الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 47، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يفسر الشيخ ابن بريك الآية ويبين مدلول أهل الكتاب المؤمنين. يشمل هذا التفسير توضيح أن الآية تتحدث عن المؤمنين الذين يعملون بما يقدرون عليه.
يتناول المقطع تفسير آية آل عمران 199 ويوضح سبب نزولها في النجاشي. كما يبين موقف النبي صلى الله عليه وسلم من النجاشي عند وفاته.
يتناول هذا المقطع الرد على شبهة أهل الكتاب في استدلالهم بالآيات القرآنية. يبين أن هذه الآيات تشير إلى من كان مؤمنًا قبل مبعث النبي أو من آمن به لاحقًا.
لا إشكال في الثناء على أهل الكتاب إذا كان المقصود نوعًا خاصًا منهم. مثال ذلك ثناء الله على خواص أهل الأنبياء والمؤمنين الصادقين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ: الإسلام عليكم ورحمة الله. كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، فصل: وأما قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113]، هذه الآية لا اختصاص فيها للنصارى، بل هي مذكورة بعد قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 110-112]. ثم قال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ...﴾ [آل عمران: 113]، ومعلوم أن الصفة المذكورة في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: 112]، صفة اليهود، وكذلك قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: 112]، فقوله عقب ذلك: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: 113]، لا بد أن يكون متناولا لليهود. ثم قد اتفق المسلمون والنصارى على أن اليهود، مع كفرهم بالمسيح ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ليس فيهم مؤمن، وهذا معلوم بالاضطرار من دين محمد صلى الله عليه وسلم. والآية إذا تناولت النصارى، كان حكمهم في ذلك حكم اليهود. والله تعالى إنما أثنى على من آمن من أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199]. وقد ذكر أكثر العلماء أن هذه الآية نزلت في النجاشي ونحوه ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم تمكنه الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا العمل بشرع الإسلام لكون أهل بلده نصارى لا يوافقونه على إظهار شرع الإسلام. وقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلى عليه لما مات لأجل هذا، فإنه لم يكن هناك من يظهر الصلاة عليه في جماعة كثيرة ظاهرة كما يصلي المسلمون على جنائزهم. ولهذا جعل من أهل الكتاب، مع كونه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، بمنزلة من يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في بلاد الحرب، ولا يتمكن من الهجرة إلى دار الإسلام، ولا يمكنه العمل بشرع الإسلام الظاهرة، بل يعمل ما يمكنه ويسقط عنه ما يعجز عنه. كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، فقد يكون الرجل في الظاهر من الكفار وهو في الباطن مؤمن، كما كان مؤمن آل فرعون. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: 28]، إلى آخر القصة. فقد أخبر سبحانه أنه حاق بآل فرعون سوء العذاب، وأخبر أنه كان من آل فرعون رجل مؤمن يكتم إيمانه، وأنه خاطبهم بالخطاب الذي ذكره، وهو من آل فرعون باعتبار النسب والجنس والظاهر، وليس هو من آل فرعون الذين يدخلون أشد العذاب. وكذلك امرأة فرعون، ليست من آل فرعون، هؤلاء قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11]. وامرأة الرجل من آله، بدليل قوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: 59-60]. وهكذا أهل الكتاب، فيهم من هو في الظاهر منهم وهو في الباطن يؤمن بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يعمل بما يقدر عليه ويسقط عنه ما يعجز عنه، علما وعملا، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وهو عاجز عن الهجرة إلى دار الإسلام، كعجز النجاشي. وكما أن الذين يظهرون الإسلام، فيهم من هم في الظاهر مسلمون، وفيهم من هو منافق كافر في الباطن، إما يهودي وإما نصراني وإما مشرك وإما معطل، كذلك في أهل الكتاب والمشركين من هو في الظاهر منهم ومن هو في الباطن من أهل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، يفعل ما يقدر عليه من علمه وعمله، ويسقط ما يعجز عنه من ذلك. وفي حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: «لما مات النجاشي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: استغفروا لأخيكم»، فقال بعض القوم: «تأمرنا أن نستغفر لهذا العلج؟!»، وذكرت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 199]، ذكرهم أبو حاتم وغيره، بأسانيدهم. وذكر محمد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن البصري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «استغفروا لأخيكم النجاشي»، فذكر مثله. وكذلك ذكر طائفة من المفسرين، عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس، وقتادة، أنهم قالوا: نزلت هذه الآية في النجاشي، ملك الحبشة، واسمه أصحمة، وهو بالعربية عطية. وذلك أنه لما مات، نعاه جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اخرجوا فصلوا على أخي لكم مات بغير أرضكم»، قالوا: «من هو؟» قال: «النجاشي»، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع، وزاد بعضهم: «وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي، وصلى عليه، وكبر أربع تكبيرات، واستغفر له»، وقال لأصحابه: «استغفروا له». فقال المنافقون: «انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط، وليس على دينه!»، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199]. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنها نزلت في من كان على دين المسيح عليه السلام إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فآمن به، كما نقل ذلك عن عطاء. وذهب طائفة إلى أنها نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، والقول الأول أجود، فإن من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأظهر الإيمان به، وهو من أهل دار الإسلام، يعمل ما يعمله المسلمون ظاهرًا وباطنًا، فهذا من المؤمنين، وإن كان قبل ذلك مشركًا يعبد الأوثان، فكيف إذا كان كتابيًا؟! وهذا مثل عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وغيرهما، وهؤلاء لا يقال: إنهم من أهل الكتاب، كما لا يقال في المهاجرين والأنصار: إنهم من المشركين وعباد الأوثان. ولا يمكن أحد من المنافقين، ولا من غيرهم من أن يصلي على واحد منهم، بخلاف من هو في الظاهر منهم، وفي الباطن من المؤمنين، وفي بلاد النصارى من هذا النوع خلق كثير، يكتمون إيمانهم، إما مطلقًا، وإما يكتمونه عن العامة، ويظهرونه لخاصتهم. وهؤلاء قد يتناولهم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 199]، الآية. فهؤلاء لا يدعون الإيمان بكتاب الله ورسوله، لأجل مال يأخذونه، كما يفعل كثير من الأحبار والرهبان، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدونهم عن سبيل الله، فيمنعونهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأما قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113]، فهذه الآية تتناول اليهود أقوى مما تتناول النصارى. ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159]، وهذا مدح مطلق لمن تمسك بالتوراة، ليس في ذلك مدح لمن كذب المسيح، ولا فيها مدح لمن كذب محمدًا صلى الله عليه وسلم. وهذا الكلام يفسره سياق الكلام، فإنه قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]. فقد جعلهم نوعين: نوعًا مؤمنين، ونوعًا فاسقين، وهم أكثرهم. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 110]، يتناول من كان منهم مؤمنًا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، كما يتناولهم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: 27]، إلى قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 27، 26]. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 26]. وقوله عن إبراهيم الخليل: ﴿وَآتَيْنَاهُ إِسْحَاقَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: 27]، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: 84]، ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: 27]، ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [هود: 84]. ثم لما قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]، قال: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 111-112]. وضربوا الذل عليهم أينما ثقفوا، وما باءهم بغضب الله، وما ذكر معهم من قتل الأنبياء بغير حق، وعصيانهم واعتدائهم، كان اليهود متصفين به قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: 61]. ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]. فتناولت هذه الآية من كان من أهل هذه الملل الأربع متمسكًا بها قبل النسخ، بغير تبديل. كذلك آية آل عمران، لما وصف أهل الكتاب بما كانوا متصفين به أكثرهم قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الكفر، قال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113-114]. وهذا يتناول من كان متصفًا منهم بهذا قبل النسخ، فإنهم كانوا على الدين الحق الذي لم يبدل ولم ينسخ، كما قال في الأعراف: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159]. وقوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168]. فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب، يأخذون عرض هذا الأدنى، ويقولون: «سيغفر لنا»، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يأخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق؟ ودرسوا ما فيه. والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجر المصلحين. وقد قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]. فهذا خبر من الله عن من كان متصفًا بهذا الوصف قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم. ومن أدرك من هؤلاء محمدًا صلى الله عليه وسلم فآمن به، كان له أجره مرتين. هذا الفصل، كما رأينا، أجاب فيه عن شبهتهم في استدلالهم أن القرآن أثنى على أهل الكتاب، فدل ذلك على صحة مذهبهم، وهذا باطل. وبطلانه ظاهر، لو لم يكن إلا ما جاء في الأدلة الأخرى الصحيحة الصريحة التي تبين كفرهم، وكفر كل من لم يؤمن بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، جملة وتفصيلًا، لكان كافيًا. وهذا من الاستدلال بالمجمل والمحتمل، وهو ليس بصحيح عند العقلاء، فضلًا عن من عرف الشريعة والدين. ثم أجاب رحمه الله عن توجيه هذه الآيات بأنها توجه على أحد ثلاثة توجيهات: إما أنها في حق من كان مؤمنًا من أهل الكتاب قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، وكان على الدين الصحيح غير المبدل، فهذا يكون في حقه، وفي أمثاله. أو يكون في حق من كان كذلك، ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام فآمن به، فله أجره مرتين، كما جاءت به الأحاديث الكثيرة. والصنف الثالث من هؤلاء هم الذين كانوا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يستطيعوا أن يظهروا الإسلام، وهذا إلى قيام الساعة، فهو في الظاهر من أهل الكتاب، وهو في الباطن من أهل الإيمان. ولهذا نبه العلماء في كتبهم على هذا الصنف من الناس، تنبيهًا وتبيينًا لحكم الله في الدنيا وفي الآخرة. فذكر ابن القيم رحمه الله في «طبقات المكلفين» و«مفتاح دار السعادة»: أن من هؤلاء الطبقات من أظهروا الكفر وأبطنوا الإسلام، وأمثالهم كأمثال كثير، فيمن أخبر الله عز وجل عنهم، كامرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، والنجاشي، وجماعة ممن كان عندهم إيمان، ولم يستطيعوا أن يظهروه، خوفًا على أنفسهم، وعجزًا. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فهؤلاء لهم في الدنيا، إن لم نعلمهم، حكم الكفار، وإن علمناهم، فلهم حكم المؤمنين. فمن علمناهم، كالنجاشي، صلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام، بما أخبره الله أوحى إليه، وبما كان بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام من مراسلات. وأما من لم نعلمه، فليس له في الدنيا إلا حكم الكفار، وفي الآخرة أمره إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا ذكروا أن الناس في قبول الحق والدين الهدى الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام على أربعة مراتب: منهم من قبله ظاهرا وباطنا، وهم المؤمنون. ومنهم من رده ظاهرا وباطنا، وهم الكفار والمشركون. ومنهم من قبله ظاهرا أو باطنا، ورده ظاهرا، وهؤلاء هم من آمن من أهل الكتاب وخاف على نفسه. ومنهم من قبله ظاهرا ونفاه باطنا، وهم المنافقون. فهؤلاء أربعة مراتب في أحوال الناس مع الدين والهدى الذي بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام. فعلى هذا التوجيه، فلا إشكال في الثناء على أهل الكتاب، لأن المقصود ليس جميع أهل الكتاب، وإنما نوع خاص وصنف خاص من أهل الكتاب، وهم أحد هؤلاء الثلاثة. وهذا يريد الشيخ أن يبين أن هذا كما أنه كذلك معقول، وهو كذلك معروف، وذكر أمثلة على ذلك فيما سمعنا من الآيات. فإن ثناء الرب جل وعلا على الأمم، وعلى خواص أهل الأنبياء، ليس ثناء على المؤمن والفاسق، ولا يستطيع أن يستدل به أحد، ولكن ثناء على من يستحق الثناء، كما وضحوا وبيّنوا في الآيات التي أشار إليها رحمه الله.