الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 6، الدرس السادس:من( وخير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق ... والترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتفق أهل السنة والجماعة على ترتيب الخلفاء الراشدين الأربعة، حيث يقدمون أبا بكر ثم عمر، ويختلفون في ترتيب عثمان وعلي. يُعتبر الترتيب الراجح هو أبو بكر، عمر، عثمان، ثم علي.
استعرض المقطع آراء العلماء في ترتيب خلافة الخلفاء الراشدين، واتفق أهل السنة على تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. كما تطرق إلى عقيدة أهل السنة في العشرة المبشرين بالجنة ومكانتهم.
يُبين فضل الصحابة ومكانتهم عند أهل السنة، ويحذر من الخوض في أعراضهم، مستدلاً بالأدلة من القرآن والسنة. كما يشدد على ضرورة الكف عما شجر بينهم وتطهير الألسنة من الخوض في أعراضهم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ما زلنا في قوله الإمامين الرازيين، رحمهم الله. وخير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، عليهم السلام، وهم الخلفاء الراشدون المهديون. وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: الحق، والترحم على جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والكف عما شجر بينهم. فهذه مجموعة من الفقرات والجمل هي من عقائد، أو من عقيدة أهل السنة والجماعة. وإما كان عليه عقائد علماء الأمصار، فكلهم على هذا القول، كما سبق معنا الإشارة إلى شيء من ذلك. وقوله، أو قولهما رحمهم الله، في أمر أبي بكر وعمر، سبق عليه الكلام. وهكذا كذلك عثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهما. وقد تضافرت الأدلة على فضل هؤلاء الأربعة. ومر معنا حديث ابن عمر: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنخير أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان»، والحديث في البخاري وغيره. وهكذا كذلك معناه في حديث محمد بن الحنفية في البخاري، قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. قال: وخشيت أن يقول عثمان. وهذا يدل على أن عثمان كان فضله معلومًا، حتى خشي أن يقول عثمان. قال: فقلت: ثم أنت؟ فقال: «ما أنا إلا رجل من المسلمين». والحديث في البخاري. وهكذا كذلك النقولات عن الأئمة، فروى عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، كما في «السنة» له، أنه سأله عن الأئمة، فقال: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. وهكذا كذلك نقل عن الشافعي، رحمه الله تعالى، فيما ذكره البيهقي في «مناقب الإمام الشافعي» عن الربيع، الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي يقول: التفضيل: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - يعني ترتيبهم في التفضيل على هذا الترتيب. وهكذا كذلك نقل نحوه الخلال في «كتاب السنة» عن الإمام أحمد، وعن جماعة. وهكذا كذلك قال عبد الله بن أحمد في «السنة»: سألت أبي عن قوم يقولون: إن عليًا ليس بخليفة، قال: هذا قول سوء ردي. وعن ابن أبي يعلى، أنه نقل عن الإمام أحمد، رحمه الله، أنه قال: من لم يربع بعلي في الخلافة، فلا تكلموه، ولا تناكحوه. وهكذا كذلك، وهذا ذكره في «طبقات الحنابلة». وذكر كذلك الخلال عن أبي بكر المروذي، قال: سمعت أبا عبد الله، وذكر التفضيل، فقال لي: كلمني عاصم في التفضيل، وأبو عبيد حاضر، فقلت: أبو بكر، وعمر، وعثمان. قال: وأوراه. قال: احتججت بحديث بن عمر - يعني معناه - أن الإمام أحمد ذكر الثلاثة، وسكت عن الرابع، وذكر حديث عبد الله بن عمر الذي تقدم معنا. فقال عاصم: نقول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. ووافقه أبو عبيد. قال: فقلت لأبي عبيد: لست أدفع ما تقول يا أبا عبيد. قال: ففرح بها. وهذا ذكره الخلال في «السنة». وكأن هذا يشير به الإمام أحمد، رحمه الله، إلى قول بعض الناس في زمانه، إذ كانوا يتوقفون في عثمان. وها هنا مسألتان: المسألة الأولى مسألة التفضيل. فإن كلمة عموم أهل السنة، سلفًا ومن تبعهم من الخلف، اتفقت على تقديم أبي بكر، ثم عمر، واختلف بعض الناس في عثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهما. وقد أشار إلى هذا الخلاف الخلال في كتابه «السنة». وهكذا نقل معنى ذلك غير واحد من أهل العلم. وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في مواضع من كتبه، كالفتاوى، ونص عليه في «الواسطية». وهكذا ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية». وخلاصة ذلك: أن الأقوال المروية أربعة، وإن كان قد استقر قول جمهور أهل السنة على هذا الذي ذكر في هذه العقيدة، وفي جميع عقائد أهل العلم المؤلفة في عقيدة أهل السنة والجماعة. وهذا يدل أن الخلافة الذي أشير إليه انتهى واندثر، وأنه استقرت كلمة علماء الأمصار على ترتيبهم في الفضل، كترتيبهم في الخلافة، أو ترتيبهم في الخلافة كترتيبهم في الفضل، سواء. فكانت هذه الأقوال أربعة. أولها - بعد الاتفاق على تقديم أبي بكر، عمر - التوقف في التفضيل بين عثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهما. وروي ذلك عن طائفة من أهل المدينة، وهو رواية عن الإمام مالك، كما أشار إلى ذلك الخلال. وهكذا كذلك نحوه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم. وهذا القول إن دثر. وهكذا كذلك القول الثاني - بعد تقديم أبي بكر وعمر - تقديم عثمان، ثم السكوت - يعني لا يذكر بعد عثمان شيء. وهذه رواية نقلت عن بعض أهل العلم، وبعضهم رواها عن الإمام أحمد. ولكن كما رأينا في الأثر المذكور صريح العبارة: أن الإمام أحمد لا يقول بذلك. ولو كان قال به في أول الأمر، فإما أن يكون أراد به أن يختبر رأي من سأله، وإما أن يكون قال به ثم رجع عنه. وكل الأمرين يدل على أنه، رحمه الله، لا يقول بهذا القول. والثالث - بعد تقديم أبي بكر وعمر - تقديم علي على عثمان. وهذا القول روي عن طائفة من الكوفيين، وهي رواية عن الثوري. قيل: إنه رجع عنها حين اجتمع بأيوب السختياني، رحمه الله تعالى، فصار يقول: من قدم عليًا على عثمان، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار - يعني أن المهاجرين والأنصار لا يمكن أن يجتمعوا على ضلال. والقول الرابع - وهو الذي اتفقت عليه كلمة أهل السنة، وصار عقيدة أهل السنة - بعد تقديم أبي بكر، ثم عمر، تقديم عثمان، ثم علي، رضي الله تعالى عنهم جميعًا. وهو قول جمهور أهل الحديث وأهل السنة عمومًا، وعليه يدل النص والإجماع. وهو كما رأينا فيما نقله هذان الإمامان عن عموم علماء الأمصار، شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا. وقولهما: والعشرة - أي كذلك مما يعتقده أهل السنة - أن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد لهم بالجنة، نشهد لهم بذلك على ما شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: الحق. وقد صحت بذلك أحاديث من أحاديث سعيد بن زيد، رضي الله تعالى عنه، في ذكر العشرة المبشرين بالجنة. وقد سئل الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، في ذلك، وذكر نحو هذا. وله رسالة مشهورة أرسلها إلى مسدد، رحمهم الله تعالى، وفيها شيء من عقيدته. وقال: «وأن تشهد للعشرة أنهم في الجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيد بن الجراح. ومن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، شهدنا له بالجنة». ذكره ابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد»، رحمه الله تعالى. بل هذا كما قال بعض أهل العلم: تدل عليه النصوص. فقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:100]، قال: إذا لم يكن العشرة من هؤلاء، فمن هم هؤلاء - أي السابقون الأولون. وبعضهم استدل بقول الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور:55] الآيات، أنها منطبقة على الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، أعظم انطباق. وشهادتهم بذلك شهادة حق. فإذا كان كذلك، فقد شهد الصحابة أن هؤلاء العشرة، وأن الأربعة على وجه الخصوص، هم أهل خلافة الحق. وجعل عمر، رضي الله تعالى عنه، بقية العشرة أهل الشورى، كما هو متواتر في السير، وصحت به السنن. وقوله بعد ذلك: ومن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، أو معنى قولهم، رحمهم الله تعالى - يعني غير هؤلاء العشرة - مما جاءت الأدلة بذكر فضلهم، وهم كثر، كأهل بدر، كما تقدم، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر. ففي الصحيحين، من حديث علي، رضي الله عنه، أنه قال: أي النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: «وما أدراك يا عمر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم». وهكذا كذلك من هؤلاء أهل بيعة الرضوان، ومن كذلك يقال لهم: أهل بيعة الشجرة؛ لأنهم بايعوا تحت الشجرة. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، في صحيح مسلم وغيره، من حديث أم مبشر، أنه قال - وهو عند حفصة - أي النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة». وكانوا قرابة ألف وأربعمائة، كما جاء في حديث جابر وغيره. ولهذا صار هناك فرق بين من أنفق وأسلم قبل الفتح، ومن كان بعد ذلك - أي الفتح الذي هو الصلح الحديبية - سماه الله عز وجل فتحًا، كما قال عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:10]. فكل الصحابة أهل حسنى - أي أهل عمل حسن، وأهل وعد حسن عند الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك الجنة، ولكن هم يتفاوتون في الفضل. فمنهم من خصوا، كما سبق في بعض ما ذكر. ومنهم من سماهم النبي صلى الله عليه وسلم. فكل ذلك نشهد به جملة وتفصيلًا. وهكذا من شهد لهم بالجنة، ولو أفرادًا، كالحسن والحسين. صح عنه عليه الصلاة والسلام، في حديث ابن عمر عند ابن ماجة، بإسناد حسن، أنه قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». وهكذا عكاشة بن محصن، كما في حديث ابن عباس بالصحيحين. وثابت بن قيس، كما في الصحيحين - يعني ابن شماس. وعبد الله بن سلام، وخديجة كذلك، كما جاء في البخاري، من حديث عبد الله بن أبي أوفى. وفاطمة - أي بنت النبي عليه الصلاة والسلام - ورضي الله عنها. وهكذا بلال، كما جاء عند الترمذي، من حديث بريدة. وهكذا سعد بن معاذ، رضي الله تعالى عنهم جميعًا وأرضاهم. وهكذا قولهم: والترحم على جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والكف عما شجر بينهم. كذلك من عقيدة أهل السنة. وما نقل عن علماء الأمصار: أنه يترضى ويترحم على جميع الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ورحمهم الله. كما جاء في ذلك الأدلة الكثيرة. فلا يذكرون إلا بخير، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه». والحديث في الصحيحين. وقال عليه الصلاة والسلام: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم، أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت - فإذا ذهبت أنا - أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي، أتى أمتي ما يوعدون». والحديث في صحيح مسلم. وهذا يدل على عظيم فضلهم، رضي الله عنهم أرضاهم. وقال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فأولوية الفضل للصحابة، رضي الله تعالى عنهم. ونصوص الكتاب والسنة متضافرة بذلك. فهم لا يذكرون إلا بالجميل، ولا يذكرون إلا بالخير. وما قد يكون قد صدر من بعضهم، فإنهم مع ما عندهم من فضل، يغفر لهم ذلك في جانب ذاك الفضل الكثير. وكما قال ابن القيم، رحمه الله: «الماء إذا بلغ القلتين، لم يحمل الخبث. فإذا كان الماء الكثير، النجاسة تضيع فيه، ولا تؤثر فيه. فكذلك هؤلاء الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. لو قدر أنه وقع منهم خطأ محقق، فهو مغفور في جانب عظيم حسناتهم وفضلهم وسابقتهم ونصرتهم لله ولرسوله ولدينه، رضي الله تعالى عنهم أرضاهم». فكيف إذا انضاف إلى ذلك: أن أكثر ما قد ينقله بعض أعداء السنة والدين والصحابة من أهل الأهواء عنهم، هو من المكذوب عليهم، كما يفعل الرافضة في حق من عاد أهل البيت. وكما يفعل الناصبة في حق أهل البيت. وكل الطائفتين على ضلال وخطأ. وأكثرهما، أو أكثر الطائفتين، تروي الكذب الكثير في ذلك، كما نص العلماء على ذلك. ومقام هذا يطول. وهكذا كذلك كيف إذا انضاف إلى ذلك: أن أكثر ما يروى في ذلك هو من الاجتهاد الذي صاحبه بين الأجر والأجرين. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، في الصحيح، أنه قال: «إذا اجتهد الحاكم، فأخطأ، فأصاب، فله أجران. وإذا اجتهد، فأخطأ، فله أجر». فهم بين الأجر والأجرين. ولو قدر أنه وقع منهم شيء محقق مما يستوجب التوبة، فهم أقرب للتوبة من غيرهم؛ لسابقتهم وفضلهم وشهادة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم لهم بالفضل. فإن كان غيرهم من المسلمين يرجى له التوبة ومغفرة الرب سبحانه، فهم أقرب للتوبة ومغفرة الرب سبحانه وتعالى. فكيف إذا كان معه ذاك الفضل؟ فكيف إذا كان أكثر ما يروى هو مما محل اجتهاد؟ فكيف إذا كان أكثر ما يذكر هو من الكذب والمفترى عليهم؟ فلهذا كله، وغيره، وغيره، يجب الكف عما شجر بينهم. فلا يذكرون إلا بالجميل. وكما روي عن عمر بن العبد العزيز، رحمه الله، أنه كان يقول: «تلك دماء طهر الله عز وجل سيوفنا منها. فيجب أن نطهر ألسنتنا منها» - يعني من الخوض في أعراضهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.