الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 17، الدرس السابع عشر:من( ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الفرقة والشذوذ والخلاف والفرقة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية اتباع السنة والجماعة واجتناب الشذوذ والخلاف والفرقة، مستدلاً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. هذا الاتباع مرتبط بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله.
يفسر المقطع معنى لزوم الجماعة ويبرز دلالة الآية "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا" على الوحدة. لزوم الجماعة يعني طاعة ولي الأمر والتمسك بالحق.
الاعتصام بحبل الله يعني التمسك بدين الإسلام والاجتماع على الحق. هذا المفهوم يظهر في كتاب الله وسنة نبيه، حيث حث على الاجتماع وعدم التفرق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الرازيان، رحمهم الله تعالى: «ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذود والخلاف والفرقة». كذلك مما نقلاه عن علماء الأمصار، ومما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة اعتقادهم باتباع السنة والجماعة، واجتناب الشذود والخلاف والفرقة. لاحظ قولهما: «ونتبع ونجتنب»، فإن كل مؤمن ومسلم يعتقد ذلك ويقر به، ويستيقن أنه كذلك عقيدة كل مؤمن ومسلم من أول أمر هذا الإسلام، وهكذا ينبغي أن يكون إلى آخره؛ لأن الأمر قد تضافرت به أنواع الأدلة، ونص على هذا كما نص غيرهم ممن قبلهم، كما نقلوا ذلك، وممن بعدهم؛ لأن هذا المعنى يناسب ذكره هاهنا لوجود معنى التفرق والخلاف والشذود، إن كان بلسان المقال أو بلسان الحال. فقد يقول قائل: «أنا مع الجماعة، وأنا على السنة»، لكنه يخالف ذلك، فالعبرة بالحقائق لا بالدعاوى. ولما كان أمر الخروج على الأمراء ونزع يد الطاعة، وكذلك ما سبقت الإشارة إليه من مسائل في ترك الفرائض معهم، وغيرها من مسائل سبقت الإشارة إليها من مظاهر ومعاني التفرق، ناسب تأكيد هذا المعنى في هذا المقام. ولهذا فإن أهل العلم ومن كتب في باب العقائد يذكر ويقرن هذه الجملة بأمر طاعة ولاة الأمور في طاعة الله، كما ذكر معناه الطحاوي رحمه الله، فقال بعد أن ذكر ما ذكر في أمر الطاعة: «ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذود والخلاف والفرقة»، نفس عبارة الرازيين. وهكذا كذلك اللالكائي رحمه الله في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، قال بعد هذا المعنى كذلك: «ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذود والخلاف والفرقة». وكل هذا يدلك على هذا المعنى العظيم الذي ينبغي أن يكون عليه أهل الإسلام في مقالهم وفي حالهم، ليس فقط في المقال، بل كذلك في الحال، أن يكون عملهم على ذلك. وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب ومن السنة، ومما نقل عن سلف الأمة. فمن أدلة الكتاب قول الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وهكذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. ليس الأمر بالدعوة، ولكن بالعمل. فحقيقة الاعتصام هو بمتابعة السنة ولزوم الجماعة كما سيأتي. وفي حديث العرباض بن سارية المشهور العظيم، قال عليه الصلاة والسلام: «أوصيكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». وانظر إلى اقتران الأمر بالسمع والطاعة مع الأمر بلزوم السنة والجماعة، فإنه أي معناه قد ذكر في السنة. وفي حديث عبد الله بن عمر بن العاص، وجاء عن غيره حديث الافتراق: «وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». وبينها في بعض الروايات أنها على مثل ما هو عليه وأصحابه، وهي صحيحة من جهة المعنى، وإن كانت ضعيفة من جهة السند. وفي بعضها: «أنها الجماعة»، والجماعة هم أهل الحق، وإن كان ذلك وحده أي صاحب الحق. وهكذا كذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «ورضيت لكم ثلاثًا: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». والحديث في صحيح مسلم، تقدم معنا. وهكذا من الآثار، أثر ابن مسعود، والآثار كثيرة، قال رضي الله عنه -وهو الأثر المشهور مر معنا-: «من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم». وذكر ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسير الآية: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، قال: يريد بذلك تعالى ذكره: «تمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله». وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية: «أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرق، ثم ذكر الأحاديث التي وردت في ذلك». ثم قال رحمه الله: «وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث». فذكر شيئًا، ثم ذكر رحمه الله تعالى أمر الافتراق، وقال بعده رحمه الله تعالى في أن الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هي التي تلزم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين. ولهذا ذكر غيره بأن المقصود اتباع جماعة الحق، فإن تغيرت الجماعة فيتمسك بالحق قبل تغير الجماعة. وكما روي عن ابن مسعود: «الجماعة من كان على الحق»، أو قال: «أهل الحق وإن كنت وحدك». وذكر القرطبي رحمه الله تعالى الآية، وقال بعدها عن ابن مسعود: «قال الجماعة يعني أن قوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾، حبل الله هم الجماعة». ثم ذكر أنه جاء معناه من غير وجه عن عدد من الصحابة والتابعين، وكلها متقاربة؛ فإن الله يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة؛ لأن الفرقة هلاك والجماعة نجاة. ثم ذكر رحمه الله قول ابن المبارك: «إن الجماعة حبل الله، فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن دانا». والمقصود أن الأمر بالاعتصام بحبل الله هو أمر بالاعتصام بالجماعة، وهم أهل الحق، هم أهل الحق الذين يجب الاعتصام بالحق الذي معهم. ثم ذكر أثر ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، قال: «متابعين للهوى والأغراض المختلفة»، يعني بالتفرق: متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا عباد الله إخوانًا. ثم بين رحمه الله أن الآية فيها دلالة على عدم التدابر والتقاطع، ويؤيده قوله سبحانه بعد ذلك: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. وذكر أثر ابن مسعود، وأثر ابن عباس في قوله: «يا حنفية الجماعة الجماعة، فإنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها، أما سمعت قول الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾». ففسر ابن عباس حبل الله بالجماعة، ففسر حبل الله بالجماعة، فهذا الذي أمرنا بالتمسك به. وهكذا صاحب الحق يسعى حول الحق، فإن كان للحق جماعة لزم هذه الجماعة وأميرها، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث حذيفة: «فيلزم جماعة المسلمين وإمامهم، وإن كان الإمام جائرًا وإن كان ظالمًا؛ لأن هذا هو المطلوب الاعتصام بالحق». فإننا لا نتابع الأمير في الباطل، وإنما نستعين بإمارته وإتلاف الناس واجتماعهم في إقامة الحق؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب، ونحن إنما أمرنا بأسباب الرحمة، فلذلك نحن نحافظ على الجماعة ونسعى إليها. وهكذا كذلك نستفيد من ذلك أن الأمر بلزوم الجماعة هو على ثلاثة معان: المعنى الأول لزوم الجماعة بلزوم ولي الأمر القائم بهذه الجماعة، وطاعته يقوم به الاجتماع. وعلى هذا وردت الأحاديث السابقة في أن من نزع يده من طاعة مات ميتة جاهلية. والمعنى الثاني: بلزوم الجماعة لزوم جماعة أهل الحق، إن كان الناس جماعات، وليس لهم إمام، فإنهم يلزمون جماعة أهل الحق. والمعنى الثالث: إذا لم يكن إمام ولا جماعة على حق، بل الناس تغيرت، كصاحب الحق يعيش في بلاد الكفر، أو يعيش في بلاد البدعة والتفرق، فهنا عليه أن يلزم الحق الذي عرفه قبل تفرق الناس وتغيرهم، يلزم الحق الذي عرفه قبل تفرق الناس وتغيرهم. وكل هذه المعاني الثلاثة مقصودة في معنى الجماعة، وقد جاء عن السلف عبارات كثيرة في تفسير الجماعة. وكما قال بعض العلماء في ذلك -فيما يذكر عن القرطبي وغيره-: «أنهم ذكروا معنى أو اختلاف أهل العلم في معنى الجماعة». ثم ذكر رحمه الله تعالى بأن الناظر في ذلك يعلم أن المقصود بذلك هو لزوم الحق والهدى الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وأحيانًا هذا الحق يكون بملازمة ولي الأمر المسلم ومن معه في هذه البلاد المسلمة، وأحيانًا يكون بلزوم جماعة الحق إن لم يكن هناك ولي أمر مسلم، وأحيانًا كما سمعنا يكون بلزوم الحق إذا لم يكن إمام ولا جماعة. وعلى هذا لا يضر الاختلاف في عبارات أهل العلم في الأمر بلزوم الجماعة ما دام أن المقصود هو هذا المعنى. فما جاء عن بعضهم من أنه لزوم ولي الأمر، أو لزوم الجماعة والسواد الأعظم، كما روي عن ابن مسعود وأبي مسعود وجماعة. أو ما روي عن بعضهم أنهم أئمة العلماء والمجتهدون منهم. أو كذلك ما روي عن بعضهم بأنه لزوم أهل العلم. وكل هذا المعنى روي عن جماعات من أهل العلم. فالمعنى الأول روي عن جماعة، والمعنى الثاني روي عن جماعة، والمعنى الثالث وهو لزوم الأئمة من العلماء روي عن ابن المبارك وإسحاق وجماعة من السلف. ولزوم أهل العلم ذكره الإمام البخاري وجماعة. وهكذا كذلك تلزم الحق ولو كان الحق مع رجل واحد، كما روي أن أبا حمزة السكري -جماعة- حين سئل ابن المبارك عن الجماعة، فقال: «أبو بكر وعمر». قيل له: «فقد مات أبو بكر وعمر». قال: «فلانًا وفلانًا». قيل له: «قد مات». قال: «عبد الله بن المبارك، أبو حمزة السكري -جماعة-». فأحيانًا يكون الجماعة رجلًا واحدًا إذا لم يكن إلا هو على الحق، فإنك تلزم طريقته ومذهبه ودينه الذي يدين لله عز وجل به. فإذا الجماعة ليس لفظًا منحصرًا بمعنى خاص، بل المقصود لزوم الحق بحسبه على ما سبقت الإشارة إليه. وإن قيل: عند هذا التفرق كل يدعي أنه أهل سنة وجماعة وأهل اجتماع وائتلاف، فكيف نعرف صاحب الحق من غيره؟ أجاب عن هذا أهل العلم بأن دعوى المدعي تعرض على حقيقة حاله وصفته. فأحق الجماعات بهذا الوصف هم أهل هذا الوصف. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «أحق الناس بالوصف بالفرقة الناجية هم أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله لعلمهم ولتمييزهم». ثم ذكر حالهم في معرفتهم بين الصحيح والسقيم، وكيف أن أئمة الفقهاء وأهل المعرفة بالمعاني وأهل الاتباع والتصديق وأهل العمل والحب والمعاداة هم أهل الحديث والسنة، فهم أولى الناس بهذا الوصف، هم أولى الناس بهذا الوصف. فالجماعة بلزوم ما كانوا عليه وما يكونون عليه هذا عند تفرق الناس، ولا ينافي لزوم ما كانوا عليه طاعة ولي الأمر في طاعة الله؛ لأنهم يأمرون بذلك، أهل السنة يأمرون بذلك، ليس من أهل السنة من يأمر بنزع يد الطاعة أو يأمر كذلك بالخروج على الحكام بلسان الحال أو بلسان المقال. بل أهل السنة والجماعة هم يأمرون بالمتابعة والطاعة في طاعة الله جل وعلا. لكن المقصود من هذا المعنى أنك قد تضطر لطاعة أو متابعة رجل واحد إذا كان عنده الحق، كما قال ابن مسعود فيما ذكره اللالكائي وغيره: «الجماعة ما وافق طاعة الله»، الجماعة ما وافق طاعة الله. فما وافق طاعة الله فهو الجماعة التي أمرت بلزومها والاستمساك بها. ومنه لزوم الإمام، كما قال ابن العربي رحمه الله: «والجماعة إذا اجتمعوا على الإمام فلا تحل لهم منازعته ولا خلعه، فمن لزوم الجماعة لزوم ولي الأمر المسلم». وهكذا كذلك نعرف بهذا أن لزوم الجماعة ليس أمرًا حسيًا، بل هو أمر معنوي أكثر من أن يكون أمرًا حسيا، هو أمر معنوي أكثر من أن يكون أمرًا حسيًا. ولهذا ذكر العلماء هذا المعنى في كتبهم وبينوه ووضحوه. قال ابن القيم رحمه الله: «حقيقة الاعتصام هو تحكيمه دون آراء الرجال»، يعني تحكيم الله سبحانه وتعالى دون آراء الرجال ومقاييسهم ومعقولاتهم وأذواقهم وكشوفاتهم ومواجيدهم. فمن لم يكن كذلك فهو منسل من هذا الاعتصام، فالدين كله في الاعتصام به وبحيه علمًا وعملًا وإخلاصًا واستعانة ومتابعة واستمرارًا على ذلك إلى يوم القيامة. ذكر هذا المعنى في المدارج رحمه الله تعالى. وقال الشوكاني رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾، قال: «الحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية»، يعني الحبل لغة مأخوذ من السبب، فالمقصود بحبل الله أي السبب الموصل إلى الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «وهو إما تمثيل أو استعارة، وهذا من مباحث البلاغة، المقصود أن فيه إشارة إلى غيره». قال: «أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين». فهذا لو تأملته وجدته يوافق كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. وهكذا قل في كل زمان ومكان أن المطلوب من أهل الإسلام أن يلتزموا بالسنة والجماعة، هو الحق والهدى الذي أمر الله عز وجل به، وكذلك يحذر من الشذود والفرقة. قال: «ونجتنب الشذود والخلاف والفرقة»، الشذود قد يكون قوليا وقد يكون عمليا. فالشذود القولي: الشذود بالعقائد أو الشذود بالعبادات أو الشذود بالمعاملات أو الأخلاق أو السلوك. فمنه ما هو قولي ومنه ما هو عملي. ومن شد شد في النار، حديث معناه صحيح، وروي بأسانيد فيها ضعف، وحسنها بعض أهل العلم. فالشذود منافي للسنة والاجتماع والإتلاف، فلذلك حذر منه علماء أهل السنة والجماعة، لا يجوز لمسلم أن يسلك مسلك الشذود، بل يجب عليه أن يسلك مسلك الاجتماع، ولو كان ذلك بالتنازل عن بعض الحق المجتهد فيه. ولا شك أن هناك مسائل قد يحصل فيها اختلاف إذا كانت ستؤدي لفرقة، فالاجتماع خير من الفرقة. وهذا المعنى له نظائر كثيرة في ديننا، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتماع في مواضع كثيرة، في الإمارة مع أن رأي الأمير قد يكون خطأ إذا لم يوافق على رأي بعض الرعية، ومع ذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام بطاعته في السفر والحضر إذا كانت له إمرة شرعية. ولا يجوز الخروج عن طاعته ما دام لا ينافي طاعة الله، وجعل طاعته من طاعة الله، وطاعته عليه الصلاة والسلام من طاعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك في مواضع في العبادات أمر بلزوم المسلمين في أعيادهم وفي صيامهم، مع أن ذلك قد يكون أحيانًا على وجه فيه خطأ، لكن لمضرة ومفسدة الفرقة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتماع. فالصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، كل هذا تحذيرًا من الشذود والخلاف والفرقة. وأرسل معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، وقال عليه الصلاة والسلام لهما: «تطاوعا ولا تختلفا»، تطاوعا ولا تختلفا. ومعنى التطاوع: فعل له فاعلان، يعني أن كل واحد من الآخر يلين بجانبه للآخر حتى يحصل الاجتماع على شيء، وقد يكون أحدهما مصيبًا والآخر مخطئًا، فما دام الأمر في اجتهاد فلكل مجتهد نصيب، وليس كل مجتهد مصيب، لكل مجتهد نصيب، نصيب من الأجر. فإذا كان الاجتماع لا يتم إلا بتنازل أحد الرجلين لرأي الآخر فليكن ذلك؛ لأن الاجتماع خير من الفرقة. فإذا كان هذا في اثنين فكيف بواحد يشد عن الجماعة؟ ولهذا ثبت عن جماعة من الصحابة أنهم تركوا قولهم وهم يعلمون أنه الحق طلبًا في الاجتماع؛ لأن الخلاف شر. ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى خلف عثمان رضي الله عنه في الموقف في الحج، فأتم عثمان الصلاة متأولًا رضي الله عنه وأرضاه، وابن مسعود وجماعة من الصحابة لا يخفى عليهم، وهم يعرفون أن السنة في هذا الموضع هو القصر، وليس الإتمام. بل راجعوا عثمان رضي الله عنه وأبى إلا أن يتم رضي الله عنه وارضاه. قيل: «أنه كان متأولًا لأنه تأهل في ذلك العام في مكة». وقد روي عنه فيما رواه الإمام أحمد في مسنده أن من تأهل بأرض فليتم فيها، والحديث يحسنه بعض أهل العلم، وبعضهم يضعفه. الشاهد أن عثمان رضي الله عنه أتم في الحج، والسنة في الحج القصر، فقال ابن مسعود: «ركعتان على السنة خير من أربع مع عثمان، ولكن الخلافة شر». تصور هذا المعنى لو عرض على بعض الناس اليوم على قواعدهم وأفهامهم لن يسلكوا ما سلك ابن مسعود وغيره من الصحابة في متابعة عثمان رضي الله عنه. بل على قواعدهم وأفهامهم سيشذون وسيسلكوا مسلك الفرقة بحجة متابعة السنة، وبحجة لزوم الحق، وبحجة إنما الطاعة للمعروف. وهل هذه المعاني الثلاثة كان يجهلها خيار الصحابة الذين صلوا خلف عثمان رضي الله عنه، وفيهم علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وباقي العشرة المبشرين وغيرهم من خيار المهاجرين والأنصار؟ الجواب: لا ما يخفى عليهم. ولكنهم علموا أن من معاني الاجتماع والاعتصام ترك الشذود والخلاف والفرقة، ومن ترك الشذود والخلاف والفرقة التطاوع في لزوم الاجتماع، ولو كان بالتنازل عن بعض الحق؛ لأنهم علموا أن هذا المعنى ثابت في نصوص الكتاب والسنة، وفي عمل نبينا عليه الصلاة والسلام وسيرته. ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يعيد البيت على أساس إبراهيم، وهو حق، أراد أن يعيده على أساس إبراهيم على خلاف ما هو عليه اليوم، وعلى خلاف ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مما غيره أهل الجاهلية. أراد أن يعيد البناء على أساس إبراهيم، فيدخل الحجر في البيت، وينزل الباب بالأرض، ويجعل له بابًا يدخل منه الناس وآخر يخرج منه الناس، وأن يفرق كنزها في سبيل الله، أربعة أشياء أراد أن يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام، وهو حق، ومع ذلك لم يفعله عليه الصلاة والسلام؛ طلبًا في الاجتماع والإتلاف والاعتصام، وخشية من وقوع الشذود والخلاف والفرقة. فهو تطاوع عليه الصلاة والسلام بالتنازل عن بعض ما علم من الحق، درءًا لمفسدة أكبر منه، وهو حصول التفرق والشذود والخلاف والفرقة. فهذا الفهم الذي فهمه الصحابة كان معهم، يستحضرونه في كل وقت وحين، في مواضع وقعت فيها نظائر هذا المعنى، فيحرصون على الاجتماع وعدم التفرق. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم والمؤمن حريصًا على الاجتماع والاعتصام، وبعيدًا عن الشذود والخلاف والفرقة. نكتفي بهذا القدر، ونترك ما تبقى لدرس لاحق، والله تعالى أعلم.