل بعد وفاة الرسول

يتناول أهمية العلماء في حل النوازل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث يرجع الناس إليهم لاستنباط الأحكام. يُبين أن حكمهم إما أن يكون مبنيًا على نص أو اجتهاد مستند إلى عمومات.

الرجوع إلى العلماء في حل الخلافات

يؤكد على أهمية الرجوع إلى العلماء الراسخين في حل الخلافات والوصول إلى الصواب، مستشهدا بمثال الصحابة واختلافهم في الخلافة. يشير إلى ضرورة الرجوع إلى العلماء الأكابر في المسائل المختلف فيها.

المسائل الخلافية في العقيدة الإسلامية

يتناول أهم المسائل الخلافية في العقيدة مثل القدر والإيمان وخلق القرآن ورؤية الله وألفاظ القرآن. يُبين إيمان أهل السنة بأربعة مراتب من مراتب القدر.

أهمية الكتاب والسنة والعلماء في حل النوازل

يجب الرجوع في المسائل المستجدة إلى أدلة الكتاب والسنة وإلى العلماء لرد الناس إلى الحق. سيتم تفصيل هذه المباحث في الفصول القادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، رحمه الله تعالى. بإجابته صريح السنة، قاله: إنه لم يزل من بعد مضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبيله حوادث في كل دهر تحدث، ونوازل في كل عصر تنزل، يفزع فيها الجاهل إلى العالم، ويكشف فيها العالم سد فضل عن الجاهل بالعلم الذي آتاه الله وفضله به على غيره، إما من أثر وإما من نظر. فكان من قديم الحادثة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحوادث التي تنازعت فيها أمته واختلافها في أحقهم بالإمامة وأولاهم بالخلافة، أورد الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى هذا المقطع والفصل في كتابه رحمه الله صريح السنة، ابتداء في الدخول إلى المقصود من التنبيه إلى مسائل رسالته رحمه الله صريح السنة. فبين في هذا الموضع أنه لم يزل من بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حوادث تقع للناس، ونوازل تحصل في كل عصر، فالناس جميعا يرجعون إلى العلماء، فإن الله جل وعلا أمرهم بهذا، كما قال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، فعلمنا بهذا أن الرجوع إلى العلماء سبب لكشف الكربة وإزالة النازلة. وهذا شيء مفزع لأنهم، كما قال رحمه الله، آتاهم الله عز وجل العلم الذي به فضلهم على غيرهم، فهم يكشفون هذه النوازل إما من أثر، أي من دليل واضح يستدلون به فيرجع الناس إليه، وإما من نظر، أي اجتهاد مما فهموه وعلموه من هذه الأدلة الشرعية الكثيرة. وحكم العلماء لا يخرج عن هذين الأمرين: إما نص وإما اجتهاد، وهذا الاجتهاد يقوم على عمومات النصوص. قال: وكان من قديم الحادثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحوادث... إلى آخر كلامه، يريد أن يقول: وكان من أوائل هذه الأشياء التي حدثت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم اختلاف الناس في أفضل الناس وأحقهم بالإمامة والخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم للوقوف على الحكم الصواب في هذا الذي اختلفوا فيه، وهو أن أحق الناس بالخلافة والإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر رضي الله عنه، وهذا كما قال ابن حزم رحمه الله هو مما جاءت به النصوص، لكنها ليست صريحة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال، كما في حديث عائشة بالصحيح: «ارتوني بكتاب أكتب لكم كتابا»، يعني في أمر أصحابه لا يختلف الناس بعده، وأشار إلى أبي بكر رضي الله عنه. وهذا كذلك من ذلك استنابته له رضي الله عنه في الصلاة، فقدمه في الدين، فهو أقدم وأولى في الدنيا. وهذا كذلك ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من توليته في كثير من أحواله، دل على أنه هو الذي يخلفه. وكما به المرأة السائلة التي جاءت تسأله، فلما قال: «فإن لم أجد؟» قال: «فأتي أبا بكر»، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام. وقد ذكر رحمه الله ابن حزم عددا من هذه الأدلة، بعضها بالصحيحين وبعضها خارج الصحيحين، مما به إشارات إلى تخليف أبي بكر رضي الله تعالى عنه بعده عليه الصلاة والسلام. فعلم أن العلماء هم الذين أوصلوا الناس إلى هذا الحكم الصواب، علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فإذا وقع بعض الصحابة بالخطأ في أول الأمر من حيث أنهم أرادوا شيئا ليس هو الصواب، وهذا الذي أراده بعض الصحابة، فوصلوا إلى الصواب بحكم أهل الحل والعقد من علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فوفقهم الله عز وجل لذلك. فكأنه يقول رحمه الله: فكذلك ينبغي للناس لكل زمان ومكان أن يرجعوا بالأمور إلى العلماء الراسخين بالعلم، فإنهم بإذن الله سيوصلوهم إلى الصواب كما وفق الله عز وجل الصحابة رضي الله تعالى عنهم للصواب في تلك الحادثة. وسيذكر بعد ذلك أمثلة في هذه المسائل التي اختلف فيها الناس، وكان الواجب عليهم أن يرجعوا الأمور إلى أهل الحل والعقد، وسيأتي معنا في كل مسألة مما سيأتي إن شاء الله أن المخالفين فيها لم يعرفوا بالإمامة ولا بالهداية ولا بالرسوخ في العلم. بل أكثر المخالفين هم إما ممن كان تلميذا عند بعض هؤلاء العلماء، وهل يكون الطالب مثل الشيخ؟ فإن لم يكن، فعلم بذلك أنه يجب أن يرجع إلى أهل الحل والعقد من العلماء الأكابر الراسخين بالعلم المعروفين بالإمامة والهداية. وكأنه يقول: كما نجح أولئك، فلنعلم أن المسائل التي سيأتي، وقع فيها الخلاف وخالف فيها بعض الظالين، يجب عليه من يرجع كذلك إلى أقوال العلماء الذين عرفوا بالإمامة والهداية والديانة، هذا هو الواجب. وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين. قال: ثم القول بأعمال العباد قاطعها ومعاصيها بقضاء الله وقدره، أم الأمر في ذلك مختلف، ثم القول بالإيمان: هل هو قول وعمل أم هو قول بغير عمل؟ واليزيد ينقص أم لا زيادة له ولا نقصان؟ ثم القول في القرآن: أم هو مخلوق لعله صوابه أم غير مخلوق؟ ثم رؤية المؤمنين ربهم تعالى يوم القيامة، ثم القول في ألفاظهم بالقرآن. ذكر المولى رحمه الله تعالى هذه المسائل، وهي من المسائل التي حدث بها الخلاف بعد عهد الصحابة أو ابتدأت في آخر عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم تتابعت بعد عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ومراده، كما مر معنا رحمه الله، أن يبين أن الواجب الرجوع إلى أهل العلم من أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين يستطيعون أن ينزلوا أحكام هذه الحوادث والمسائل بما علموه من دين الله جل وعلا من أثر أو نظر، كما نفر عليه في الفصل الذي قبله. فذكر هذه المسائل لأنها من أهم المسائل التي وقع فيها الخلاف، فذكر أولا مسألة القول في أعمال العباد وأمر القضاء والقدر، فسيأتي إن شاء الله مبينا في الكلام على القدر فيما سيأتي بعد ذلك. وآخر ذلك ذكر مسألة القول في خلق القرآن وغير مخلوق، ثم رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، ثم القول في ألفاظ القرآن، فهذه المسائل التي ذكرها رحمه الله سيأتي إن شاء الله من كلامه تفصيلها وبيانها. ولكن أراد أن ينبه عليها في هذا المقام على وجه الإجمال، ثم يفصل الكلام فيها فيما يأتي من فصوله. أما المسألة الأولى، فأول ما حدث الكلام في القدر كما جاء ومر معنا، حديث ابن عمر في صحيح مسلم: أن أول من قال بالقدر معبد الجهني بالبصرة، ثم تفرعت أقوال الناس في باب القدر وظهرت فيها بدع كثيرة. وخلاصة الأمر أن أهل السنة والجماعة يؤمنون بأربعة مراتب من مراتب القدر، وبكل مرتبة من هذه المراتب الأربع خالف فيها بعض أهل البدع. أما المرتبة الأولى، فهي مرتبة العلم: أن الله جل وعلا علم كل شيء قبل أن يخلقه ويقدر له ما قدر. والمرتبة الثانية هي مرتبة الكتابة: وهي أن الله جل وعلا أمر الكرام الكاتبين بأن يكتبوا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. والمرتبة الثالثة هي مرتبة المشيئة: أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والمرتبة الرابعة هي مرتبة الخلق: أن الله خلق الخلق وخلق أفعالهم وأعمالهم، والله خلقكم وما تعملون، وسيأتي إن شاء الله بيانها والكلام عليها في موضعها. وأما المسألة الثانية، فهي مسألة الإيمان: وأنه قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد دلت النصوص على ذلك. وقالوا بالإرجاء، فهم أول من تكلم بالإرجاء. وأما الإيمان فيما يتعلق بقول الوعيدية، فأول من تكلم به هم الخوارج، ثم المعتزلة. وأما مسألة القول في القرآن: أهو مخلوق أو غير مخلوق؟ سيأتي إن شاء الله أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وسيبين المؤلف رحمه الله ويطيل الكلام فيه في فصل آتي منفصل. وكان أول من تكلم بذلك هم المعتزلة، فهم أول من ذكروا هذا، وهم تبع للجهمية في هذا الباب. وأما المسألة التي بعدها، مسألة الرؤية، فإن دلالة الكتاب والسنة أدت إلى رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا يوم القيامة، رؤية نعيم ورضوان، وسيأتي إن شاء الله تفصيله في موضعه. وأول من ضل في هذا الباب هم الجهمية، وهكذا بعض من تأثر بهم من الخوارج وغيرهم. وأما المسألة الأخيرة، فهي مسألة ألفاظ الناس بالقرآن، وهذه كذلك أحدثها بعض المتأخرين من المعتزلة، ويريد أن يدخلوا البدعة بشيء من التلبيس، فجاءوا بمسألة اللفظ، والتي سيأتي من كلام المؤلف رحمه الله بيانها وتوضيح أمرها. فخلاصة الأمر أن هذه المسائل كلها مما أحدثت، وكلها يجب فيها الرجوع إلى أدلة الكتاب والسنة وإلى العلماء العارفين الذين يستطيعون أن يردوا الناس إلى الحق الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة بالأثر وبالنظر، كما نبأ عليه رحمه الله. وسيأتي إن شاء الله في الفصول الآتية زيادة التفصيل بهذه المباحث، وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله.