تفسير سورة الجمعة من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة الجمعة من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة الجمعة من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مثل اليهود الذين لم يعملوا بالتوراة

يشرح المقطع الآية القرآنية التي تضرب مثلاً لليهود الذين لم يعملوا بالتوراة، ويبين أن الله لا يهدي القوم الظالمين. يُفصّل المفسر معنى الآية ويُظهر الحكمة من ضرب الأمثال في القرآن.

ضرب المثل بالحمار وعدم الانتفاع بالعلم

المقطع يشرح المثل القرآني الذي يقارن اليهود بحمار يحمل أسفارًا، مشيرًا إلى عدم انتفاعهم بالعلم. يوضح أن اليهود لم يعملوا بما في التوراة ولم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

تحذير من إهمال العمل بالعلم واتباع الظلم

يتناول المقطع تحذير الله تعالى لليهود من إهمال العمل بالعلم، ويبين أن الكفر والظلم مترابطان. يحذر أهل الإسلام من اتباع نفس مسلك اليهود في إهمال العمل بالعلم.

عداوة اليهود للأنبياء والرسل وعواقبها

يشرح المقطع عداوة اليهود للأنبياء والرسل وقتلهم لبعضهم بسبب تقديم شهواتهم على دين الله. يُبين أن هذا العمل يُعد من أعظم الظلم ويستحقون عليه عذابًا شديدًا يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، قال المفسر رحمه الله: مثل الذين حملوا التوراة -كُلفوا العمل بها- ثم لم يحملوها -لم يعملوا بما فيها من نعته صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا به- كمثل الحمار يحمل أسفارا -أي كتبا- في عدم انتفاعه بها، ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ المصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم، والمخصوص بالذم محذوف تقديره هذا المثل، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فما زلنا في هذه الآيات العظيمات المليئة بالآيات والعظات والعبر من سورة الجمعة، وفي هذه الآية خطابٌ لليهود، وهو مثلٌ عظيم ضربه الله عز وجل في هؤلاء اليهود، وذلك قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾، قال المفسر رحمه الله: كُلفوا العمل بها، وهم اليهود. وضرب الأمثال في القرآن له أوجه كثيرة بيّنها العلماء، ومن أحد أوجهها أنها تقريبٌ للمعنى وإيصالٌ للنتيجة، فوسائل الإقناع كثيرة، ومن وسائل الإقناع ضرب الأمثلة؛ فإنها تقرِّب البعيدة بالقريب وتجلِّي المبهم بالواضح، وهذا من هذا القبيل. فالله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال ليتضح أكثر ما قد خفي، ولأجل يقرب ما بعد. ومن حكم الله عز وجل في ضرب الأمثال فتح عقول البشر؛ الإنسان بضرب الأمثال تتفتح معارفه وتتضح وتتجلَّ له ما قد يخفى عليه. فالله عز وجل تُبينُ بهذه الآية بهذا المثل أن حقيقة ما عليه اليهود كحقيقة هذا المثل، فلا فرق بين حمار يوضع على ظهره حملٌ كبير من الكتب، وبين من يُنزل عليه كتاب الله العظيم ثم يحمله ولم يعمل به؛ فإنه لا فرق بين هذا وهذا. وعند ذلك يتضح حقيقة ما أراد الله عز وجل من بعث الرسل وإنزال الكتب، وأن الكتب لم تُنزل لأجل أن يُجعل لها التعظيم الحسي كما هو حال اليهود، وليس التعظيم المعنوي -وهو باتباعه وانتثال أوامره والأخذ بما فيه-. وهكذا كذلك من حكم الله بضرب الأمثال ووضع الأقيسة التي تُقرب المعاني وتُجليها ويُلحق بعضها ببعض؛ فكما أن هذا الأمر المحسوس واضحٌ وجلي في ظهور ما عليه من يعمل هذا العمل، فإذا وضعت الأسفار على الحمار لن ينتفع الحمار بهذه الأسفار، وكذلك من حملها ولم يعمل بها ولم يكن ممن ينتفع بما فيها؛ فمثله كمثل هذا الحمار. والمقصود ها هنا -كما ذكر رحمه الله- ثم لم يحملوها أي لم يعملوا بما فيها من نعته صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا به، وهذا بعض ما عند اليهود، وهم ليس فقط لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم مع ما أخبروا في التوراة من وصفه عليه الصلاة والسلام. وقد مر معنا أن اليهود كانوا يخبرون قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أوان خروج نبي يخرج من مدينة بها نخل كثير، ويظنون أنها طابة -أي المدينة المنورة-. ولهذا انتقل اليهود من الشام إلى المدينة؛ فاشتروا مزارعها وابتنوا فيها، وكانوا إذا تعادوا هم وأهل المدينة من الأوس والخزرج كانوا يهددونهم بمبعث نبي من سلالة بني إسرائيل -هكذا يقولون- وأنهم سيكونون معه ويقاتلون أهل المدينة. ولذلك لما كان أهل المدينة عندهم هذا العلم من اليهود، لما سمعوا بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة سارعوا وبادروا أن يسبقوا إلى هذا النبي فيكونون من أنصاره قبل أن يكون اليهود من أنصاره، كما جاء في حديث جابر -معناه في الصحيحين- فخرج أهل المدينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبايعوه على النصرة، وذلك لما بلغهم من علم يهود. فليهود لم ينتفعوا بالعلم، وانتفع به غيرهم. فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فصار هذا المثل أليق مثل يضرب بهم. وهكذا كذلك أشياء أخرى مما هي في التوراة ولم يعملوا بها؛ فصار مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاره. والأسفار هي المجموعة من الكتب، فقولوا أسفارا أي كتبا، هذا تقريب للمعنى، وإلا فالأسفار مجموعة من الكتب، بل مجموعات من الكتب، وكل مجموعة من الكتب يسمى سفر، ومجموعه أسفار -أي مجموعات من الكتب- تأكيد على أنها كتب كثيرة. ومع ذلك فالحمار لا ينتفع بهذه الكتب وما فيها من علوم، وكذلك حال اليهود. والمقصود هو الإشارة إلى ثلاثة أمور: أولا أنهم لم ينتفعوا بما أوتوا من العلم، وهذا هو المقصود الأول. والثاني أنهم كذلك لم يسلكوا مسلك العقلاء الذين ينتفعون من العلوم، بل سلكوا مسلك الحيوانات والبهائم؛ فأعرضوا عن هذه العلوم. وهذا هو الواقع؛ فإنهم قدموا شهوات أنفسهم الحيوانية على ما علموا من العلم الذي بعث الله عز وجل به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام. والأمر الثالث بيان أن الشأن كل الشأن ليس في تعظيم الكتاب حسا وعدم العمل به معنا؛ فالحقيقة من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو للعمل بها. فهذا الذي اعتنى بكتبه حتى نقلها ووضعها في هذه الأسفار؛ هذا يدل على أنه ماذا معتن بكتبه، وأراد أن يحفظها، ولكنه حفظها حفظا حسيا ولم ينتفع بها. فكذلك هؤلاء اليهود. وهذا المثل المضروب لليهود هو كذلك لأهل الإسلام؛ أن لا نكون مثل اليهود ولو في آية واحدة. ولهذا فإن أهل العلم يستدلون بهذه الآية على كل من لم يعمل بالعلم؛ فإن من بلغه العلم ولم يعمل به كان حاله كحال اليهود. وقوله: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، قال: المصدق للنبي صلى الله عليه وسلم. وكما قلنا هذا تفسير ببعض المعنى، وإن لهم كذبوا بأشياء كثيرة، ومنها مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: والمخصوص بالذم محذوف، كما هو معلوم في اللغة، وفي مبحث بئسة؛ فإنه يأتي المخصوص بالذم وقد يذكر وقد يحدف. ومن البلاغة ما قد يحدف للتنبيه على ما هو أعظم مثلها هنا. وقوله: تقديره هذا المثل، أي فيما يدل عليه السياق -الآية-. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، قال: الكافرين. وتقدم معنى أنه إذا عبر عن الكافر بالظالم؛ للتنبيه على أن كفره قد تضمن ظلما عظيما، ولا ظلم أعظم من أن يعرض عن كتاب الله المنزل ولا يعمل به؛ فإنه من أعظم الظلم عند الله سبحانه وتعالى. ولهذا جاء في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾، وكذلك ﴿فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾؛ فالكافرون هم الظالمون، ولكن هذا النوع من الكفر من أعظم الظلم. وهذا من جنسه؛ فإن من سبب كفر أهل الكتاب واليهود خاصة أنهم ظلموا أنفسهم ودينهم بعدم العمل به، سواء بما كان بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم أو ما جاء من أحكام مفصلة فيها من التشريعات المحكمة التي تقتضي الانتفاع بها، ولكنهم حرفوها وغيروها وبدلوها ولم يعملوا بها. وليس هذا فحسب، كلما بعث الله عز وجل فيهم نبي أو رسول قاموا بقتله ومعاداته؛ تقديماً لشهوات أنفسهم على ما علموا من دين الله سبحانه وتعالى. وهذا من أعظم الظلم. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة من قاتل نبياً أو قتل نبياً أو قاتله نبي أو قتله نبي». واليهود بلغت عداوتهم أن قاتلوا الأنبياء وقتلوا بعض الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.