كتاب الجنائز 6

كتاب الجنائز 6

الدرس في كتاب الجنائز 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مسائل في صلاة الجنازة وأحكام الشهيد

تطرق الشيخ إلى مسائل متعلقة بصلاة الجنازة مثل حكم الصلاة على الغال ورفع اليدين في التكبيرات، وتناول حكم الشهيد وتفصيله في عدم الغسل والصلاة عليه كرامة له. كما أوضح أحكام الصلاة على الشهيد والغائب والقبر.

أحكام تشييع الجنازة وحملها

يتناول هذا الفصل أحكام تشييع الجنازة مثل الإسراع بالمشي وراءها وعدم الركوب وتحريم النعي والنياحة، واستحباب حمل الجنازة والمشي حولها من أي جهة.

تكرار الصلاة على الجنازة وتفاصيل متعلقة

استوى الحكم في المشي أمام الجنازة أو خلفها أو عن يمينها أو يسارها، وتكرار الصلاة على الجنازة إذا وجد سبب لذلك، مع توضيح عدم صحة التربيع في حمل الجنازة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي مجموعة من المسائل في صفة صلاة الجنازة، ومن المسائل التي مرت معنا ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من صفة الصلاة، ودعائها المأثور في الدعاء على الميت، وعلمنا أنه يقدم في هذا المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. فمن يذكر لنا شيئًا من المأثور؟ فضلًا، جزاك الله خيرًا، ما حال هذا الحديث؟ رجح الحفاظ فيه الإرسال، الحديث أبي سلم بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكر أبو حاتم بالعلل، وبعض جمله كما قلنا صحيح. ومن المسائل أنه قبل أن يسلم يسكت سكتة خفيفة، ثبت من حديث من؟ ثبت من حديث ابن عباس، أحسن ما جاء من حديث ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه. طيب، ومرة معنا من المسائل كذلك الصلاة على الغال، وقلنا الحديث لم يصح، جاء من حديث زيد بن خالد فيه قصة، ولكن يغني عنه ماذا؟ يغني عنه حديث عدم صلاته على صاحب الدين. نعم، صاحب الدين، ومر معنا من المسائل النهي عن الصلاة على الجنائز بين القبور أو في المقبرة، هل هذا مطلق؟ وفيه تفصيل؟ مطلق وفيه تفصيل. فضيلة الشيخ، كيف يعني؟ إذا لم يدفن يجوز أن يصلى بين القبور، وفي المقبرة لا يجوز إذا دفن، طيب، في استثناء ثاني؟ إذا كان المصلى يوجد مصلى ليس بين القبور وفي ناحية من المقبرة. طيب، يأتي سؤال هنا، إذا كان هناك سور للمقبرة وصار المصلى في زاوية من المقبرة، في زاوية من هذا السور، هل تجوز الصلاة؟ لا، في زاوية من السور ليس بين القبور، ولا في وسط القبور، ولا جهة القبور، في زاوية السور، سور المقبرة. طيب، لا يتجه لجهة القبور، فإذا كان كذلك أو يجعل فاصل بينه وبين اتجاه القبور، يجعل فاصل بينه وبين اتجاه القبور، فلا حرج في ذلك. نعم، في المستقبل، السور لحجز المسافة والمساحة، أما حكم المقبرة هو من جهة القبور، ما كان خارج القبور ليس حكم المقبرة، لذلك الذي سيمشي بالنعلين أين سيمشي؟ خارج السور، سيمشي بالنعل إلى أن يصل إلى حد القبور، فإذا وصل حد القبور خلع النعل ومشى بين القبور بدون نعل. لا، العبرة بالحكم، أما السور الصحيح أنه لا يحوي حكم المقبرة، كلامنا الآن على هذا، إذا كان داخل السور في زاوية بعيد من المقبرة، فالصحيح لا حرج في ذلك، لأن لا يمكن أصلا يكون مصلى خارج سور المقبرة. نعم، مرة معنا من المسائل كذلك الكلام على التكبيرات، ورد سؤال، تتم للفائدة، يقول بعض الإخوة، هل صحيح أن الشيخ مقبل رحمه الله تراجع عن قوله في رفع اليدين في تكبيرات صلاة الجنازة؟ أقول: قيل هذا، ولكن الله أعلم، أنا لم أسمعه من الشيخ، نقل بعض المشايخ هذا عن شيخنا رحمه الله أنه في سفرة الأخيرة التي مرض فيها وتوفي على أثرها رحمه الله، فدوفنا في مكة كانت له لقاء مع بعض المشايخ، ومنهم شيخنا الشيخ ربيع حفِظَه الله وعافاه، فكان نقاش في صحة الموقوف، أنه صحة مرفوعًا. أما كونه حصل مع الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله شيخنا الشيخ محمد عبد الوهاب، فهذا نعم، صح، وقد لقيت الشيخ محمد عبد الوهاب وكلمني بذلك، وكلمني كذلك شيخنا ربيع حفِظَه الله أنه حصل في المجلس قبل موت الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله أنه حصل نقاش في صحة الحديث مرفوعًا، وبحثوا في الحديث معًا، فتبين صحة رفع الحديث، فتراجع الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله. وأما أنه وقع لشيخنا مقبل كذلك، فلا أدري، لكن بعض المشايخ نقل هذا كذلك، ولا أدري عن صحة هذا، إذا أحد من الإخوة والمشايخ عنده فائدة في هذا فليفدنا، في أحد عنده شيء في هذا خصوصًا ممن لازم الشيخ في مرض موته الأخير رحمه الله. هل في أحد موجود عنده شيء؟ شيخ أحمد، أحمد عربص موجود، شيخ أحمد أو أحد من الشيخ الآخرين، طيب، هذا يتأكد منه إن شاء الله، يسأل الإخوة الذين كانوا يرافقون الشيخ عن هذه المسألة. وأنا حقيقة نسيت أتأكد بهذه المسألة، لأنها صلت بلغتني متأخرة، بلغني عن بعض المشايخ متأخرة، حتى الشيخ الذي كلمني لم يكن حاضر المجلس، قلت له: هل أنت كنت حاضرا؟ قال: لا، بلغني، فبلاغ لا ندري من الناقل. مثل بلاغات الإمام مالك رحمه الله، فنحتاج أن نتأكد الواسطة التي نقلت هذا الخبر، والله أعلم. طيب، حكم الشهيد، الصحيح ما هو حكم الشهيد؟ نعم، تفصيل، ما هو؟ نعم، الصحيح أنه لا يغسل ولا يصلى عليه منقصة، كرامة، ليس هذا منقصة للشهيد، بل هذا كرامة وتشجيع. وهذا يعني كأنه يقال: هذا ضمن الجنة، ما يحتاج إلى صلاة، ولا يحتاج إلى تغسيل، لا تخافوا عليه، هذا يدفع الناس يحرصوا على الشهادة، يقول: ما دام هذا لم يصل عليه ولم يغسل، معناه أهل الجنة بإذن الله، هذا تشجيع لتحصيل الشهادة، وكرامة في الدنيا قبل الآخرة. فهو تشريف وليس نقص، هذا تشريف للشهيد، والدليل ما ثبت في يوم أحد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر، قال: ادفنوهم في دمائهم، ولم يغسلهم ولم يصل عليهم. طيب، وما هو التفصيل؟ كمل، ماذا يسمى هذا؟ ما اسم هذا النوع من الشهداء؟ المرتث، نعم، المرتث، هذا النوع فيه تفصيل، وهو الذي يجرح في أرض المعركة ويموت في غيرها. الصحيح التفصيل كما ذكر أهل العلم أنه إذا مات على إثر هذا الجرح ولم تكن به حياة مستقرة، فيلحق بالشهداء في أحكامهم في الدنيا والآخرة، وإذا ليس كذلك، فالصحيح أنه لا يعامل معاملة الشهداء في الدنيا، ويرجى له حكم الشهداء في الآخرة. نعم، كيف؟ أيوة، بعض أهل العلم تعرف لهم أجوبة في هذا، بعض أهل العلم يقولون: يعني هذا يدل على الاستحباب وليس الوجوب، هذا وجه، والوجه الثاني أن بعضهم قال: هذا كان قبل، وآخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصل عليهم ولم يغسلهم، فهذا قولان مشهوران. لكن الصحيح أن الأمر يدل على الاستحباب، يدل على الاستحباب، فيجوز قصوصًا في مثل وضعنا هذا، بعض الناس ما تفهم هذه الأحكام، فإذا قالوا: نريد نغسله، تقول له: إن شاء الله شهيد، قل: لا نريد نغسله، إيش تقول؟ غسله تريد تغسله، غسله، فلابد تصلوا عليه، إن شاء الله إنه شهيد، خلوه من الشهداء، لا نريد نصلي عليه، أو بعضهم ما يغسله ثم يريد يصلي عليه، نقول: كيف قسمتهم الحكم؟ قال: هو إن شاء الله شهيد. طيب، شهيد في التغسيل، وكذلك في ماذا؟ في الصلاة، وحصل هذا عندنا في مسجدنا هذا، بعض الشهداء إن شاء الله نرجو إن الله يتقبلهم بالشهداء، ما غسلوهم، دفنوهم في دمائهم، ممن أتي بهم من الجبهات، ولكن أتوا بهم قالوا: صلوا عليهم، حاولوا معهم الإخوة، قالوا: لا نريد الصلاة عليه، ضروري، خلاص، إيش تفعل؟ صندوا عليه. فالأمر واسع إن شاء الله، ليس إثم، الصلاة على الشهيد حتى لا يظن إنسان أنه إثم، ليس بإثم، المسألة فيها خلاف، والراجح الاستحباب، يستحب إظهارًا لكرامة الشهيد، وتأكيدًا لشهادته، وتشجيعًا للوصول إلى هذه المرتبة. ألا يغسل ويدفن بجراحاته، ولا يصلى عليه، هذا كرامة في الدنيا معجلة قبل كرامة الآخرة إن شاء الله. نعم، طيب، قال رحمه الله تعالى: وأما كونه يصلى على القبر... نعم، التغزيل، أيوة، كيف ما وردوا هنا؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام بحديث جابر: ادفنوهم بدمائهم، آه، ما جاء أنه غسل، صحيح، صحيح، ما جاء أنه غسل من حيث أن الشهداء غسلوا، ما ثبت، ما ثبت. نعم، قال رحمه الله تعالى: وأما كونه يصلي على القبر على الغائب، فلحديث أنه صلى الله عليه وسلم انتهى إلى قبر رطب، فصل عليه، وصفه خلفه، وكبر أربعًا، وهو في الصحيحين من حديث ابن عباس. والصحيح أن هذه القصة غير قصة المرأة السوداء، كما يدل عليه رواية حديث ابن عباس في البخاري وغيره، وهذا هو الصحيح، قال: وكذلك صلاته على قبر السوداء التي كانت تقم المسجد، وهو أيضًا في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفيه أنه يجوز الصلاة على من دفن في قبره، ولو كان بعد دفنه بيوم أو أكثر، وكم حد هذا الأكثر؟ اختلف أهل العلم، ففي حديث ابن عباس على قبر رطب، يعني معناه قريب عهد بدفنه، وآثار الدفن حديثة. وهذا كما قال أهل العلم: ثلاثة أيام في الغالب، رطوبة الأرض تبقى ثلاثة أيام، وقد تزيد وتنقص حسب نوع التربة، ووقت الموسم، شتاء أو صيف، أو كذلك البلد حار أو بارد. في يقينا أن القبر إذا صار حديث عهد بدفن، فإنه يجوز الصلاة عليه، ولو أكثر من يوم أو يومين أو ثلاثة، هكذا قال بعض أهل العلم، وفي نفس اليوم وتاليه كذلك بلا شك لحديث المرأة السوداء، لأنهم دفنوها في الليل، وصلى عليها ثاني يوم بعد صلاة الفجر، فهذا لا شك فيه كذلك. وكم أقصى ما ورد؟ أقصى ما ورد عن الصحابة، وروي وروي مرفوعًا ولم يصح، ومرسلًا من عدة طرق، يرتقي بمجموع طرقه للحسن، إلى شهر، وهذا الذي أفتى به الإمام أحمد رحمه الله، وجماعة من أهل العلم، أنه يجوز إلى شهر. لأن هذا أقصى ما روي عن الصحابة، وروي فيه مرفوعًا لم يصح، ومراسيل، بمجموع طرقها يرتقي إلى الحسن، ويحسن الشيخ الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، وذكره في أحكام الجنائز، إن لم تخني الذاكرة، وفي الإرواء، فهذا الذي ورد أقصى ما ورد في الصلاة على الميت بعد دفنه. وهل يجوز أكثر من ذلك؟ الأحوط ألا يصلى أكثر من ذلك، إلا إذا كان مانع، وهذه فتوى شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، مثل إنسان مسافر، وما أدرك الصلاة على القبر إلا بعد أن جاء، وكان أكثر من شهر، وفي هذا خلاف، فمن تركه احتياطًا فلا بأس، ومن رأى أنه يصلي فلا حرج، وهذا مما يسع فيه الخلاف، مما يسع فيه الخلاف، والله تعالى أعلم. لأنه ليس فيه نص صحيح صريح، وأصل المسألة وردت إلى شهر، قال رحمه الله تعالى: وصلى على قبر أم سعد، وقد مضى لذلك شهر، أخرجه الترمذي، وهذا هو الضعيف، كما أشار في التعليق، صح مرسلًا عن سعيد بن مسيد رحمه الله، وجاء عن غيره كذلك بمراسيل. ولذلك قال جماعة من أهل العلم أنها ترتقي هذه المراسيل إلى الحسن، لأنه روي مرفوعًا ولم يصح، وروي موقوفًا وصح، وروي مرسلًا كذلك صحيح من أكثر من وجه، ترتقي هذه المراسيل. ويستأنس الإمام أحمد، وجماعة من أهل العلم بالحديث الضعيف إذا وافقته فتاوى الصحابة، وهذه طريقة الإمام أحمد رحمه الله في فقهه، في الأحكام، المسائل التي وقع فيها خلاف، ووردت فيها حديث ضعيفة، ومراسيل، وفتاوى الصحابة، فإنه يثبت الحكم بها، يثبت الحكم بها رحمه الله. طيب، قال رحمه الله تعالى: وصلى على النجاشي هو وأصحابه، كما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر وبهريرة، وهو مات في دياره بالحبشة، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. والصلاة على الغائب فيها خلاف، والصحيح الذي تدل عليه الأدلة التفصيل، إذا صلي على هذا الغائب في مكانه الذي مات فيه، فالصحيح أنه لا يصلى عليه صلاة الغائب، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على أحد قد صلي عليه. وأما إذا لم يصلى عليه كحال النجاشي، فإنه يجوز أن يصلى عليه صلاة الغائب، ومن ذلك المفقود، المفقود يصلى عليه صلاة الغائب، إذا يئس من العثور عليه، كالغريق، والحريق، ومن كان بمعنى هؤلاء، المفقود في أرض المعركة، ونحوهم، فإنه يجوز على الصحيح أن يصلى عليهم صلاة الغائب، لأنه لم يصل عليهم أحد. وهل يجوز أن يصلى عليه في أكثر من مكان؟ نعم، الصحيح يجوز أن يصلى عليه في أكثر من مكان، ليس إذا صلي عليه في مكان، لا يجوز أن يصلى في مكان آخر. يعني لو صلى عليه من يعرفه في اليمن، وفي البلدان الأخرى، كأن يكون من أهل العلم الفضل، ونحو ذلك، ممن عرفه الناس في أكثر من مكان، فلا بأس أن يصلي عليه الناس صلاة الغائب، ما دام أنه لم يصلى عليه. وأما إذا صلي عليه، فلا يصلى عليه صلاة الغائب، يكفي بمن صلى به، فإن قال: قال: أنا أحب أن أصلي على هذا الإنسان، يقال: اذهب إلى قبره، وصلي عليه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع المرأة السوداء، وكما في حديث ابن عباس، وغيره من الأحاديث الأخرى. قال رحمه الله: والخلاف بالصلاة على القبر والغائب معروف، ولم يأت المانع بشيء يعتد به، نعم، الخلاف معروف، مشهور، وقد ذكره العلماء في الصلاة على القبر، والصلاة على الغائب. والصحيح التفصيل، فالصلاة على القبر بعد دفنه جائز، وقبل دفنه بين القبور، وفي المقبرة غير جائز، والصلاة على الغائب لمن لم يصلى عليه جائز، ومن صلي عليه فيه خلاف، والصحيح والراجح المنع، لأنه لم يثبت، وسببه موجود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت، والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: فصل، ويكون المشي بالجنازة سريعًا، والمشي معها، والحمل لها سنة، والمتقدم عليها والمتأخر عنها سواء، ويكره الركوب، ويحرم النعي، والنياحة، واتباعها بالنار، وشق الجيب، والدعاء بالويل والثبور، ولا يقعد المتبع لها حتى توضع، والقيام لها منسوخ. هذا الفصل يقال فيه كما قيل في الفصول التي قبلها، هي لها تعلق بإحكام الجنائز، ولكن لما كانت تتناول أحكام خاصة، جعل لها فصل خاص، وهنا الأحكام تتعلق بتشييع الجنازة، تشييع الجنازة، فهذه الأحكام وضعت في هذا الفصل. قال رحمه الله تعالى في شرحه: أقول: أما كون المشي سريعًا، فلحديث أبي بكرة عند أحمد، والنسائي، وأبي داود، والحاكم، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لنكاد نرمل بالجنازة رملًا. وأخرج البخاري بتعليقه، قال: أسرع النبي صلى الله عليه وسلم حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ، وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسرعوا بالجنازة، فإن كانت صالحة، قدمتموها إلى الخير، وإن كانت غير ذلك، فشر تضعونه عن رقابكم. وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسراع مستحب، وقال ابن حزم رحمه الله بوجوبه، وذهب بعض أهل العلم إلى أن المستحب التوسط، لحديث أبي موسى رضي الله عنه، قال: مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة تمشي مخضًا، مخض الزق، فقال: عليكم بالقصد، أخرجه أحمد، وابن ماجة، والبيهقي، وفي إسناده ضعف. وأخرج الترمذي، وأبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المشي خلف الجنازة، فقال: ما دون الخبب، أي الرمل، فإن كان خيرًا عجلتموه، وإن كان شرًا فلا يبعد إلا أهل النار، وفي إسناده مجهول. ولا يخفاك أن حديث ابن موسى لا يصلح الاحتجاج به على فرض عدم وجود ما يعارضه، فكيف وقد عارضه ما هو بالصحيحين، بلفظ الأمر، وأما حديث ابن مسعود، فلا ينافي الإسراع، لأن الخبب هو ضرب من العدو، وما دونه إسراع. طيب، هذه مجموعة من الأحاديث، وقد علمنا الصحيح منها، وأشار إلى الضعيف، وخلاصتها الأمر بالإسراع، وهل هو للاستحباب أو الوجوب؟ الصحيح قول الجمهور أنه للاستحباب، أنه للاستحباب، والتعليل يدل على ذلك، التعليل يدل على ذلك، لأن العلة مناط الحكم، فيدل التعليل أنه للاستحباب. والصحيح في هذا الإسراع التفصيل، إسراع لا يضر بالماشين، ولا يضر بالجنازة، إسراع لا يضر بالماشين، ولا يضر بالجنازة، لأن الإسراع الذي يكون زائد عن الاعتدال، يضر بالماشين، فيتعثرون، ويضرون أنفسهم، وقد تسقط الجنازة، وهذا يضر الميت. وقد حصل مثل هذا، يبالغ بعض الناس بالإسراع، فتسقط الجنازة، ويتضرر الميت، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: كسر عظم الميت ككسره حيًا، ككسره حيًا، فلا يجوز أن يضر بالميت كذلك. هذا الإسراع ليس فيه رفق بالميت، الإسراع المبالغ فيه ليس فيه رفق بالميت، أنت إذا تحترم إنسانًا، اعتبره حيًا مريضًا، وتجري به جريًا كيف ستفعل جثته؟ هذا المريض، كما يقول العوام: تترزع فوق تحت، فوق تحت، فوق تحت، هذا ليس من احترام هذا الميت. إذا كان لا يفعل معه هذا حال كونه حيًا، فكذلك لا يفعل معه هذا حال كونه ميتًا، للحديث: كسر عظم الميت ككسره ماذا؟ حيًا، فكل ما يؤذي الحي يؤذي الميت، إذن إسراع لا يضر بهذا الميت، لأن الميت يتضرر كما يتضرر الحي. إسراع باعتدال، باحترام، وهكذا كذلك الذين يحملون الجنازة، يعني إذا أسرعوا إسراعًا ليس فيه رفق، أضروا بأنفسهم، أضروا بأنفسهم، ليس فقط أضروا بالميت. فإذن المقصود بالإسراع الإسراع إلى حد لا يلحق الضرر لا بالميت، ولا بمن يحمل الميت، ومن مع الميت، نعم، يشرع الرمل، لأن الحديث في الرمل صح، وبعض العلماء تكلم عليه، لكن الصحيح أنه صحيح، حديث الرمل صح. طيب، قال رحمه الله تعالى: وأما كون المشي معها سنة، فظاهر، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يمشي مع الجنائز، هو وأصحابه، كما يفيد ذلك الأحاديث المتقدمة في صفة المشي، والأحاديث الآتية في المتقدم والمتأخر على الجنازة. ولحديث أبي هريرة الثابت في الصحيح، من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا... الحديث، يعني كان له قيراط، وقيراط، وكل قيراط مثل جبل أحد، فهذه الأحاديث كلها تؤكد استحباب المشي مع الجنازة، استحباب المشي مع الجنازة. وهذا إذا كان المشي ممكنًا، وأما في حال كون الجنائز بعيدة، لا يمكن المشي معها، كبعض المدن الكبيرة، المقابر مع كبر المدن تكون بعيدة، فالوصول إليها لا يمكن بالمشي، فهنا يحتاج لأخذ سيارة، ولا بأس عند ذلك أن يأخذوها بسيارة، ويركبوا بالسيارة. لأن المقابر قليلة ومحصورة في بعض البلاد، ربما يكون في المدينة ملايين، ولكن لا يوجد فيها إلا مقبرة واحدة، يعني الوصول إلى المقبرة بالسيارة في بعض البلاد أكثر من نصف ساعة بالسيارة، فكيف يمشي الناس؟ ما يمكن هذا، مستحيل. فهنا إذا وجد الحرج والمشقة، لا بأس أن يركبوا، لوجود المضرة والمشقة، والمشقة تجلب التيسير. قال رحمه الله: أما كون الحمل لها سنة، فلحديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كله أو كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع، وإن شاء فليدع، أخرجه النسائي، وأبو داود، والطيالسي، والبيهقي من رواية عبيد الله بن عبد الله المسعودي عنه. وفي الباب عن جماعة من الصحابة، والأحاديث تقوي بعضها بعضًا، ولا تقصر عن إفادة مشروعية الحمل، هذه المسألة تسمى مسألة التربيع، التربيع في حمل الجنازة، وردت فيها أحاديث مرفوعة، لكنها ضعيفة، لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا مشهور عند العامة، يعني يستحب عند العامة أنك تحمل الجنازة من الأركان الأربعة، فلذلك يدور على الركن الأول، يحمل، ثم يرجع الحلف، وهكذا يدورون، والصحيح أن هذا ليس له أصل، هذا ليس له أصل. وما ورد من آثار، المقصود منها على الصحيح ليس تنويع الحمل، ولكن تسوية فضل الحمل من جميع الأركان، يعني لا فرق بين من يحمل من الأمام، أو يحمل من الخلف، أو يحمل من الجهة اليمنى، أو يحمل من الجهة اليسرى، ليس معنا أن يتكلف الحامل أن يدور كل من حمل على الأركان الأربعة. لأن في هذا تكلف ومشقة، وفيه مضر على الميت كذلك، لأنهم يتزاحمون، كل واحد يريد الدور، عليه، وحيانا يحصل صراع، هذا يريد الدور، يشوف بقي قليل للجنازة أن تصل، وما كمل التربيع، فيريد إلا، وإلا التربيع، تسقط الجنازة، ويتضرر الميت بهذا النزاع، وهذا ليس بالصحيح. وليست هذه المقصود، الصحيح أن الآثار تدل على أن جميع الأركان الأربعة سواء، لا فرق بين اليمين واليسار، والأمام والخلف، من أيها تيسر، احمل، فلا حرج في هذا، هذا هو المقصود. وأما مسألة التربيع والتنويع والدورة، فلم يرد فيه شيء صحيح مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذن الخلاصة استحباب حمل الجنازة من أي جهة، من أي جهة كانت. قال رحمه الله تعالى: وأما كون المتقدم عليها والمتأخر عنها سواء، فلما ثبت في صحيح مسلم وغيره، أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يمشون حول جنازة ابن الدحداح. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وصححه، وابن حبان، وصححه، وأيضًا الحاكم، وقال: على شرط البخاري، من حديث المغيرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الراكب خلف الجنازة، والماشي أمامها قريبًا منها، وعن يمين، وعن يسارها. وفي لفظ أبي داود: والماشي يمشي خلفها، وأمامها، وعن يمينها، ويسارها قريبًا منها، وفي لفظ أحمد، والنسائي، والترمذي: والراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها. وأخرج أحمد، وأهل السنن، والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان، وصححه، من حديث ابن عمر، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة، وصححه ابن حبان. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المشي أمام الجنازة أفضل، وبعضهم إلى أن المشي خلفها أفضل، والحق أن ذلك سواء، ولا ينافيه رواية أنه صلى الله عليه وسلم مشى أمامها وخلفها، فذلك كله سواء. لأن المشي مع الجنازة إنما يكون أمامها، أو خلفها، أو في جوانبها، وقد أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم، وكل مكان من الأمكنة المذكورة هو من جملة ما أرشد إليه. الخلاصة كما علمنا وقلنا في الحمل، أنه من الجهات الأربع كلها مستحب، وليست جهة أفضل من جهة، فكذلك على الصحيح المشي من الجهات الأربع، ليست جهة أفضل من جهة. وهذه الأحاديث بمجموع طرقها ترتقي على الصحيح إلى الحسن، وبعض أهل العلم ضعفها مرفوعة، كما أشار في التعليق، وصححها موقوفة، والصحيح أنها صحت كذلك مرفوعة، بمجموع طرقها، فتفيد جملة هذه الأحاديث إلى استواء الحكم في المشي حول الجنازة، أمامها، خلفها، عن يمينها، عن يسارها، لا حرج في ذلك، لا حرج في ذلك. لكن اللفظ المتفق عليه هو أن يكون قريبًا منها، أن يكون قريبًا منها، يقرب الإنسان من الجنازة، لا يبتعد كثيرًا، والفائدة من هذا الاتعاظ والاعتبار بهذه الجنازة. ولذلك كما سيأتي معنا إن شاء الله، كانوا إذا مشوا خلف الجنازة يكونون سكوتًا، صمتًا، حتى لا يدرى من صاحب المصيبة، الكل معتبر، متعض بهذا الحدث، ويتفكر، ويتأمل أنه لا يدري متى سيكون دوره، اليوم هو يحمل الجنازة، ويمشي معها، وربما غدًا يكون هو المحمول. ونسأل الله حسن الخاتمة، فينبغي الإنسان أن يجعل هذا الموضع موضع اعتبار، وذكرى، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالاتعاظ بتذكير هادم اللذات، وهو الموت، وكذلك يوصي بزيارة المقبرة، فإنها تذكر الآخرة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وسيأتي معنا إن شاء الله. طيب، نقف إلى هنا لانتهاء الوقت، والله تعالى أعلم، وننظر ما تيسر من الأسئلة في الوقت الباقي اليسير. يقول: هل يجوز الصلاة على جنازة قد صلي عليها من قبل؟ أي أنك تصلي عليها مرتين، نعم، يجوز، يجوز تكرار الصلاة على الجنازة، كذا صلى عليها، وصلى عليها مرة ثانية، من نفس الشخص، يجوز، مثلًا صلى مع أهل بيته الرجل، صلى بأهل بيته، النساء قالوا: النساء نريد نصلي على أبينا، فصلى بهم الأخ الأكبر في البيت، خرج مع الناس، صلى مرة أخرى مع الناس، جائز، لا جائز، ما فيه مشكلة. لا ما يصلح، نفس الناس يعيدوا الصلاة عليه، لأن المطلوب تعجيل الصلاة، المطلوب تعجيل الصلاة والدفن، تأخيره دون حاجة ما يحتاج، لكن إذا حصل سبب للتكرار، إذا حصل سبب للتكرار، ما فيه حرج. إذا صح في الفريضة في الجنازة من باب أولى، يحتاج إلى دعاء أكثر، في الفريضة صلى معاد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب فصلى نفس الصلاة، صلاة العشاء بأصحابه، فيجوز تكرار الصلاة، وهي فريضة، في الجنازة من باب أولى، الميت يحتاج إلى الدعاء، ما فيه مشكلة. ولكن السؤال بما لا يضر، هل يضر هذا يؤخر دفن الجنازة؟ إذا كان سيؤخر، لا، مثل السؤال الذي ورد: صلوا عليه بعد العشاء، ثم أخروا إلى بعد الفجر ليصلوا عليه مرة أخرى، هذا غير صحيح، خطأ، صليتم عليه، عجلوا بدفنه، إلا إذا كان ينتظرون يعني اكتمال العدد الأربعين، أو أوصى بالصلاة عليه كلما جاء من الناس، أو كذا، أو كذا، أو تدور من أهله وقرابته، هذا شيء آخر. طيب، يقول: هل الشهيد لا يكفن؟ فكيف يغطى وجهه وجسده؟ الظاهر يدفن بثيابه، ويغطى بلحاف، بلحاف فوق ثيابه، يعني ثوب واحد يكفي فوق ثيابه، وإذا جعلت ثلاثة أثواب فوق ثيابه، لا حرج. يقول: ما حكم ضرب الرصاص بعد خروج الجنازة؟ هذا من المحدثات، وسيأتي الكلام على هذا في إتباعها بالنار، ونحو هذا. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم، جزاكم الله خيرًا.