الدرس في شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينقسم الناس إلى قسمين رئيسيين: أهل الهدى والفلاح، وأهل الضلال والهلاك. أهل الضلال ينقسمون إلى ثلاث فرق: المجوسية، والمشركية، والإبليسية.
دين الله هو الإسلام الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويتضمن التوحيد والطاعة والمعاملات والأخلاق. الإسلام له معنى عام وهو الاستسلام لله بالتوحيد والطاعة، ومعنى خاص وهو الشريعة التي جاء بها النبي.
توحيد الله يشمل ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. يشدد على أهمية تحقيق توحيد الألوهية بإفراد الله تعالى بالعبادة واتباع شريعته.
المقطع ينتهي بالدعاء للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه، ويعتبر هذا الدعاء من السنن النبوية ويظهر التقدير والاحترام للنبي.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنواصل في هذه الرسالة النافعة الماتعة لشيخنا محمد صالح عثيمين رحمه الله تعالى في تقريب التدمرية، وكنا قد أخذنا فيما سبق مجموعة من المباحث المتعلقة بالمتشابه والمحكم وما يلحق به من مسائل، ونكمل إن شاء الله تعالى. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ﴾ وبعد، قال الإمام العلامة محمد بن صالح عثيمين رحمه الله تعالى: فصل، إذا تبين أنه لابد للإنسان من الإيمان بالقدر والإيمان بشرع، علم أن الناس ينقسموا في ذلك إلى قسمين. القسم الأول: أهل الهدى والفلاح، الذين آمنوا بقضاء الله وقدره على ما سبق بيانه من المرتبات الأربع، وآمنوا أيضا بشرعه، فقوموا بأمره ونهيه، وآمنوا بما ترتب على ذلك من جزاء، ولم يحتجوا بقدره على شرعه أو بشرعه على قدره، ولم يجعلوا ذلك تناقضا من الخالق. وهؤلاء هم أهل الحق الذين حققوا معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، المؤمنون بمقتضى قوله تعالى: ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. القسم الثاني: أهل الضلال والهلاك، المخالفون للجماعة، وهم ثلاثة فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية. فالمجوسية: هم القدرية الذين آمنوا بشرع الله وكذبوا بقدره. فغلاةهم أنكروا علم الله تعالى، وقالوا: إن الله تعالى لم يقدر أعمال العباد، ولا علم له بما قبل وقعه، ولا علم له بها قبل وقعه. ومقتصدهم آمنوا بعلم الله بها قبل وقعه، وأنكروا أن تكون واقعة بقدر الله تعالى، وأن تكون مخلوقة لله. وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم، ومذهبهم باطل بما سبق في أدلة مرتب القدر. المشركية: هم الذين أقروا بقدر الله واحتجوا به على شرعه، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾. والإبليسية: هم الذين أقروا بالأمرين: بالقدر وبشرع، لكن جعلوا ذلك تناقضا من الله عز وجل، وطعنوا في حكمته تعالى، وقالوا: كيف يأمر العباد وينهاهم وقد قدر عليهم ما قدر مما قد يكون مخالفا لما أمرهم به ونهاهم عنه؟ فهل هذا تناقض؟ وهؤلاء أتبعوا إبليس، فقد احتج على الله عز وجل حين أمره بالسجود لآدم، فقال إبليس: «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين». وهذا مبحث آخر من مباحث القدر، وفيه يبين الشيخ رحمه الله تعالى أحوال من ضل في باب القدر. وقد أشار رحمه الله تعالى بما ذكر من هذه الأقسام الثلاثة إلى أحوال أهل القدر، فإن الناس مع القدر على هذه القسمة الثلاثية. فمنهم من شابه إبليس، فسموا إبليسية. ومنهم من شابه المشركين، وهم كأنه المشركون في تبرمهم ودعواهم، فكانوا من مشركة. وهكذا أيضا القسم الذي ذكر رحمه الله تعالى. وقد تقدم معنا أن مباحث القدر مرتبطة بالإيمان بالله عز وجل، وأن بسبب ارتباطها أثرها يظهر في الإيمان، فإنه قد يكون الإنسان عنده خلل في بابه من نواب القدر، فيؤثر على إيمانه. فالمجوسية القدرية الذين آمنوا بشرع الله وكذبوا بقدره، تغلظهم أنكروا علم الله سبحانه وتعالى. ومن أنكر علم الله كفر كفرا أكبر. بينما من لم ينكر علم الله فكفره كفر دون كفر. وهؤلاء هم المعتزلة الذين أمر الإمام أحمد وغيره من العلماء بأن يحاجوا بالعلم إن أثبتوه وإلا فقد كفروا. والمشركية الذين أقروا بقدر الله واحتجوا به على شرعه، وهؤلاء كثير من أهل الكلام الذين يستدلون بالقدر على المعايب، وهم الجبرية الأشاعر والماتريدية، وكثير من المتصوفة والباطنية، وهم على هذه الطريقة أيضا ضلالهم أنهم لم يفرقوا بين الإرادتين. والإبليسية هم الذين أقروا بالأمرين: بالقدر والشرع، لكن كما قال جعلوا ذلك تناقضا من الله عز وجل، فطعنوا في حكمة الله عز وجل. لأنهم أيضا اختلط عليهم أمر الإرادتين، وحكمة الله سبحانه وتعالى في القدر. لما ذكر القدر ومباحثه ومسائله وحال الناس فيه، ناسب أن يذكر الشرع الذي هو مبحث من مباحث القدر، لأننا كما تقدم معنا هناك إرادة شرعية، وهناك إرادة قدرية كونية. فالإرادة الشرعية فيما شرعه الله سبحانه وتعالى مما يحبه ويرضاه لخلقه. فما هي هذه الإرادة الشرعية التي يحبها الله ويرضاها؟ هو دين الله. وما هو دين الله؟ دين الله هو الإسلام. والإسلام يأتي بمعنيين: المعنى العام، وهو الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أي: الاستسلام لله عز وجل بالتوحيد، وانقياد له بالطاعة. هذا دين جميع الرسل. والمعنى الخاص: وهو دين الإسلام الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وهو فيه المعنى العام من الأمر بالتوحيد والانقياد لله عز وجل بالطاعة، وفيه المعنى الخاص وهو تفاصيل ما جاء في هذه الشريعة: عقيدة، وعبادة، ومعاملة، ومنهاج، وأخلاق، وسلوك، وكل ما جاء في هذا الدين مما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام. فلا إشكال في قول الله عز وجل عن نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. لماذا؟ لأنه أول المسلمين بالمعنى الخاص. أما المعنى العام فكل الأنبياء والرسل مسلمون، لأنهم ينقادون لله عز وجل بالتوحيد والطاعة. فالإيمان بالقدر الذي يتضمن الإرادة الشرعية التي يحبها الله ويرضاها، له معنى عام وهو ما جاءت به الأنبياء والرسل جميعا من الأمر بالتوحيد والانقياد بالطاعة. ومعنى خاص وهو دين الإسلام جملة وتفصيلا بكل ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام. والرسالات المنسوخة ليس من الدين بعد نسخها، لأنها نسخت بدين الإسلام. فما كان من ديانات الرسل ونسخ في دين الإسلام، فهو ليس مما يحبه الله ويرضاه. مبنى الإسلام على توحيد الله عز وجل. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ولا بد في التوحيد من الجمع بين النفي والإثبات، لأن النفي وحده تعطيل، والإثبات وحده لا يمنع المشاركة. وقد قسم العلماء التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وقد جمع الله هذه الأقسام في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. فأما توحيد الربوبية: فهو إفراد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير. ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقد أقر به المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. وغاية ما نقل عن أحد من الناس أنه قال بذلك قول الوثنية القائلين بالأصلين: النور والظلمة. وأما توحيد الألوهية: فهو إفراد الله تعالى بالعبادة، بأن يعبد وحده ولا يعبد غيره. ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وهذا النوع من التوحيد قد أنكره المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾. وتحقيق هذا النوع: أن يعبد الله وحده لا شريك له، بشرعه الذي جاءت به رسله. كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. والعبادة: هي غاية الحب مع غاية الذل. وهي تطلق على معنيين: التعبد، وهو فعل العابد. والمتعبد به، وهو ما يتعبد به لله تعالى. وشرطان للعبادة: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن فقد الإخلاص، لم تقبل عبادته. ومن فقد المتابعة، لم تقبل عبادته. ومن أدلة اشتراط الإخلاص قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾. ومن أدلة اشتراط المتابعة قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. والمتابعة: لا تتحقق إلا بموافقة العبادة للشرع في سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها. والعبادة: أنواع كثيرة. منها: الصلاة، والذبح، والتوكل، والخشية، والخوف، والتقوى. فمن عبد الله وحده لا شريك له، بشرع الله، فقد حقق توحيد الألوهية. ومن لم يفعل ذلك، فقد ضل عن سواء السبيل. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.