شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 8

شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 8

الدرس في شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 8، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ضابط الإثبات والنفي في صفات الله تعالى

يناقش ضابط النفي والإثبات في صفات الله تعالى وأهمية إثبات صفات الكمال لله. يبين فساد طريقة الاعتماد على نفي التجسيم والتحيز.

الإيمان بالقدر ومراتبه

الإيمان بالقدر يتضمن أربع مراتب مدعومة بأدلة من القرآن والسنة. هذه المرتبات تشمل العلم الأزلي والكتابة والمشيئة والخلق.

أهمية الإيمان بالقدر والشرع

الإيمان بالقدر والشرع ضروري للإنسان. يحقق التوكل على الله ويضبط تصرف الإنسان. يزيل القلق ويأتي مؤيدا للفطرة والعقل.

معرفة قبح الأفعال بالشرع والعقل

يشرح كيفية معرفة قبح الأفعال بالشرع أو بالعقل أو بهما معا. يقدم أمثلة مثل الخمر ويظهر طرقا متعددة لفهم القبح الشرعي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الرسالة النافعة الماتعة لشيخنا محمد صالح العثيمين رحمه الله تعالى "تقريب تدمرية". وإذ ادركنا معًا مجموعة من القواعد والحصول والتتمات بما يتعلق بمباحث المحكم والمتشابه. وإن شاء الله نكمل ما تبقى، ونسأل الله تعالى التوفيق والسداد. بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: فصل: فإذا تبين أنه لا يسع الاعتماد على ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه، وأنه طريق فاسد، فإن أفسد منه ما يسلكه بعض الناس حيث يعتمدون فيما ينفون عن الله تعالى على نفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك. فتجدهم إذا أرادوا أن يحتجوا على من وصف الله تعالى بالنقائص من الحزن والبكاء والمرض والولادة ونحوها، يقولون: لولا أن تصف الله بذلك لكان جسما أو متحيزا، وهذا ممتنع. هذه حججهم عليه. وهذه طريقة فاسدة لا يحصل بها المقصود؛ لأن لفظ الجسم والجوهَر والتحيز ونحوه عبارة مجملة مشتبهة، لا تحقق حقا ولا تبطل باطلا. ولذلك لم تذكر في ما وصف الله به نفسه، لا نفيا ولا إثباتا، لا في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يسلكه أحد من سلف الأمة وأئمتها. وإنما هي عبارة مبتدعة أنكرها السلف والأئمة. ثم إن وصف الله تعالى بهذه النقائص أظهر فسادا في العقل والدين من وصفه بالتحيز والتجسيم؛ فإن كفر من وصف الله بهذه النقائص معلوم بالضرورة من الدين، بخلاف التحيز والتجسيم؛ لما فيهما من الاشتباه والخفاء. وإذا كان وصف الله تعالى بهذه النقائص أظهر فسادا من وصفه بالحيز والجسم، فإنه لا يسوغ الاستدلال بالأخفى على الأظهر؛ لأن الدليل مبين للمدلول ومثبت له، فلا بد أن يكون أبين وأظهر منه. الثالث: أن من وصفوه بهذه النقائص يمكنهم أن يقولوا: نحن نصف الله بذلك، ولن نقول بتجسيم وتحيز، كما يقول من يثبت لله صفات الكمال مع نفي القول بالتجسيم والتحيز. فيكون كلام من يصف الله بصفات الكمال ومن يصفونه بصفات النقص واحدا، ويبقى الرد عليهما بطريق واحد، وهو أن الإثبات مستلزم للتجسيم والتحيز، وهذا في غاية الفساد والبطلان. الرابع: أن الذين اعتمدوا في ضابط ما ينفونه عن الله تعالى على نفي التجسيم والتحيز، نفوا عن الله تعالى صفات الكمال بهذه الطريقة، واتصفوا بأن صفات الكمال واجبة ثابته بالسمع والعقل، فيكون كل ما اقتضى نفيه باطلا بالسمع والعقل. وبذلك يتبين فساد تلك الطريقة وبطلانها. الخامس: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون؛ فكل من أثبت شيئا ونفى غيره، ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات. فكل من أثبت شيئا وأثبت غيره، ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي. مثال ذلك: أن من أثبت لله تعالى الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسماع والبصر والكلام دون غيرها من الصفات، قولا لهم نفي ذلك كالمعتزلة، إثبات هذه تجسيم؛ لأن هذه صفات أعراض، والغرض لا يقوم إلا بجسم. فيرد عليهم أولئك بأنكم أنتم أثبتم أنه حي عالِم قدير، وقلتم: ليس بجسم. ما أنتم لا تعرفون حيًّا عالِمًا قديرا إلا جسما، فأثبتموه على خلاف ما عرفتم. فكذلك أننا نثبت هذه الصفات ولا نقول: إنه جسم. هذا المبحث كذلك فيه تتمة لما سبق. وقد سبق الكلام على ما ذكر فيما يتعلق بالألفاظ الموهمة التي لم ترد في الكتاب والسنة. وأن القاعدة: أننا نتوقف في اللفظ ونستفصل في المعنى. ثم ذكر الشيخ رحمه الله في ثنايا ذلك بعض الأمثلة التي وقع فيها الضلال فيما نفوه، لزعمهم أنهم يريدون أن ينزهوا الله عز وجل عن التشبيه. وأن ما سلكوه مسلك فاسد قاطع هو سبب الضلال. فصل: وأما الضابط في باب الإثبات، فأن نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من صفات الكمال على الوجه اللائق به، لا نقص فيه بأي حال من الأحوال. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، والْمَثَلُ الْأَعْلَى هو الوصف الأكمل الذي لا يماثله شيء. وَصِفَةُ اللَّهِ تعالى كلها صفات كمال، سواء كانت صفات ثبوت أم صفات نفي. فقد سبق أن نفي المحض لا يوجد في صفات الله تعالى، وأن مدلول صفات النفي: نفي تلك الصفة لكمال ضدها. ولهذا لا يسع في ضابط الإثبات أن نعتمد على مجرد الإثبات بلا تشبيه؛ لأن هذا لا يصح؛ لأنه يجزئ أن يثبت المفتري لله سبحانه كل صفة نقص مع نفي التشبيه. فيصفونه بالحزن والبكاء والجوع والعطش ونحوها مما ينزه الله عنه، مع نفي التشبيه. فيقولون: إن الله يحزن لا كحزن العباد، ويبكي لا كبكائهم، ويجوع لا كجوعهم، ويعطش لا كعطشهم، ويأكل لا كأكلهم، كما أنهم يفرح لا كفرحهم، ويضحك لا كضحكهم، ويتكلم لا ككلامهم. ثم يقول المفتري لمن نفى ذلك وأثبت الفرح والضحك والكلام والوجه واليدين: أي فرق بين ما نفى وما أثبت إذا جعل مجرد نفي التشبيه كافيا في الإثبات؟ فأنا لم أخرج عن هذا الضابط؛ فإني أثبت ذلك بدون تشبيه. فالأصل الثالث في القدر والشرع: القدر تقدير الله تعالى لما كان وما يكون أزلا وأبدا. والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبر الله حين سأله عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». والإيمان بالقدر والشرع من تمام الإيمان بربوبية الله تعالى. والإيمان بالقدر على أربعة مراتب: الأولى: الإيمان بأن الله تعالى قد علم بعلمه الأزلي الأبدي ما كان وما يكون من صغير وكبير وظاهر وباطن مما يكون من أفعاله وأفعال مخلوقاته. الثانية: الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما قدره كل شيء حتى تقوم الساعة، فما من شيء كان أو يكون إلا وهو مكتوب مقدر قبل أن يكون. ودليل هاتين المرتبتين في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أما الكتاب، فمنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وأما السنة، فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: «قَدَرُ اللَّهِ مَقَدَّرُ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما. وروى البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَدَرَ رَبِّي وَمَا أَكْتُبُ قَدَرَ رَبِّي حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». وهو حديث حسن. المرتبة الثالثة: والإيمان بمشيئة الله تعالى، وأنها عامة في كل شيء، فما وجد موجود ولا عدم معدوم إلا بمشيئته. وأنه خالق كل شيء من صغير وكبير وظاهر وباطن. وأن خلقه شامل لأعيان هذه المخلوقات وصفاتها وما يسري عنها من أقوال وأفعال وآثار. ودليل هاتين المرتبتين قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ﴾؛ لأنه تعالى لا مكره له لِكَمَالِ مُلْكِهِ وَتَمَامِ سُلْطَانِهِ. وَاللَّهُ تعالى مُبَيِّنًا أَنَّ فِعْلَهُ بِمَشِيئَتِهِ: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾، وقوله مبينا أن أفعال عباده بمشيئته: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. والقدر لا ينافي الأسباب القدرية أو الشرعية التي جعلها الله تعالى أسبابا؛ فإن الأسباب من قدر الله تعالى، وربط المسببات بأسبابها هو مقتضى الحكمة التي هي من أجل صفات الله عز وجل والتي أثبتها الله لنفسه في مواضع كثيرة من كتابه. فمن الأسباب القدرية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كُسَاقًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ومن الأسباب الشرعية قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فكل فعل رتب الله عليه عقابا أو ثوابا فهو من الأسباب الشرعية باعتبار كونه متوقفا على فعل العبد، ومن الأسباب القدرية باعتبار وقوعه بقضاء الله وقدره. والناس في الأسباب طرفان ووسط: طرفان: الأول: نفاة أنكروا تأثير الأسباب وجعلوها مجرد علامات يحصل الشيء عندها لا بها. حتى قالوا: إن انكسار زجاجة بالحجر إذا رميتها به حصول الإصابة لا بها. وهؤلاء خولفوا السنة وكبروا الحس، وأنكر وصف الله تعالى في ربط المسببات بأسبابها. والطرف الثاني: غلوا أثبتوا تأثير الأسباب لكنهم غلوا في ذلك وجعلوها مؤثرة بذاتها. وهؤلاء وقعوا في الشرك حيث أثبتوا موجدا مع الله تعالى. وخالفوا السنة والحس؛ فقد دل الكتاب والسنة والإجماع على أنه لا خالق إلا الله، كما أننا نعلم بالحس أن الأسباب قد تخلف عنها مسبباتها بإذن الله، كما تخلف إحراق النار لإبراهيم الخليل عليه السلام حين ألقي فيها، وقال الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، فكانت بردا وسلاما عليه، ولم يحترق بها. وأما الوسط فَهُمُ الَّذِينَ هُدُوا إِلَى الْحَقِّ وَتَوَسَّطُوا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَأَخَذُوا بِمَا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْحَقِّ. فَأَثْبَتُوا لِلْأَسْبَابِ تَأْثِيرًا فِي مُسَبَّبَاتِهَا لَكِنْ لَا بِذَاتِهَا بَلْ بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ تعالى فِيهَا مِنْ الْقُوَى الْمُوجِبَةِ. وَهَأُولَاءِ هُمُ الطَّائِفَةُ الْوُسْطُ الَّذِينَ وُفِّقُوا لِلصَّوَابِ وَجَمَعُوا بَيْنَ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَالْمَحْسُوسِ. فصل: لابد للإنسان من الإيمان بالقدر؛ لأنه أحد أركان الإيمان الستة، ولأنه من تمام توحيد الربوبية، ولأن به تحقيق التوكل على الله تعالى وتفويض الأمر إليه مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة. ولأن به يطمئن الإنسان في حياته؛ حيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ولأن به ينتفي الإعجاب بالنفس عند حصول المراد؛ لأنه يعلم أن حصوله بقدر الله، وأن عمله الذي حصل به مراده ليس إلا مجرد سبب يسره الله له. ولابد للإنسان أيضا من الإيمان بالشرع؛ وهو ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أمر الله ونهيه، وما يترتب عليه من الجزاء ثوابا أو عقوبة. فيقوم بما يلزمه نحو الأمر والنهي، ويؤمن بما يترتب عليه من الجزاء؛ وذلك لأن الإنسان مريد، فلابد له من فعل يدرك به ما يريد ويدفع به ما لا يريد. ولا بد له من ضابط يضبط تصرفه؛ لئلا يقع فيما يضره أو يفوته ما ينفعه من حيث لا يشعر. والشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل هو الذي يضبط ذلك ويسد الحكم به، ويكون به التمييز بين النافع والضار والصالح والفاسد؛ لأنه من عند الله العليم الرحيم الحكيم. والأقوال وإن كانت تدرك النافع والضار في الجملة، لكن تفصيل ذلك والإحاطة به إحاطة تامة إنما يكون من جهة الشرع. ولهذا نقول: النافع والضار قد يكون معلوما بالفطرة، وقد يكون معلوما بالعقل، وقد يكون معلوما بالتجارب، وقد يكون معلوما بالشرع. فالشرع يأتي مؤيدا لما شهدت به الفطرة والعقل والتجارب. وهذه تأتي شاهدة لما جاء به الشارع. فصل: في ضرورة الإيمان بالقدر والشرع. لابد للإنسان من الإيمان بالقدر؛ لأنه أحد أركان الإيمان الستة، ولأنه من تمام توحيد الربوبية. ولأن به تحقيق التوكل على الله تعالى وتفويض الأمر إليه مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة. ولأن به يطمئن الإنسان في حياته؛ حيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ولأن به ينتفي الإعجاب بالنفس عند حصول المراد؛ لأنه يعلم أن حصوله بقدر الله، وأن عمله الذي حصل به مراده ليس إلا مجرد سبب يسره الله له. ولأن به يزول القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكره؛ لأنه يعلم أن الأمر كله لله، ويرضى ويسلم. ثم ختم الشيخ رحمه الله بعد كلام كله واضح وظاهر بمسألة دقيقة، وهي مسألة التحسين والتقبيح، وهي من المسائل الكلامية التي أثارها المتكلمون والمتأخرون كالأشاعرة والماتريدية ونحوهم. واختصرها الشيخ رحمه الله بتحقيق جميل دقيق، بقوله: الراجح في ذلك أنه تارة يعرف بالشرع، وتارة يعرف بالعقل، وتارة يعرف بهما. لكن علم ذلك على وجه الشمول والتفصيل، وعلم غايات الأعمال في الآخرة من سعادة وشقاء ونحو ذلك، لا يعلم إلا بالشرع. إذن هو قسمين: قسم يتعلق بتفصيله ومآلاته في الدنيا والآخرة، بما يتعلق بالسعادة والشقاء، هذا لا يعلم إلا بالشرع. فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع. وأما غير ذلك، فتارة يكون بالشرع، وتارة يكون بالعقل، وتارة يكون بينهما. فمثلا الخمر عرفنا قبحه بالشرع والعقل؛ بالشرع بما حرمه، وبالعقل بما نرى من آثاره. فإن من علة تحريم الخمر ما يفضي إليه حال شاربه من الأضرار العاجلة والآجلة. هذا علمنا قبحه بالشرع وبالعقل. والشرك علم قبحه بالشرع وبالعقل. وهكذا قل في أشياء كثيرة علمت بالشرع والعقل. وتارة يعلم بالعقل وإن لم يأت فيه شيء في الشرع؛ فالعقل يقيس الطيب بالطيب والخبيث بالخبيث. فنحن من أين علمنا أن المخدر يلحق بالخمر في القياس الصحيح؟ الشرع دل على معناه ولم يدل على عينه، لكننا بالعقل الصحيح وصلنا للحكم الشرعي الصحيح؛ قسنا ما فيه من أضرار وألحقناه بما ذكر مثله مما ذكر في الشرع أن فيه أضرارا. تعرفنا قبحه بمعنى الشرع لا بنص الشرع، ووصلنا إليه بالعقل. وهكذا كذلك منه كما قال: وتارة بالعقل وتارة بهما: بالشرع والعقل. وهذا قد تقدم: بالشرع والعقل مثل الخمر وغيره.