الدرس في كتاب الصيام 22، الدرس الثاني والعشرين :من: ( الحديث الثاني بعد المائتين ... بالطاعة فيها لا بالتشييد والزخرفة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان لتحري ليلة القدر، مع مناقشة اختلاف الروايات حول وقت خروجه من الاعتكاف. يبين المقطع معاني بعض الألفاظ الواردة في الحديث.
يشرح المقطع فوائد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، ويبين أن ليلة القدر تنتقل بين ليالي العشر الأواخر، وأنها في الوتر منها آكد. يؤكد أن الرؤية حق وأن عمارة المساجد تكون بالطاعة والعلم.
استثنى العلماء الحكم الخاص بصيام يوم عرفة، معتبرين أنه تيسير من الله ورحمة بعباده. الحكم الأصلي له استثناءات وتفاصيل دقيقة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المولد رحمه الله تعالى: قال عن نبي سعيد الخدري، قال الحديث الثاني بعد المائتين، قال عن نبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف بالعشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: «من اعتكف معي فليعتكف في العشر الأواخر، فقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، فقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر». قال: فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوقف المسجد، يعني تسرب المطر من سقف المسجد، فتقاطر السقف. قال: فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبهتي أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكر أحاديث باب ليلة القدر؛ لما له من تعلق ظاهر بهذا الباب، ففيه ظهور هذه الليلة في إحدى وعشرين، ليلة إحدى وعشرين. وسيأتي إن شاء الله السلام عليه. وأقرب الألفاظ إلى هذا اللفظ هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث ألفين وسبعة وعشرين، قال: حدثني إسماعيل، قال: حدثني مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد رضي الله عنه الحديث. غير أنه في هذا الموضع من البخاري اختلف الحديث عن ألفاظ ما ذكره المؤلف رحمه الله في المتن، وأهمها أنه انفرد البخاري رحمه الله بهذه اللفظة: «حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها». وظاهره أن خروجه من الاعتكاف كان في صباح العشر بعد أن ينتهي من العشر، ففي صباح الحادي عشر يخرج من الاعتكاف. وهذه اللفظة انفرد بها البخاري، وإلا فلفظ الصحيحين أنه كان يخرج في ليلة ذلك اليوم الذي يخرج أو الذي يصبح فيه عيدا. ومعناه: يخرج من ليلة إحدى وعشرين، ليس يخرج من صباح إحدى وعشرين، ولكن من الليل. وهذا هو الذي جاء في مسلم في حديث ألف مئة وسبعة وستين، وفي البخاري في حديث ألفين وثمانية عشر. ولهذا نقل الصنعاني رحمه الله عن الزركشي: أن هذا وهم من المؤلف رحمه الله أن ينسبه إلى الصحيحين، وليس هو بالصحيحين. وأن الراجح بهذه المسألة أن الخروج من المعتكف يكون في المساء، لا يكون في الصباح، يكون في المساء لا يكون في الصباح. فهذه اللفظة مما شذ بها بعض الرواة، وهو كذلك. ولهذا رواه البخاري رحمه الله في أكثر المواضع بأنه كان يخرج من ليلة إحدى وعشرين، ليس من الصبيحة، وإنما يخرج في الليل، لا يخرج في نهار اليوم الذي بعده. وهذا هو الصواب الذي دلت عليه أكثر الأحاديث، ليس حديث أبي سعيد فحسب، بل أحاديث أخرى تؤيد هذا المعنى. وهكذا كذلك في لفظ البخاري: «قال: من كان اعتكف معي»، وفي لفظ الذي عندنا: «من اعتكف». وفي لفظ البخاري: «فليعتكف في العشر»، وليس: «في العشر». وفي لفظ البخاري: «وقد أريت»، وليس: «فقد أريت». وفي لفظ البخاري: «فذلك»، قال: «فبصرت عيناي رسول الله»، وليس: «فأبصرت». وفي لفظ البخاري: «على جبهته»، وليس: «وعلى جبهته». قال رحمه الله تعالى: الشارح للغريب، قال: «في العشر الأوسط قياسه الوسط؛ لأن العشر مؤنثة». وتوجيه صحته أنه أراد اليوم، العشر مؤنثة أو مذكر العشر، هذه العشر، يعني تأنيث مجازي. وبعضهم قال: إن خروجه بنفي التذكير لأنه قال: «في العشر الأوسط»، ولم يقل: «الوسطى»، مع أن الأفصح أن يقول: على ظاهر اللفظ: «الوسطى»، «العشر الوسطى». لكن قالوا: هذا على تقدير: «في العشر الأيام الأوسط»، يعني أن هناك محذوف، تقديره: «الأيام» أو ما كان بمعناه مما يناسب لفظ التذكير. مما يناسب لفظ التذكير. وجاء عند مالك برواية: «في العشر الوسط»، هكذا رواه بعضهم بضم السين. وهذا لفظ من ألفاظ التأنيث، فيكون جرى على ظاهر اللفظ: «في العشر الوسط»، فوافق التأنيث اللفظ. ورجح الباجي رحمه الله أنه كذلك مذكرا؛ لأنه رواية بفتح السين: «العشر الوسط». فعلى كل الأحوال الأمر واسع؛ لأن هذا تأنيث مجازي، وزيادة على ذلك ممكن أن يقدر له شيء فيزول الإشكال. «فوقف المسجد»، أي: قطر من سقفه. ومنه: «وكف الدمع»، أي: قطر الدمع. قال: «أريد هذه الليلة ثم نسيتها»، معناه: أقبرت بموضعها ثم نسيت كيف أقبرت، لحكمة إلهية، لا أنه رآها عيانا. وجاء في رواية أخرى: أن سبب نسيانه اختلاف الصحابة فيها، تشاح بعض الصحابة فيها: أي ليلة هي؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخبرهم بها، فلما حصل تداري المشاح وتلاح، أنسيها النبي عليه الصلاة والسلام، كالتأديب لهم على مسابقتهم. وكان بهذا حكمة، وهو بقاء خفائها. وسيأتي معنا إن شاء الله: أن الصحيح أنها تنتقل في كل العشر. قال رحمه الله: المعنى الإجمالي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الوسطى من شهر رمضان، ابتغاء ليلة القدر وتحريا لمصادفتها؛ لأنه يظن أنها في تلك العشر. هذا في أول الأمر، كان يظن النبي عليه الصلاة والسلام أنها أرجى ما تكون في العشر الوسطى، ثم أري عليه الصلاة والسلام أنها في العشر الأخيرة، كما مر معنا معناه في الأحاديث المتقدمة. قال: «فاعتكف عاما كعادته»، يعني في العشر الوسطى، حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه. وقلنا: الصواب أن هذه لفظة شاذة، والصحيح أنه كان يخرج من الليل، لا من الصباح، يخرج من الاعتكاف من الليل، لا من الصباح. قال: «علم أن ليلة القدر في العشر الأواخر، فقال لأصحابه: من اعتكف معي في العشر الوسطى، فليواصل اعتكافه وليعتكف العشر الأواخر». وفي هذا: أن مما يعين على إحياء ليلة القدر الاعتكاف، مما يعين على إحياء ليلة القدر الاعتكاف. قال: «فقد رأيت في المنام هذه الليلة وأنسيتها، وقد رأيتني فيها في المنام أسجد في ماء وطين»، يعني: أريت هذه الليلة أي في هذه السنة التي كان فيها. وهذا هو القول الصحيح، خلافا لمن زعم أنها في إحدى وعشرين في كل سنة. وهذا قطعا، بل معنى الحديث: أريها لتلك السنة التي اعتكف فيها النبي عليه الصلاة والسلام، ونسيها أو أنسيها حكمة من الله؛ حتى يجتهد الصحابة. ثم رأى في المنام أنه يسجد على ماء وطين من صبيحتها، يعني: علامة لظهور أنهم أدركوا ليلة القدر، علامتها أنهم يصبحون على مطر، وأن النبي عليه الصلاة والسلام يسجد على ماء وطين. قال: «وهي رؤية حق، ولم يأت تأويلها، فلابد أنها أمامكم بالعشر الأواخر، فلتمسوها فيها»، هذا معنى الحديث. قال: «فصدق الله رؤيا نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمطرت السماء تلك الليلة»، يعني في ليلة إحدى وعشرين. قال: «وكان مسجده صلى الله عليه وسلم مبنيا كهيئة العريش، عمده من جذوع النخل، وسقفه من جريدها». جذع النخل معروف: الساق. وسقفه من جريدها، الجريد هو هذا الورق الطويل. قال: «فوقف المسجد من أثر المطر وكف»، يعني: فساقط المطر من بين ذاك السقف. قال: «فسجد صلى الله عليه وسلم صبيحة إحدى وعشرين في ماء وطين»، وهذا تفسير الرؤيا. قال: «ما يؤخذ من الحديث: أولا: كون النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسطى طلبا لليلة القدر قبل علمه أن وقتها في العشر الأواخر»، يعني: فيه جواز الاعتكاف في العشر الوسطى. وفيه كذلك جواز زيادة في الاعتكاف عن العشر إذا كان في ذلك مصلحة. وفيه كذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى أن الاعتكاف مما يعين على إحياء ليلة القدر؛ ولهذا أمر أصحابه أن يعتكفوا معه العشر الأواخر. قال: «ثانيا: هذا الحديث من أدلة الذين يرونها في ليلة إحدى وعشرين». ومر معنى أن الصواب أن هذا خاصة في سنة واحدة، في تلك السنة التي أري فيها النبي عليه الصلاة والسلام تلك الرؤيا، ليس معنى أنها في كل سنة. ولهذا ثبت عن عدد من الصحابة أنها في سبع وعشرين؛ لأنهم هجروها كذلك في ليلة سبع وعشرين في بعض السنوات. فهذه علامة خاصة لتلك السنة، ولكن هناك علامة عامة، العلامة العامة هو ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي: «أن علامتها أن الشمس تكون في صبيحتها لا شعاع لها، تطلع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها، ليس لها شعاع على خلاف الأيام الأخرى». هذه علامة مستمرة على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وأما في تلك السنة كان علامتها أن يسجد النبي عليه الصلاة والسلام على ماء وطين، فوقعت في إحدى وعشرين. فإذن: الصحيح: هذا الحديث يؤكد أن ليلة القدر تنتقل بين ليالي العشر، ولا تكون في ليلة واحدة. قال: «ثالثا: يدل هذا الحديث على أنها في العشر الأواخر، وفي أوتارها آكد أنها تكون في العشر الأواخر، وأنها في الوتر منها آكد». قال: «رابعا: أن الرؤية حق، لا فيما رؤية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام». وقد مر معنا الكلام على الرؤية، ورؤية الأنبياء حق، ولا بد أن تقع. وفي ذلك أدل من الكتاب ومن السنة. فمن الكتاب: رؤية إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه يذبح ولده، فهي رؤية حق. وهكذا رؤية يوسف عليه الصلاة والسلام. قال: «خامسا: صفة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بزمنه، وكونه عريشا، فقد سقف بالجريد الملبد بالطين»، يعني: الذي جعل فوقه طين. «وحيطانه بعرجون النخل، وسواريه بنخوع النخل». فعمارتهم المساجد بالطاعة فيها، لا بالتشييد والزخرفة، يعني: المقصود من المسجد هو مكان يصلى فيه، ليس أن يزخرف وتبذل فيه الملايين والأموال الطائلة، ثم بعد ذلك تبقى خاوية. فالعمارة الحقيقية: إعمارها بالطاعة والعلم وغير ذلك. وهكذا في هذا الحديث، كما سبق: الدليل على أن خروج المعتكف من معتكفه على القول الصحيح ليلة العشر، ليس صبيحتها من اليوم الذي بعده؛ لما جاء في أصل هذا الحديث في الصحيحين على خلاف اللفظ الذي ذكره المؤلف رحمه الله. وفيه كذلك: أن الليلة تسمى قبل اليوم، فليلة اليوم هي الليلة التي قبله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي سعيد هذا قال: «إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها». فأبين بهذا أن الليلة تكون قبل اليوم. هذا هو القول الصحيح، وعليه جمهور أهل العلم. بعضهم استثنى، قال: «إلا يوم عرفة، فليلة عرفة تكون بعده لحديث عروة بن المدرك: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجزأه أنه من وقف في عرفة ساعة من ليل أو نهار، فإنه أدرك عرفة». مع أن الوقوف في عرفة في تلك الليلة ليس وليلة عرفة، بل وليلة مزدلفة. لكن استثنى العلماء هذا الحكم، فقالوا: هذا خاص بحكم عرفة، رحمة من الله عز وجل بعباده وتيسيرا لهم. الحمد لله رب العالمين.