الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 7، الدرس السابع:من( وأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه ... ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك على عقيدة أهل السنة والجماعة في علو الله واستواءه على العرش، مستندًا إلى أدلة الكتاب والسنة ونقولات العلماء.
يتناول المقطع معنى أن الرب جل وعلا بائن من خلقه، ويبين أهمية إثبات هذا المعنى لرد شبهات الجهمية، ويذكر نقولًا عن العلماء في إثبات علو الله واستوائه على عرشه.
يناقش المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة في علو الله واستوائه على العرش، مستشهدًا بآراء العلماء والأئمة، ويؤكد أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته.
يؤكد الختام على المعاني السابقة ويشير إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء، مما يدل على انتهاء الكلام حول الموضوع المحدد.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الرازيان، رحمهم الله تعالى، فيما نقله عن علماء الأمصار: «قال: وأن الله عز وجل على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه بكتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، بلا كيف، أحاط بكل شيء علما، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير». وهكذا كذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة، وما نقله هذان الإمامان عن علماء الأمصار، شمالا وشرقا وغربا وجنوبا، ومما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة: أن الله عز وجل على عرشه، بائن من خلقه. ودليل ذلك من كتاب الله عز وجل كثيرة؛ ففي سبعة مواضع من كتاب الله عز وجل: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. وهكذا كذلك بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مما فيه إثبات الاستواء على العرش، على ما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. نثبته إثبات وجود، كما أثبتته أدلة الكتاب وأدلة السنة، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. والنقولات عن العلماء في هذا الباب كثيرة جدا. وقد ذكر العلماء فصولا طويلة في ذكر ما ذكر عن أهل العلم في إثبات العلو والاستواء. فالعلو صفة ذات لله عز وجل، هي ثابتة لله عز وجل على ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، وهو جل وعلا أثبت لنفسه العلو. وقال جل وعلا: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾. وهكذا كذلك الأدلة كثيرة من كتاب الله عز وجل في إثبات العلو لله سبحانه وتعالى. بل ذكر بعض أهل العلم أن أدلة إثبات العلو لله عز وجل تزيد عن ألف دليل من الكتاب والسنة، وتخرج على أكثر من عشرين نوعا، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه. وهكذا كذلك صفة الاستواء، وهي صفة فعل لله عز وجل. ومعنى أن الله عز وجل استوى على العرش: استواء يليق بجلاله وعظمته، بعد أن لم يكن مستويا، كما أخبر بذلك جل وعلا في مواضع من كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، كما في حديث ابن مسعود في الصحيح، وغيرها من الأحاديث الأخرى. وكما قلنا: الآثار المروية عن أهل العلم في هذا الباب كثيرة جدا، يشق حصرها. وقد ألف العلماء في ذلك مباحث في كتبهم؛ كاللالكائي، رحمه الله، في «أصول الاعتقاد»، وهكذا كذلك الآجري في «الشريعة»، وهكذا كذلك عبد الله بن أحمد في «السنة»، والخلال كذلك له في «السنة»، وابن منده كذلك في «التوحيد»، وابن خزيمة في كتاب «التوحيد»، وابن بطة في «الإبانة»، وغير هؤلاء كثر مما ألف في الاعتقاد كتبا كبارا وصغارا. وقد جمع الذهبي رحمه الله تعالى في ذلك كتابا جامعا نافعا، سماه «العلو للعلي الغفار»، وسرد فيه الأدلة من الكتاب والسنة والآثار المروية عن الأئمة، طبقة طبقة، من الصحابة فالتابعين فأتباع التابعين إلى طبقات متتابعة إلى زمانه رحمه الله تعالى، أو قرب زمانه رحمه الله تعالى. فهو كتاب عظيم نافع. وقد حقق واختصر، حققه واختصره الشيخ العلامة المحدث الفقيه محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى. وفي هذا المقام نذكر شيئا من هذه الآثار على وجه الاعتبار والوقوف على شيء مما ذكر في هذا المقام. فعن ابن المبارك رحمه الله تعالى أنه قيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق السماء السابعة على العرش، بائن من خلقه. وفي رواية: ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه هاهنا في الأرض. فقيل لأحمد هذا، فقال: هكذا هو عندنا. وهذا رواه عبد الله بن أحمد في «السنة»، وبمعناه ابن منده والدارمي، وذكره في «اجتماع الجيوش الإسلامية» ابن القيم رحمه الله تعالى. وفي هذا أولا ما سبق من إثباتي أن الرب جل وعلا مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، وأنه بائن من خلقه. وهذه الكلمة: «كلمة بائن من خلقه»، وإن كانت ليست بلفظها في الكتاب والسنة، لكن معناها موجود في الكتاب والسنة. وهذا من باب الأخبار التي يتوسع فيها ما لا يتوسع في باب التسمية والصفة. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى شروطا في باب التوسع في باب الأخبار، أخبار التي قد يحتاج إليها. ومن هذه الشروط أن يكون معنى هذا المخبر به ثابت بالنص. فمعنى «بائن من خلقه» ثابت بالنص في قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، فهو بائن من خلقه جل وعلا، كما أنه يؤتى به لدفع معنى فاسد. فلما قالت الجهمية: بأن الله عز وجل في كل مكان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، احتاج أن يؤكد أهل العلم علو الرب جل وعلا واستواه على عرشه مع بينونته من خلقه سبحانه وتعالى. فباب الإخبار يتوسع به على خلاف ما يأتي في باب الأسماء والصفات؛ فإنه يتقيد بالنص من الكتاب والسنة، كما قال أحمد: لا يتعدى القرآن والحديث. فباب الإخبار يتوسع لإثبات معنى حق ورد معنى باطل، وكذلك دلالة النص على هذا المعنى الحق وذاك المعنى الباطل المدفوع. وهذا موجود في قول «بائن من خلقه». ونرى أن الإمامين الكبيرين الرازيين قد أثبتا هذا المعنى عن علماء الأمصار، وهكذا هو نقل عن ابن المبارك بالنص، وأقره الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وروي عن غيرهم رحمهم الله تعالى. وروى ابن أبي حاتم كذلك في رده على الجهمية، ونقله عنه غير واحد: أن هشام بن عبيد الرازي، صاحب محمد بن الحسن قاضي الري، حبس رجلا في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام -يعني الرازي- ليمتحنه، فقال: الحمد لله على التوبة. فامتحنه هشام فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما «بائن من خلقه». فقال: ردوه إلى الحبس؛ فإنه لم يتب. وذكره ابن القيم رحمه الله في كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية». والشاهد منه أن من لم يثبت أن الله جل وعلا بائن من خلقه، فهو لم يثبت العلو والاستواء على حقيقته؛ لأن الجهمية قد يحتالون ويثبتون الاستواء، وهم مع ذلك يثبتون معنى فاسدا؛ لأنهم يقولون: إن الله في كل مكان. إذن هو فوق العرش، وهو في العلو، وهو كذلك ماذا؟ وهو في كل مكان. وهو في كل مكان. ولهذا أكد ذلك هشام بن عبيد الرازي رحمه الله، فقال له: قل «بائن من خلقه». لم يكتف بأن يشهد بأن الله على عرشه حتى يشهد أنه بائن من خلقه. فلما قال: ما أدري ما «بائن من خلقه»، قال: ردوه إلى الحبس؛ فإنه لم يتب. وهكذا كذلك روي عن إمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان». رواه ابن عبد البر عنه، وروي من طرق كثيرة ذكره أهل تصانيف الاعتقاد عنه رحمه الله تعالى. فقوله: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان»، هو بمعنى «بائن من خلقه»، وهو معنى قول الإمامين الجليلين: كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بلا كيف، أحاط بكل شيء علما؛ فعلمه بكل مكان، وأما هو سبحانه وتعالى ففي علوه جل وعلا. فلابد من هذا المعنى. وهذا كذلك اللفظ الذي يكون فيه التدقيق بين مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب أهل التعطيل. وروى الحاكم رحمه الله تعالى في كتاب «علوم الحديث» بإسناده عن إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى أنه قال: «من لم يقر بأن الله تعالى فوق عرشه، قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على مزبلة؛ لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة». ثم ذكر ما نقل عن إمام الشافعي -أي ابن خزيمة قال: وإمامنا في الأصول والفروع أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه- احتج في كتابه «المبسوط» على المخالف في مسألة اعتاق الرقبة... ثم ذكر حديث معاوية بن الحكم السلمي، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال لها: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة». فأثبت لها الإيمان بإثبات العلو. فعلم أن من لم يثبت العلو فليس بمؤمن. والحديث بالصحيح مسلم. والشاهد من هذا أنه يثبت بإثبات العلو والاستواء على ما يليق بجلال الله تعالى وعظمته الإيمان، وينفى الإيمان عمن نفى. وروي عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي أنه ضرب قريبا له بالنعل على رأسه؛ إذ كان يرى رأي جهم، وهو يقول: لا أَدَعُكَ حتى تقول: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى بائن من خلقه». ذكره ابن أبي حاتم في «رده على الجهمية»، ونقله ابن القيم في «الاجتماع» وغير واحد. وعن محمد بن هناز البوشنجي، ذكر في «عقيدة الله»: «هذا ما رأينا عليه أهل الأمصار، وما دلت عليه مذاهبهم فيه، وإضاحوا منهاج العلماء وطرق الفقهاء، وصفة السنة وأهلها: أن الله فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه وقدرته وسلطانه بكل مكان». وهذا إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن علماء الأمصار، ليس فقط في زمن الرازيين، بل بعد ذلك كثيرا إلى زمن البوشنجي رحمه الله تعالى، وهم على هذه العقيدة: عقيدة أهل السنة والجماعة، من أن الله جل وعلا مستو على عرشه استواء يليق بجلال وعظمته، وأنه بائن من خلقه. وقوله: «وقولهما رحمهم الله: بلا كيف»، يعني بلا كيف معلوم. وإلا فالكيف موجود؛ فالكيف موجود؛ لأنه من علم الغيب؛ لأنه من خلقه. كما قال ربيعة، وعنه: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول». فالكيف موجود، لكنه مجهول؛ لأنه من علم الغيب، وعلم الغيب استأثر الله عز وجل به. عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحدا. والله عز وجل قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، على الوقف في القراءة السبعية على لفظ الجلالة، أي: وما يعرف تفسيره إلا الله. قالوا: هذا في معرفة حقائق الأشياء وكيفياتها مما هو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. وعلى القراءة الأخرى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وهي قراءة سبعية أخرى، يكون العلم الذي يعلمه خاصة أهل العلم والراسخون فيه من تفسير ما هو في إمكانهم. وأما الأول فما سبق. فقولهما: «بلا كيف»، أي بلا كيف معلوم. وأما الكيف فهو موجود، ولكنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. ولهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: إن الأسماء والصفات تثبت لله عز وجل من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. من غير تحريف: يعني للفظ أو المعنى. ومن غير تعطيل: أي للفظ والمعنى. وهكذا من غير تكييف: أي ذكر كيفية؛ لأن هذا من الغيب الذي لا يعلم إلا الله. ولا تمثيل: أي بشيء من خلقه؛ لأن هذا لا يجوز. فالله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ثم قال رحمهم الله: «أحاط بكل شيء علما». ويريدان أن علمه جل وعلا في كل مكان، وأما هو سبحانه وتعالى بذاته ففي علوه، مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. تأكيد لهذا المعنى الذي سيتي ضاحا إن شاء الله تعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم.