الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 23، الدرس الثالث والعشرون: (كلم موسى عبده تكليماً ... إلى قوله ... فنت وليس القول منه فان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل إثبات صفة الكلام لله عز وجل وبيان اعتقاد أهل السنة والجماعة في هذه الصفة، حيث يؤكد أن كلام الله حقيقي ويليق بجلاله وعظمته. يُبين أيضًا موقف أهل السنة من آراء المعتزلة والأشاعرة والكلابية والماتريدية.
يركز هذا الفصل على الرد على أهل الحلول والاتحاد الذين يعتقدون أن كل كلام في الوجود هو كلام الله، مؤكدًا أن كلام الله هو ما تكلم به الرب جل وعلا ونسبه إلى نفسه، مستدلًا بالآيات القرآنية.
يؤكد هذا الفصل على أن الله يتكلم متى شاء بما شاء، وأن كلامه لا ينفذ ولا يحصى، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تصف عظمة كلام الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أهلاً، سأعلموا كذكيما، والذي ذكي العليم كلامه جل عن الإحصائي والحصر والنفاذ والفنائي، لو صار أقلامًا من كل الشجر والبحر يمده سبعة أبحر والخلق يكتبه بكل آن فنت وليس الغول منه فان، فهذه هي الأبيات التالية. المؤلف رحمه الله لإثبات صفة الكلام لله عز وجل، والكلام على صفة الكلام على مبحثين: المبحث الأول أن الله عز وجل يتكلم بكلام حقيقي يليق بجلاله وعظمته، يتكلم ما شاء وبما شاء. والمبحث الثاني من مباحث الكلام أن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. فهذان مبحثان في الكلام. أما المبحث الأول، فعبر عنه المؤلف رحمه الله بهذه الأبيات، فقال: كلم موسى عبده تكليمًا ولم يزل بخلقه عليمًا. يريد بذلك أن كلام الله عز وجل كلام حقيقي يليق بجلاله وعظمته، فليس الكلام شيء غير الذي نعرفه من الكلام. فلا نقول كما قالت المعتزلة تحريفًا وتعطيلاً، إنما المراد بالتكليم التجلي بمقالة الحكمة. فما قال الزمخشري لتفسير آية سورة النساء، فهذا تعطيل وتحريف لكلام الله عز وجل. ولا كذلك كما قالت الأشاعرة والكلابية والماتريدية أنه حكاية أو عبارة عن كلام الله، فهذا تحريف وتعطيل لما أثبت الله عز وجل لنفسه. ولا كذلك نقول كما قالت أهل الحلول والاتحاد أن كل كلام بالوجود هو كلام الله، بل ما تكلم به الرب جل وعلا هو كلام الله، وما لم يتكلم به الرب جل وعلا فليس بكلام الله. فكلام الله هو الذي تكلم به ونسبه سبحانه وتعالى إلى نفسه. فمن كلام الله كلامه لموسى عليه الصلاة والسلام، فكلمه وهو كليم الله. ولما جاء بعض المعطلة إلى بعض القراء، وهو أبو عمرو بن العلاء، وهو من المعتزلة، جاء إلى هذا القارئ السني وهو يقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، فقال: إنما هو "وكلم موسى الله تكليمًا"، يريد أن يمثل كلامًا عن الله عز وجل ويجعل موسى المتكلم والله هو السامع. فقال له القارئ: هب يا شيء أني جعلت ذلك أو سمعت ما تريد، فما تصنع بقول الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟ فبهت هذا المعطل. لأن هذه الآية الثانية لا يمكن فيها تغيير الحركة كما هو معلوم ومعروف عند أهل اللغة والنحاة، لأن فيه الضمير الذي يستحيل معه عوده على متأخر رتبة. فهذا بعض ما يقع من التحريف عند أهل الأهواء. فالمؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا البيت ليثبت أن لله كلامًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته، كما في الآية التي سمعتم. فعبر عن هذا المعنى الذي سمعناه، وهذا ذاته الله عز وجل كما كلم موسى، فكلم ما شاء من خلقه، كما وصف بعض الرسل، قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، بعض الرسل كلمهم الله عز وجل، وبعض الرسل لم يكلمهم الله عز وجل. وهذا مما يعتقده أهل السنة والجماعة، وقد دلت عليه الأدلة الشرعية أن الله يتكلم بما شاء متى ما شاء، سبحانه وتعالى. وأن كلام الله لا ينفذ، وهذا هو الذي عبر عنه المؤلف بقوله: "كلام مجد عن الإحصائي والحصر والنفاذ والفنائي". فكلام الله جل وعلا ما أحد يستطيع أن يحصره، لأنه يتكلم متى شاء ما شاء. كلمات الله فوق خلقه، فإذا كان خلقه إذا أراد أن يخلق يقول لهم: "كن فيكون"، فما بالك بالخلق الذي لا يعد ولا يحصى من كلامه الذي به كان هذا الخلق الذي لا يعد ولا يحصى؟ ولهذا لما علم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تسبيحه في حديث جويرية، علم أن يقول: "سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته". ومداد كلمات الله لا تعد ولا تحصر. ولهذا قال عبد المؤمن رحمه الله تعالى: "وصار أقلامًا جميع الشجر والبحر يمده سبعة أبحر والخلق يكتبه بكل آن ثم وليس القول منه فان". انظر لهذه الكلمات البليغة التي تعبر عن قول الله عز وجل: ﴿لَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. فكلمات الله لا تنفذ، ليس بهذا البحر الذي نراه في هذه الدنيا الكثير الواسع، بل لو كان سبع مرات مثله مدادًا وجميع الأشجار أقلامًا، فكتبوا به ما نفدت كلمات الله. بل الأمر أوسع من ذلك، كلمات الله لا تعد ولا تحصى. فالحاصل أن مما يوصف به الرب جل وعلا أن الله جل وعلا يتكلم بكلام يليق بجلاله وعظمته، يكلم من شاء وبما شاء ومتى ما شاء، سبحانه وتعالى، كلامًا حقيقيًا. فلا ننفيه كما نفاه المعتزلة، ولا نغلو فيه كما غلا أهل الحلول والاتحاد الذين زعموا أن كل كلام بالوجود هو كلام الله، فهذا باطل. بل كلام الله الذي تكلم به، فهذا ما سيأتي إن شاء الله بيانه في الأبيات الآتية.