كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية  6

كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 6

الدرس في كتاب الوصية من الاختيارات الفقهية 6، الدرس السادس:من( باب تبرعات المريض ... فليحظ ما هو مخوف للمتبرع وإن لم يكن مخوفاً عند جمهور الناس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تبرعات المريض وأحكامها

يبدأ المقطع بتوضيح مفهوم تبرعات المريض وأحكامها، مشيرًا إلى أن المرض المخوف هو ما يكثر فيه الموت. يُعتبر حكم التبرع في هذه الحالة مشابهًا لحكم الوصية، مستندًا إلى الأحاديث النبوية وأقوال العلماء.

تعريف المرض المخوف وضوابطه الشرعية

يُعرّف المرض المخوف بأنه الذي يغلب فيه ظن الموت أو يتساوى فيه ظن الحياة والموت، ويشمل حالات مثل المخاض الشديد والنزيف أثناء النفاس. يُوضح أن لا يشترط ارتفاع احتمال الموت، بل يكفي أن يكون سببًا محتملًا للموت.

تفاصيل حكم التبرع في المرض المخوف

يناقش تفاصيل حكم المرض المخوف بناءً على اعتبارات المريض وظروف المرض، ويفرق بين الأمراض النادرة والمألوفة. يُبرز أهمية النظر في حالة المريض وتصرفه في تحديد الحكم، مع اعتبار خوف المريض المعتدل من مرض ما كمرض مخوف.

حدود التصرف في التبرعات

يُبيّن أن التصرف في التبرعات مسموح به ولو زاد عن الثلث خارج نطاق الوصية، ولا حرج في ذلك بإذن الله، ضمن حدود معينة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريء بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب تبرعات المريض. قال: ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على القلب الموت منه، أو يتساوى فيه الظن جانب البقاء والموت؛ لأن أصحابنا جعلوا ضرب المخاض من الأمراض المخوفة، وليس الهلاك فيه غالبًا ولا مساويًا للسلامة. وإنما الغرض أن يكون سببًا صالحًا للموت فيضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده. وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه، فلا عبرة بما يندر وجود الموت منه، ولا يجب أن يكون الموت منه أكثر من السلامة، لكن يبقى ما ليس مخوفًا عند أكثر العلماء، والمريض قد يخاف منه، أو هو مخوف الرجل لم يلتفت إلى ذلك، فيلحظ ما هو مخوف للمتبرع وإن لم يكن مخوفًا عند جمهور الناس. قال: ذكر القاضي أن الموهوب طيب. هذه مسألة أخرى ذكر رحمه الله في هذا الباب باب تبرعات المريض، وهي لها تعلق بالوصية؛ لأن العلماء ألحقوا بمعنى حكم الوصية حكم العطية. فالعطية هي ما يخرجه المريض في مرض مخوف، أو ما هو مضنة المرض المخوف، وحكمه على الصحيح من أقوال أهل العلم حكم الوصية. ودليله ما جاء في الصحيحين في حديث ابن عباس، وهكذا عن صاحب القصة سعد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «الثلث والثلث كثير»، وهو إنما في مرض مخوف، فدل ذلك على أن حكمه حكم الوصية، وهذا هو الصحيح. ولهذا أدخل العلماء هذا الباب ضمن كتاب الوصية. فقوله: باب تبرعات المريض، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام تبرعات المريض، ومعناه أن المرض أقسام، من الأمراض ما هو من معاني حال الموصي التي لا يجوز معها أن يخرج أكثر من الثلث، حتى ولو كان هبة. يجوز الإنسان في حياته أن يخرج كل ماله، كل ماله يجوز له أن يخرجه بدليل قصة أبي بكر رضي الله عنه. ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله. ويجوز أن يخرج النصف من باب أولى، أخرج عمر رضي الله عنه نصف ماله. ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم نصف مالي أو شطر مالي يا رسول الله. لكن هذا في حال الصحة، يجوز الإنسان أن يخرج كل المال أو نصف المال وما شاء. واشترط العلماء لهذا الإخراج أن يكون المخرج قادرًا على النفقة على أهله، عنده ما ينفق على أهله. إن لم يكن مال عنده قوته يعمل، أو مثل اليوم الراتب الشهري يستطيع أن يكتفي به في النفقة على أهله. وإن كان الأفضل أن يترك لهم شيئًا يعينهم على أن لا يحتاجوا لأحد؛ فاليد العليا خير من اليد السفلى. وأما من علم منه العفة وعدم التضييع للحق ووضع الحقوق في مواضعها، فلا يشك أن تصرفه سيكون سديدًا. فلو أخرج كل ماله، فهو أخرجه على وجه لن يضر بأهله لعلمه ومعرفته بأولويات الحقوق. فهو يعرف أن الحقوق متدرجة، ومن أعظم الحقوق حقوق الأهل، فهو لن يخرج صدقة أو تبرعًا أو هبة يكون فيها الإضرار بأهله. فلهذا يذكر العلماء باب التبرعات في هذا الموضع لكون بعض التبرعات من المرضى تلحق بحكم الوصية، لا يجوز أن تكون أكثر من الثلث. ثم شرع الشيخ رحمه الله في ذكر ما هو المرض المخوف، فبيّن رحمه الله في خلاصة ما ذكر أنه الذي يغلب على الظن أنه فيه معنى الموت، أو يتساوى فيه الظن، أو كذلك جرى العرف والمعرفة في مثله أنه يكون فيه. يعني لو وجدت حتى المظنة ولم تكن مساوية أو أعلى، فذلك يكفي في تسميته مرضًا مخوفًا. فالمخاض المرأة إذا نفست واشتد عليها نفاسها، هذا من مواضع ماذا؟ من مواضع المرض المخوف. وإن كان النفاس مما يمر على كل النساء، لكن ليس هو سواء. امرأة تنزف في نفاسها، إذا نزفت المرأة في نفاسها فهذا يلحق في المرض المخوف لماذا؟ لأنه يحصل أن من تنزف تموت. وهكذا إذا تعصرت الولادة، إذا تعصرت الولادة فهو كذلك على الصحيح مرض مخوف؛ لأنه يحصل منه الموت وإن كان ليس دائمًا، لكن يحصل منه الموت. التعصر الذي يكون به الخروج عن الولادة الطبيعية، فإذا كان كذلك، فإذا لا ينحصر معنى المرض المخوف بما يتساوى فيه ظن الموت، فضلًا أن يشترط أن يعتلي نسبة الموت. ليس هذا بشرط على الصحيح كما بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذا الموضع. بل إذا وجدت مظنة الموت فهذا يكفي؛ لأن مثل هذا المرض يحصل فيه معنى الموت. وهل منه العمل الذي هو مظنة الموت؟ هل منه في هذا خلاف بين أهل العلم؟ يعني مثلًا المقاتل في سبيل الله الذي يخرج للقتال، هل إذا وهب هبة قبل خروجه تعد هذه الهبة من تصرفات المرض المخوف الذي لا يجوز أن يكون بأكثر من الثلث؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح لا؛ لأن هذا وإن كان مظنة، لكن لم يجري فعل السلف على مثله. ويؤيده قصة أبي بكر وعمار رضي الله تعالى عنهما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى معنى مع وقوع مثل هذا السبب. فقوله رحمه الله: وإنما الغرض أن يكون سببًا صالحًا للموت فيضاف إليه ويجوز حدوثه عنده، هذا تأكيد لما سبق أنه لا يشترط التساوي فضلًا عن اعتلاء نسبة الموت، ولكن يكفي أن يكون سببًا صالحًا للموت كما مر معنا. ويكون مرضًا؛ لأن الأدلة دلت على ذلك، على أن بعض أهل العلم خالف في هذا. ثم قال: وأقرب ما يقال ما يكثر حصول الموت منه، فلا عبرة بما يندر وجود الموت منه. فهناك فرق: الولادة مثلًا عمومًا يحصل أحيانًا فيها الموت أحيانًا يحصل، ولو كانت الولادة الطبيعية، ولكن هل نقول كل ولادة مرض مخوف؟ الجواب لا. ولكن الولادة المتعسرة التي يحصل فيها معنى الموت هو الذي يكون فيه إلحاق هذا الحكم به أنه من المرض المخوف. وهكذا يقال كذلك في سائر الأمراض، يفرق بين مرض يحصل فيه الموت ولكن نادر، وبين مرض يحصل فيه ولو لم يكن كثير لكنه يحصل وليس نادر بل أكثر من النادر. فالأول النادر لا عبرة بحصول الموت فيه كما ذكر رحمه الله. قال: فلا عبرة بما يندر وجود الموت منه، ولا يجب أن يكون الموت منه أكثر من السلامة. وهذا هو كما تقدم، لا يجب أن يكون أكثر، بل لا يجب أن يكون مساويًا، ولكن يكفي أن يكون مضنة. يكفي أن يكون مضنة كما لا يصح أن يكون نادر كونه نادر لا يصح أن نسميه مرض مخوف. قال: لكن يبقى ما ليس مخوفًا عند أكثر الناس، والمريض قد يخاف منه، أو هو مخوف. وهتان مسألتان من فقه رحمه الله، وهكذا سعة الاطلاع وعلمه ووقوفه على مسائل الخلاف، نبه على مثل هذه المسائل الدقيقة. يقول: لكن يبقى ما ليس مخوفًا عند أكثر الناس، والمريض قد يخاف منه. هذا إشكال. بعض الأمراض ليست مخوفة، لكن بعض المرضى يخاف منه. هل يلحق به مثل المرأة التي تلد أول مرة؟ المرأة التي تلد أول مرة يكون عندها خوف في الغالب أكثر من غيرها، فهي ربما تجعل هذا المرض مرضًا مخوفًا. بل ربما كذلك تتصرف تصرفات صاحب المرض المخوف، فهل يكون تصرفها ملحقًا بالمرض المخوف؟ سيأتي التنبيه عليه. قال: أو هو مخوف. الحالة الثانية أو هو مخوف الرجل لم يلتفت إلى ذلك. يعني هو حقيقة مرض مخوف، ولكن الرجل لم يلتفت. قال: أنا ما أعتبره مرض مخوف، أنا الحمد لله أرى نفسي أتصرف تصرف الرجل السليم الصحيح. فبماذا نأخذ؟ هل نأخذ بما يظنه الرجل أو بما عليه الحال؟ قال: فيلحظ ما هو مخوف للمتبرع وإن لم يكن مخوفًا عند جمهور الناس. يقول: ها هنا ذكر ها هنا أنه في نسخة فيخلط، وفي نسخة فيلحظ، والراجح في النسختين فيلحظ. فيكون معنى قوله فيلحظ يعني يتتبع ويعتبر ما هو مخوف للمتبرع وإن لم يكن مخوفًا عند جمهور الناس. لماذا؟ لأن الرجل صاحب القصة وصاحب الشأن في الغالب يكون عنده استشعار لما هو فيه أكثر من الناس. فالإنسان إذا كان معتدلًا وقال: أنا أخاف على نفسي في هذا المرض، ربما يشعر في نفسه ضعفًا أو كذلك إحساسًا يغلب على ظنه أنه في مرض مخوف، فلا ينبغي أن يهمل مثل ذلك. لا ينبغي أن يهمل مثل ذلك، ولكن بهذا الشرط والقيد أن يكون معتدلًا. لماذا؟ لأنه قد يكون إنسان جبان ضعيف يجعله يبالغ في الأمور. فأما إذا كان معتدلًا فيكون قوله معتبر. فإذا في هذا التفصيل، وعلى هذا يترتب الحكم. فإذا كان من إنسان معتدل فيأخذ بقوله، وعلى هذا يلحق بالمرض المخوف، ويكون حكمه كحكم الوصية. وإن كان لا فإن شاء الله لا حرج أن يتصرف تصرفًا في هذا الموضع ولو زاد عن الثلث، أي في التبرعات ونحوها وهو خارج عن معنى الوصية. طيب نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى أعلم.