الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 162، الدرس الثاني والستون بعد المائة:(ومنها أن الله أدر له الشاة التي ليس فيها لبن ... إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي عبد الله بن مسعود قصة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم في إدرار اللبن للشاة، مما يعد دليلاً على نبوة النبي. هذه القصة تبرز قدرة النبي الخارقة.
يتناول المقطع مسائل فقهية حول الإحسان وضيافة المسافر، مشيرًا إلى شروط الإحسان وجواز سؤال المسافر ما يحتاجه إذا جرى به العرف. كما يشير إلى جواز التصرف بإذن المالك وفضل الدعاء.
المقطع يتناول توجيهًا حول حديث حبس الشمس ليوشع بن نون، موضحًا ضعف الحديث وتفرد ابن أبي عياش به، ويبين أهمية التوقف عند الألفاظ الخارجة عن الصحيحين إذا غيرت المعنى.
يناقش المقطع هوية فاتح بيت المقدس، حيث يشير إلى حديث يذكر يوشع بن نون كفاتح، ويشير إلى خلاف ذلك عند بعض العلماء، مما يبين اختلاف العلماء في تفسير هذا الحديث.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة". قال رحمه الله: ومنها أن الله أدر له الشاة التي ليس فيها لبن. قال أبو داود الطيالسي، رحمه الله، كما في ترتيب المسند -وقوله ترتيب المسند لأنه ليس لأبي داود- قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، قال: كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة. وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: فأتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وقد فرا من المشركين، فقال: يا غلام، هل عندك لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما. قال: فهل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم. قال: فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع، فدعا، فحفل الضرع. ومعنى "حفل" يعني صار حافلا، أي ممتلئًا على وجه المدح، ومعناه صار ممتلئًا يفرح الناظر من كثرة اللبن الذي فيه. قال: وأتى أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب، ثم شربه وأبو بكر، ثم سقاني، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص. فلما كان بعد، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: علمني من هذا القول الطيب -يعني القرآن- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك معلم -يعني موفق للتعليم- قال: فأخذت من فيه سبعين سورة، ما ينازعني فيها أحد -يعني مشافهة ومباشرة من النبي عليه الصلاة والسلام-. أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث دلائل نبوة عليه الصلاة والسلام، فقال: ومنها أن الله أدر له الشاة التي ليس فيها لبن. فهذه آية ودليل من دلائل النبوة؛ فإن الله عز وجل أيده بآيات ودلائل، ومنها هذه الآية. ووجه الشاهد من الحديث كونه دعا على الضرع فامتلأ الضرع لبنًا، فصار حافلا باللبن، مع أن هذه الجذعة لم ينز عليها الفحل. والجذع من الضأن هو ما بلغ تقريبًا ستة أشهر، وما بلغ تقريبًا ستة أشهر، ومثل هذه صغيرة، ليس وقتها وقت حمل. فهذه آية واضحة ظاهرة تدل أنه مؤيد من عند الله عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى، من أهم هذه المسائل: فيها فضل عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه أرضاه؛ فإنه كان رجلًا وشابًا أمينًا قبل الإسلام وبعد الإسلام. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقه". فالتوفيق في الإسلام يكون بما كان من حرص صاحبه. ولهذا تجد أن من فيه خير يوفقه الله للإسلام، ولما فيه من خير. والمحروم ما حرم إلا لما كان من خبثه وشره وتقاعسه وركونه. فليس لله أحد حج على الله سبحانه وتعالى، فالحجة لله بالغة سبحانه وتعالى. وفيه كذلك من المسائل: هذه المسألة في الأمانة في الرعي، وهكذا ما كان بمعناها؛ فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود على قوله: "إني مؤتمن ولست بساقي". كما فدل على أنه إذا لم يؤذن للراعي، فلا يجوز له أن يأذن لأحد؛ فإن الإكرام لا يكون بحق الغير. وهذه مسألة دقيقة قد يتوسع فيها بعض الفضلاء، فضلا عن من دونهم؛ فإنهم يتوسعون في باب الخير والإحسان، ظنًا منهم أن هذا مما يحبه الله، وهو كذلك، لكن إذا عارض حق الآدمي، فإن الله لا يحبه ولا يأذن به. فلا يجوز الإحسان من حق الآدمي حتى ولو كان كافرًا، فكيف بالمسلم؟ وهنا الغنم لكافر، فكيف بمسلم؟ فإنه لا يجوز إلا بإذن، لا يجوز إلا بإذن. وفيه كذلك أنه يجوز للعامل ومن كان بمعنى أن يتصرف إذا كان عنده إذن، سواء كان الإذن لفظيًا أو فعليًا أو إقراريًا أو عرفيًا؛ فإن كان هناك إذن، فإنه يجوز له. ولهذا استأذن منه، رضي الله عنه أرضاه. لو علما أن هذا لا يجوز بالمرة، فإنهما لن يستأذنا. لكن لأنه قد يكون المالك، ولأنه كذلك قد يكون مأذون له، ولغير ذلك من المعاني، استأذنا في الحلب. وفيه من المسائل كذلك: جواز المسألة في مثل هذا الحال؛ فإنها ليست من المسألة المذمومة؛ فإنه مما جرى به العرف، بل نص الشرع أن مثل ذلك مما قد يكون فيه الحق، فهي من الضيافة وإغاثة عابر السبيل التي أوجب مثلها الشرع. أوجب مثلها الشرع، فيجوز للغريب إذا احتاج أن يسأل ما جرى به العرف. ويجري العرف بما تدفع به الضرورة، كالماء والطعام عند عدمه، وربما الثوب الذي يدفع به ضرر البرد، لا ما كان فضله، لا ما كان فضله. ومثله أشياء أخرى إن قطعت في الطريق، فاحتيجت مثلا لكفر -يعني خربت عليك عجلات سيارتك- فلا بأس أن توقف سيارة وتستعين بهم، سواء بساعدتك أو إعطائك ما تحتاج. وليس هذا من المسألة المذمومة، بل إذا ضررت بنفسك، ربما يلحقك الإثم كما لا يجوز لهم وهم يستطيعون أن يعينوك أن يمتنعوا من ذلك؛ لأن هذا من مواضع الصدقة الواجبة. فليست الصدقة تنحصر بالزكاة -أي الواجبة- بل توجد صدقة واجبة غير الزكاة، وهي دفع الضرر عن المتضررين؛ فإن ذلك مما أوجبه الدين. ومن مسائل هذا الحديث كذلك: فيه فضل الدعاء والتسبب به في حصول الخير القريب والبعيد. وهكذا كما تقدم في دروس سابقة: فيه الأخذ بالأسباب حتى في مثل هذه المواضع؛ فإذا كان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن دونه من باب أولى. وهكذا كذلك فيه من المسائل: جواز الشرب بأوعية الحجارة؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام شرب أبو بكر حين أتى بالصخرة المنقعرة، فحلب فيها. وفيه كذلك ما كان عليه الصحابة، رضي الله عنهم، من حرصهم على العلم. وهذا من فضائل ابن مسعود خاصة؛ فإنه كان معلمًا في هذا الباب، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن منه. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. يقول: هل يدل ما ذكرتم أن الإكرام لا يكون على حساب حق الغير، بأن يأخذ دين زيادة الإكرام ما أن عليه دين من قبل؟ إذا كان يستطيع سداد الدين، لا بأس. وأما إذا كان لا يستطيع فيضر من نفسه، فقد نهينا عن التكلف. فإذا كان ليس عنده، يأتي بما عنده الموجود. وإذا لم يجد أبدًا شيئًا، فيصنع كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، رضي الله عنهم. من يضيف ضيفًا، رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينادى بذلك، فلا بأس أن تحوله، تتصل بأحد إخوانك، تقول: جاء أنا ضيف. وبأسلوب لطيف تقول: أنا ما عندي شيء، سامحني، ما رأيك نأتي أنا وهو عندك؟ فتضيفنا عندك، فلا بأس بهذا إن شاء الله. والمسلمون بعضهم مع بعض كالجسد الواحد. يقول: إذا قلت أريد منك عطرًا، هل من المسألة؟ نعم، من المسألة، هذا من المسألة، إلا إذا بلغت بينكم الأخوة مبلغًا يتعدى مثل هذه الحواجز، فهذا شيء آخر. فقد أذن ربنا جل وعلا في الأكل من بيت الصديق أو صديقكم -يعني إذا كانت بلغت الصداقة أن يؤذن لمثلك في ذلك-. وهذا يقول: إذا بعض الأحيان يسأل الجار جاره إذا احتاج إلى بصل أو كبريت أو ملح أو غير ذلك، فهل هذا من المسألة المذمومة؟ لو ترك أحسن. وإذا احتاج أو اضطر، فهو مثل الماعون، لا ينبغي للإنسان أن يمنع الماعون. وهذا بمعنى إذا مثلًا احتجت الكبريت، فآخر لحظة والدكاكين مغلقة، لا بأس أن تطلب الكبريت من جارك. طيب، هذا يقول: بالنسبة لحديث: غزا نبي من الأنبياء -جاء تسميته عند أحمد والطحاوي- ذكره الشيخ الألباني في "الصحيح" برقم... والحديث صححه الشيخ الوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" برقم... ولفظ الحديث: "إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع" إلى آخره. وذكر الشيخ الألباني "الضعيفة" برقم 981، ردًا على من يصح حديث: "أسماه بنت عميس"، قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني عبدك، إيا إن عبدك علي احتبس نفسه على نبيك، فرد عليه شرقها". وفي رواية: "اللهم إنه بطاعتك وطاعة رسولك، فردد عليه الشمس". قالت: أسماه. فرأيت وغربت، ثم رأيت وطلعت بعدما غربت. والكلام طويل -يعني الحديث هذا ضعيف-. قال: ثم ذكر حديث الصحيحين في حديث الشمس لنبي من الأنبياء، ويوشع بن نون، كما في رواية لأحمد والطحاوي بسند جيد. فنرجو التوجيه. التوجيه: أن هذا الحديث ضعيف، لم يصح. حديث أن الشمس لم تحبس إلا ليوشع بن نون، الصحيح أنه حديث ضعيف معل. فقد ذكر الخلال في "العلل" عن الإمام أحمد، رحمه الله، أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: انفرد به ابن أبي عياش. أبو بكر ابن أبي عياش تفرد بهذا الحديث بهذا اللفظ. وقال: وأبو بكر يضطرب إذا روى الحديث عن الصغار. أبو بكر يضطرب إذا روى الحديث عن الصغار. فأعل هذا الحديث بأبي بكر. وبه نعرف شفافية الشيخين في كونهما لم يخرجا هذه اللفظة؛ فقد أخرجا هذا الحديث بطرق، والثقات رووا هذا الحديث دون تسمية يوشع بن نون. وتفرد أبو بكر ابن عياش بذكر يوشع بن نون. وهنا قاعدة ينبغي أن ينتفع بها طالب العلم، وقد استفدناها من مشايخنا، وهي أن الحديث إذا كان أصله في الصحيحين، وجاءت لفظة خارج الصحيحين ليست في الصحيحين، فينبغي أن يكون عندك الأصل هو التوقف في هذه اللفظة -ليس توقف حكمًا بضعفها، لكن بحثًا عن حقيقة الأمر فيها- بحثًا عن حقيقة الأمر فيها، خصوصًا إذا كانت هذه اللفظة فيها زيادة حكم، وفيها تغيير للمعنى. فالغالب أن أهل الصحيحين لا يتركون مثل هذه اللفظة. الغالب أن أهل الصحيحين لا يتركون مثل هذه اللفظة. فإذا كانت صحيحة عندهم، فهم يخرجون. فكونهم لا يخرجون، هذا يدل أنهم عن علم تركوا، عن علم تركوا. وهذا الحديث مثال، وله نظائر كثيرة في الصحيحين، بعض الألفاظ يتركها أهل الصحيحين. وأحيانًا يتركها البخاري ويقبلها مسلم، وأحيانًا يتركها مسلم ويقبلها البخاري. يكفي أن تعرف أن هذه الألفاظ هي محل اختلاف عند أهل المعرفة بالحديث. من يضرب لنا مثالًا آخر؟ أه أه أه أه. عبد الرحمن، مثال آخر؟ نعم. جاء عند أبي داود: "بعض الطهر"، لكن الصحيح أن معناها صحيح، هي من جهة الرواية منتقدة. صحيح -يعني ترك أهل الصحيح عن عمد- لكن معناها صحيح. ومثلها في المستحاضة: تغتسل بعد كل صلاة. فإن الإمام مسلم تركها، ورجح الحفاظ أن هذه اللفظة موقوفة. ونحو ذلك من المباحث والألفاظ. والله تعالى أعلم. إذا أحد عنده شيء يفيدنا، أجزاكم الله خيرًا. نعم، أنه أيش؟ أيوه، نعم. اللفظة قصة يوشع. نعم، لأن فيها كذلك إشكال آخر من جهة التاريخ، نبه عليها بعض الحفاظ، وذلك أن الكثير من أهل العلم يرون أن الذي فتح بيت المقدس هو موسى عليه الصلاة والسلام. ولكن في هذا الحديث: فيه أن الذي فتح بيت المقدس هو من؟ هو يوشع بالنون. وهذا مخالف لما جرى عليه معرفة الكثير من أهل العلم في هذا الباب. وبعض أهل العلم أخذ بظاهر هذا الحديث، ولم يبالي بما نقل وما ذكر. وبعضهم خالف، فصار كلامه فيه شيء من التناقض. نعم، والله أعلم.