شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 11

شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 11

الدرس في شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أقسام الناس في مقام الشرع والقدر

يناقش هذا الفصل أقسام الناس في مقام الشرع والقدر، حيث قسم شيخ الإسلام ابن تيمية الناس إلى أربعة أقسام بناءً على تحقيقهم لأصلي الشرع وأصلي القدر. يبين الفصل خصائص كل قسم ومآلهم.

بدع الطوائف المختلفة ومخالفتها للسنة

يتناول هذا الفصل أقسام الناس مع الشرع والقدر، ويشرح كيف أن بعض الطوائف مثل الجهمية والمعتزلة والكرامية والصوفية قد ضلوا عن الصراط المستقيم بسبب بدعهم ومخالفتهم لجماعة المسلمين وسنتهم. يبين أن كل طائفة لها ضلالها وبدعها بقدر ما فارقت به جماعة المسلمين وسنتهم.

الفرق الضالة وأهل السنة والجماعة

يتناول هذا الفصل شرحًا للفرق الضالة وأهل السنة، ويوضح أن أهل البدع يتفاوتون في الضلال، ويبين أن أهل السنة والجماعة هم على الهدى المستقيم، ويحذر من أئمة الضلال الذين يغيرون فطرة العامة.

التفريغ النصي الكامل

محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الرسالة النافعة، المال آخر ما وقفنا عليه ما ذكره رحمه الله في الشرع والقدر، وما يكون عليه حال المسلم أثناء ذلك، وما ينبغي أن يكون عليه. ونكمل إن شاء الله ما يتعلق بهذا بالفصل الذي بعده. نعم، قال شيخ شيخنا، وغفر الله له ولشيخنا وللقاريء والسامعين: فصل والناس في هذا المقام -مقام الشرع والقدر- أربعة أقسام. الأول: من حققوا هذه الأصول الأربعة: أصلي الشرع وأصلي القدر، وهم المؤمنون المتقون الذين كان عندهم من عبادة الله تعالى والاستعانة به ما تصلح به أحوالهم، فكانوا لله وبالله وفي الله. وهؤلاء هم أهل القصد والعدل الذين شهدوا مقام الربوبية والألوهية، وهم أعلى الأقسام. فإن هذا مقام الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. الثاني: من فاتهم التحقيق في أصلي القدر، فكان عندهم من عبادة الله تعالى والاستقامة في شرعه ما عندهم، لكن ليس عندهم قوة في الاستعانة بالله والصبر على أحكامه الكونية والشرعية، فيصيبهم عند العمل من العجز والكسل ما يمنعهم من العمل أو إكماله، ويلحقهم بعد العمل من العجب والفخر ما قد يكون سببًا لحبوط عملهم وخذلانهم. وهؤلاء أضعف ممن سبق وأدنى مقامًا وأقل عدلًا؛ لأن شهودهم مقام الإلهية غالب على شهود مقام الربوبية. الثالث: من فاتهم التحقيق في أصلي الشرع، فكانوا ضعفاء في الاستقامة على أمر الله تعالى ومتابعة شرعه، لكن عندهم قوة في الاستعانة بالله والتوكل عليه، ولكن قد يكون ذلك في أمور لا يحبها الله تعالى ولا يرضاها، فيعانوا ويمكنوا له بقدر حالهم، ويحصل لهم من المكاشفات والتأثيرات ما لا يحصل للقسم الذي قبله، لكن ما يحصل لهم من هذه الأمور يكون من نصيب العاجلة الدنيا. وأما عاقبته فعاقبة سيئة؛ لأنه ليس من المتقين، وإنما العاقبة للمتقين. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65]، ليكفروا بما آتينهم وليتمتعوا فسوف يعلمون. فالله تعالى يعلم أن هؤلاء سيشركون بعد أن ينجيهم، لكن مما كانوا في البحر كانوا مخلصين في دعائهم الله تعالى، ولكن لما كانوا في البحر كانوا مخلصين في دعائهم الله تعالى أن ينجيهم صادقين في تفويض الأمر إليه حصل مرادهم. ولما لم يكن لهم عقالة لم يستقم أمرهم، وكان عاقبة أمرهم خسرًا. الرابع: من فاتهم تحقيق أصل الشرع وأصل القدر، فليس عندهم عبادة لله تعالى ولا استعانة به ولا لجوء إليه عند الشدة، فهم مستقبلون عن عبادة الله مستغنون بأنفسهم عن خالقهم، وربما لجأوا في الشدائد وإدراك مطالبهم إلى الشياطين، فأطاعوها فيما تريد وعاونتهم فيما يريدون، فيظن الظان أن هذا من باب الكرامات وهم من باب الإهانات؛ لأن عاقبتهم الظل والهوان. وهذا القسم شر الأقسام. هذا الفصل جعله رحمه الله تتمة للفصل الذي قبله. ولما ذكر في الفصل الذي قبله الأصول الأربعة -وهما أصلان في الشرع وأصلان في القدر- فأما أصلي الشرع فما ذكره رحمه الله مما يكون بالشرع من العلم والعمل، وما يكون بعده من الاستغفار والتوبة. وأما أصلي ما ذكر من أصلي القدر فهو ما يكون قبله من التوكل وحسن الظن، وما يكون بعده من الصبر والشكر أو الرضا، كما تقدم في أقسام الناس مع البلاء، وهو من تمامي تحقيقي ما يجب في القدر وما يستحب. فناسب أن يذكر أحوال الناس في هذين الأصليين في الشرع والأصليين في القدر، فذكر الأقسام الأربعة. وأولهم أتباع الأنبياء؛ فإنه قال: «أهل القسط والعدل الذين شهدوا مقام الربوبية والألوهية، وهم أعلى المقامات، مقامهم مقام الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا». ثم ذكر ثلاثة أقسام. وما رد هؤلاء الأقسام الثلاثة إلى قسمين: القسم الأول الذين علموا ولم يعملوا، والقسم الثاني الذين عملوا بغير علم؛ لأن هؤلاء الأقسام الثلاثة -أي القسم الأول أهل القسط والعدل، والقسمين بعده- قد ذكر في فاتحة الكتاب: «صراط الذين أنعمت عليهم» هؤلاء هم أهل القسط والعدل، «غير المغضوب عليهم» هؤلاء أهل العلم دون العمل، «ولا الضالين» هؤلاء أهل العمل بغير علم. ثم ذكر رحمه الله القسم الثاني والثالث والرابع. وعند تأمل هذه الأقسام الثلاثة نجدها تدخل في القسمين المذكورين. فإن القسم الثاني من فاته تحقيق أصلي القدر، عنده من العبادة والاستقامة بشرع الله، لكن ليس عنده قوة الاستعانة بالله والصبر على أحكامه الكونية والشرعية. والسبب ما هو؟ عدم العلم. عبد الله بجهل، وهو من الضالين. ولذلك يغلب على صاحبه العجب والغرور والفخر؛ لأن العلم لا يزيد صاحبه إلا تواضعًا. وأما الجاهل فجهله يعطيه الكبر. ولذلك لا يرضى الجاهل أن تقول له: يا جاهل. لكن العالم يرضى أن تقول له: يا جاهل؛ لأنه يعرف نفسه، عرف قدر نفسه. لكن الجاهل يريد أن يذهب ويبعد عن نفسه ما هو فيه. فلذلك يقع العجب والغرور من الجاهل أكثر من أن يقع من العالم. طالب العلم المبتدئ يصف الجهلاء. ولذلك يحصل منهم العجب والغرور. لكن إذا بلغ مرتبة عالية في العلم على العكس، إذا قيل: يا عالم، يقول: ما أنا إلا طالب علم. لماذا؟ لأن العلم يورث التواضع، ويعرف قدر نفسه أنه فعلًا ما بلغت المرتبة التي أرجوها في العلم. فلا يمكن أن يصدر من عالم حقيقي عجب وغرور. إنما يأتي العجب والغرور من أهل الجهل وأشباههم. كما قال بعض أهل العلم: «أهل الشبر أبو شبر». فأبو شبر هو المتعالم الذي يستنكف أن يوصف بالجهل. القسم الثالث -كما ذكر رحمه الله- من فاتهم التحقيق في أصلي الشرع، فكانوا ضعفاء في الاستقامة ومتابعة شرعه، لكن عندهم قوة في الاستعانة بالله والتوكل. هذه القوة من أين جاءت؟ من العلم. وهذا الضعف من أين جاء؟ الضعف بالعمل، من جهة الشهوة أو الشبهة. إذن هذا من أي قسم؟ من المغضوب عليهم الذين علموا ولم يعملوا. علموا ولم يعملوا. وأما القسم الرابع، قال: من فاتهم تحقيق أصل الشرع وأصل القدر، فاته الاثنين: شرع والقدر، فليس عندهم عبادة ولا استعانة ولا لجوء عند الشدة، وهم مستكبرون عن عبادة الله، مستغنون بأنفسهم عن خالقهم، وربما لجأوا في الشدائد وإدراك مطالبهم إلى الشياطين. وهؤلاء الذين حرموا الدين كله، لا أهل العلم ولا أهل عبادة. فإذا حرموا العلم والعبادة، تخطفتهم الشياطين: شياطين الجن والإنس، فكانوا أتباع كل ناعق. إن أخذهم شياطين الجن كانوا مع السحرة والكهنة وأهل الوثنية، من القبورية سواء. إن كانوا خارج الإسلام فما أكثرهم! لا كثرهم الله! من الفرق التي تضل الناس بسبب عدم العلم وعندهم بالدين. وإن كانوا في الإسلام، وهم من هذه الفرق الضالة كذلك، لا كثرهم الله! الذين يضلون الناس. ولا يتبعهم إلا من ليس عنده علم ولا دين؛ لأن الذي ما عنده علم ولا عنده دين، ليس عنده شيء يزن به. لأن ما عند هؤلاء ينافي العلم وينافي الدين. لو كان إنسان ما عنده علم وعنده دين، حين يأتي ويرى الفساد الذي هم فيه، دينه يمنعه التولو. ما كان عنده علم؛ لأن هؤلاء عندهم فساد عظيم: فساد في أكل الأموال بالباطل، فساد في اختلاط الرجال والنساء، وفعل الفواحش، واستحلال المحرمات. لا يمكن لإنسان عنده ذرة من دين يرى هذه الطريقة ولو لم يكن عنده علم. وكان عنده دين ما استطاع أن يستمر معهم، سينسحب ويتركه. ولو كان عنده علم وليس عنده دين كذلك، العلم سيكون سبب لعتابه، ما يستطيع كذلك أن يواصل معهم؛ لأن الشر والفساد الذي عندهم فوق ما يتصور الإنسان من مخالفة العلم. إنسان ما دام عنده علم، فهناك حدود. يعني إنسان الذي لا يعمل بالعلم يعمل في جوانب اثنين ثلاثة، لكن ينسلخ فيكون ملحد، هذا صعب. وهؤلاء فعلهم فعل الملحدين، ما يبقى عندهم حلال ولا حرام. كما تقدم معنا: فإنهم يرون أن الناس أهل شريعة وأهل حقيقة. فأهل الحقيقة خرجوا من الدين، لم يفعلوا الواجبات، ولا يقفوا عند محرم، ولا يتورعوا. وأهل الشريعة إذا خرجوا عن الشريعة إلى فعل أهل الحقيقة ما أوخذوا، ولا ينتقدوا كما ينتقد عصاة المسلمين. فإذا يتجرأ يتجرأ حتى صاحب الشريعة -كما يقولون- يتجرأ أن يفعل فعل صاحب الحقيقة. وعند ذلك لا تسأل عن الفساد الذي يكون. وهذا كله يكون غالبًا عند الرعاع الذين هم أتباع كل ناعق، وهم شر الأقسام -كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى- شر هذه الأقسام. وبهذا يكون الشيخ قد استقصى -تبعًا لصاحب الأصل- أقسام الناس مع الشرع والقدر. نعم، قال رحمه الله: «فصل في المفاضلة والمقارنة بين أرباب البدع». تبار المتكلمين الذين يدعون التحقيق وينتسبون إلى السنة، يرون التوحيد عبارة عن تحقيق توحيد الربوبية. وطوائف من أهل التصوف الذين ينتسبون إلى التحقيق والمعرفة، غاية التوحيد عندهم شهود توحيد الربوبية. ومعلوم أن هذا هو ما أقر به المشركون، وأن الرجل لا يكون به مسلمًا، فضلًا عن أن يكون وليًا من أولياء الله، أو من سادات أولياء الله تعالى. وطائفة أخرى تقرر هذا التوحيد مع نفي الصفات، فيقعون في التقصير والتعضيل. وهذا شر من حال كثير من المشركين. والجهم بن صفوان، إمام الجهمية نفاة الصفات، يغلون في القضاء والقدر، ويقول بالجبر، فيوافق المشركين في قولهم: «لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء». لكنه يثبت الأمر والنهي، فيفارق المشركين. إلا أنه يقول بالإرجاء، فيضعف الأمر والنهي والعقاب عنده؛ لأن فعل الكبيرة عنده مؤمن كامل الإيمان، غير مستحق للعقاب. والنجارية أتباع الحسين بن محمد النجار، والضرارية أتباع ضرار بن عمر، وحفص الفرد، يقربون من جهم في مسائل في مسائل القدر والإيمان، ما مقاربتهم له؟ أيضًا في نفي الصفات. والكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، والأشعرية المنتسبون لأبي الحسن الأشعري، خير من هؤلاء في باب الصفات؛ فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية. وإمامهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة. وأما في القدر ومسائل الأسماء والأحكام، فأقوالهم متقاربة. وأصحاب بن كلاب -كالحارث المحاسبي- خير من الأشعرية في هذا وهذا. والكرامية أتباع محمد بن كرام، قولهم في الصفات والقدر والوعد والوعيد، أشبه من أكثر طوائف أهل الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة. وأما في الإيمان، فقولهم منكر لم يسبقهم إليه أحد؛ فإنهم جعلوا الإيمان قول اللسان فقط، وإن لم يكن معه تصديق القلب. فالمنافق عنده مؤمن، ولكنه مخلد في النار. والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، يقاربون قول جهم في الصفات، فينفونها. وأما في القدر والأسماء والأحكام، فيخالفونه. ففي القدر يقولون: إن العبد مستقل بعمله، كامل الإرادة فيه، ليس لله في عمله تقدير ولا خلق. ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب. وجهم يقول: إن العبد مجبر على عمله، وليس له إرادة فيه. وفي الأسماء والأحكام يقول المعتزلة: إن فعل الكبيرة خارج عن الإيمان، غير داخل في الكفر، فهو في منزل بين منزلتين. ولكنه مخلد في النار. ويقول جهم: إنه مؤمن كامل الإيمان، غير مستحق لدخول النار. والمعتزلة تخرج من الجهمية فيما خالفوهم فيه من القدر والأسماء والأحكام؛ فإن إثبات الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من إثبات الجهمية. لم يوجد في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي والوعد والوعيد. ووجد في زمنهم القدرية والخوارج الحرورية. وإنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخف. وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة، قويت البدعة. وكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب، كان قوله أعلى وأفضل. والمتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن الأمر والنهي، شر من القدرية المعتزلة ونحوهم؛ لأن هؤلاء المتصوفة يشبهون المشركين الذين قالوا: «لو شاء الله ما أشركنا». والقدرية يشبهون المجوس الذين قالوا: «إن للعالم خالقين». والمشركون شر من المجوس. أما الصوفية الذين عندهم شيء من تعظيم الأمر والنهي، مع مشاهدة توحيد الربوبية وإقرارهم بالقدر، فهم خير من المعتزلة. لكنهم معتزلة من وجه آخر؛ حيث جعلوا غاية التوحيد مشاهدة توحيد الربوبية والفناء فيه، فاعتزلوا بذلك جماعة المسلمين وسنتهم. وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرًا من بدعة أولئك المعتزلة. وكل هذه الطوائف عندها من الضلال والبدع بقدر ما فارقت به جماعة المسلمين وسنتهم. ودين الله تعالى ما بعث به رسله وأزل به كتبه هو الصراط المستقيم، طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه -خير الأمة- الذين هم خير الأمم. وقد أمرنا الله تعالى أن نقول في صلاتنا: «اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين». فالمغضوب عليهم كاليهود، عرفوا الحق فلم يتبعوه. والضالون كالنصارى، عبدوا الله بغير علم. وكان يقال: «تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل». قال ابن مسعود رضي الله عنه: «خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيمًا. وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه. ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]». وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «يا معشر القراء استقيموا، وخذوا طريق من قبلكم. فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا. ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا». فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «من كان منكم مستنيًا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا. قوم اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم على الهدى المستقيم». أسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن لا يزغ قلوبنا بعد إذ هدانا. والحمد لله رب العالمين. تم في الثاني والعشرين من شهر جمادى الأولى لعام ألف وأربع مئة وعشرة من الهجرة النبوية. نعم، هذا الفصل جعله رحمه الله تعالى خاتمة للفصول التي قبله. وفيه المفاضلة والمقارنة بين أرباب أهل البدع. وقد تقدم معنا أن أهل البدع باعتبار الشرع والقدر أقسام. فباعتبار مبحث الأسماء والصفات، فهم أربع فرق: أهل تمثيل، وأهل تعطيل، وأهل تجهيل، وأهل تخيل. أولًا أربع فرق. ومنهم من يجعلهم ثلاث، فيدخل أهل التجهيل فيمن؟ في أهل التعطيل. في التفصيل أربع فرق. والفرقة الخامسة هم أهل الحق، أهل الدليل وسواء السبيل. ثم مر معنا كذلك أن هؤلاء في باب الأسماء والصفات يتفاوتون. فشرهم من لا يثبت اسمًا ولا صفة، وهم الجعدية. ثم أخف منهم الجهمية. ثم أخف منهم المعتزلة. ثم أخف منهم الكلابية. ثم أخف منهم الأشاعرة. ثم الماتريدية. وهذه المسميات يدخل فيها طوائف من الناس، من الفقهاء وغيرهم من أهل الفرق، فيكثر في المعتزلة الرافضة، ويكثر كذلك في المعتزلة الخوارج الأباضية، وغيرهم من فرق التي تميل إلى فكر الخوارج. يجدهم في باب الاعتقاد غالبًا يكونون معتزلة. وأكثر المتصوفة والباطنية، والمتفقهة من المتأخرين منهم خاصة، يكونون من الأشاعرة والماتريدية. وأكثر العقلانيين من ملاحدة المسلمين، ومن يقرب منهم، يجدهم أهل تخيل. وكثير ممن ينتسبون إلى السلف، أهل الحديث والإمام أحمد، من ضل منهم يكون من أهل التجهيل -يعني أهل التفويض-. وأما أهل الدليل وسواء السبيل، وهم أهل السنة والجماعة، ومن وافقهم ممن هو على الفطرة من عوام المسلمين، أكثر عوام المسلمين. إذا لم يضلهم إمام منحرف، على الفطرة، يقول: «أنا على الكتاب والسنة»، «أنا على ما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، «أنا ما عليه خلفاء الراشدون». إن لم يقوله باللفظ، قاله بالمعنى. إذن عقيدته -إن شاء الله- عقيدة سنية سلفية. وإن أخطأ في بعض العبارات، لكنه في الغالب على السنة وعلى الفطرة. قد تتغير هذه الفطرة في وجود دعاة الضلالة والسوء. فأئمة الضلال هم الذين يغيرون فطرة العامة. العامي قبل أن يلتقي فطرة الضلال، ما تجده يقول في الله عز وجل إلا أنه في العلو -كما قالت الجارية- إن سألها النبي صلى الله عليه وسلم على الفطرة. لكن إذا اختلط بأئمة الضلال، تأتي مقولات الفلاسفة والمقولات البدعية: «لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت». هذه العبارات ما يأتي بها عامي أبدًا، حتى لو قالها العامي، فهو أخذها منمن أئمة الضلال. وهكذا مباحث الصفات. لو سألت العامي: «استوى»، «استوى» معروف. «استوى»، لكن لا تكلمني في التفاصيل أكثر، على فطرته. لكن الذي اختلط بأئمة الضلال يقول: «لا، استوى بمعنى استولى». من أين؟ من أين جئت بأستوى استولى؟ لو فتشت، هل بفطرتك؟ لا، سمعت شيخ يقول. إذن انحرفت الفطرة بأئمة الضلال. وهنا إشكال ذكره الشيخ رحمه الله -تبعًا لصاحب الأصل- أن الحارث المحاسبي من الكلابية أفضل من الأشاعرة. كيف؟ أنا قلنا: أن الترتيب في باب الأسماء والصفات، هؤلاء أشد وهؤلاء أخف؛ لأن الأشاعرة أثبتوا سبع صفات. كلابية لم يثبتوا هذه السبع. يعني هم أشد، وهم أقرب إلى المعتزلة. كلابية وسط بين الأشاعرة والمعتزلة. الجواب من وجهين: الوجه الأول: أن الحارث المحاسبي -كشخص- أفضل مما عليه الأشاعرة، لا كمذهب وفرقة. كشخص؛ لما عنده من الدين، وما عنده من العمل. والجواب الثاني: أن مذهب الكلابية بالجملة، باعتبار المباحث الأخرى، أفضل من الأشاعرة. أما في باب الأسماء والصفات، الأشاعرة أفضل من الكلابية. تدرون أن عندنا مسائل القدر، عندنا مسائل الإيمان، ومسائل أخرى. فباعتبار هذه المسائل، الكلابية أفضل من الأشاعرة. ولكن باعتبار الأسماء والصفات، الأشاعرة أفضل من الكلابية. فهذان جوابان أجيب على هذا التفضيل. وكذلك الفرق في باب القدر، وقد تقدم الكلام عليهم بما يغني عن الإعادة. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هنا بعض الفرق من باب التوضيح. ومن أئمتها الجهمية، وكذلك الجبرية والمرجئة. وذكر بعض الفرق كالضرارية والكلابية والأشاعرة ونحوهم. والمراد بهذا التمثيل لا الحصر؛ وإلا في الفرق كثيرة. إنما أراد الشيخ رحمه الله -تبعًا لصاحب الأصل- أن يضرب بعض الأمثلة. وإلا هذه الأمثلة إذا أريد فيها الاستيعاب وذكرهم بحسب الترتيب الزماني والترتيب المذهبي والاختلاف والقرب والبعد من السنة، تحتاج إلى هيكلة أخرى وترتيب آخر أدق. ولكن ليس هذا المقصود، وإنما المقصود فقط ضرب بعض الأمثلة. فهذه الأمثلة لا تفيد الحصر، ولا تفيد كذلك تخصيص أحد بالذكر. بس، معنى أن هؤلاء أشد من الذين لم يذكروا. وواصل بن عطاء أشد من الأشعري، ونحوهم. من ضل في هذا الباب، الجعد بن درهم أشد من الجهم. الجعد أشد من الجهم، ونحو ذلك. فالمسألة مسألة تمثيل فقط، وتقريب للمعنى. طيب، نكتب بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم، وأن يجعل ذلك بميزان حسنات الجميع. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان. وأستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرًا.