الدرس في تفسير سورة الجمعة من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع تفسير آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾، موضحًا أهمية صلاة الجمعة ووجوبها. استخدام حرف "من" بدل "في" للإشارة إلى التبعيض والجزئية يدل على أهمية التبكير لصلاة الجمعة.
يوم الجمعة يوم عظيم عند الله، وقد أخبر الله الأمم السابقة بأجر عظيم فيه. السعي إلى ذكر الله في يوم الجمعة يعني الإسراع والتبكير إلى الصلاة وسماع خطبتها، وهو مفهوم يختلف عن الفهم الخاطئ له لدى الأمم السابقة.
يفسر المقطع قوله تعالى 'فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ' ويبين أن المراد بالصلاة هو بداية الخطبة، ويحرم عقد البيع أثناءها. تحريم البيع يختص بمن تجب عليه الصلاة.
المراد بعلم الحقيقة وعلم العمل في الآية هو العلم الذي يدفع الإنسان لامتثال المأمور به. هذا العلم هو ما يميز من يعمل بما يعلم، وليس مجرد العلم الذي ينافي الجهل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، كما تقدم معنا أن النداء بالإيمان يستدعي الاعتناء بما يأتي بعده، وأنه من لوازم الإيمان، وهذه الصلاة من أعظم لوازمها، فهو ركن من أركان الإسلام، وهو أحد مباني هذا الدين العظيم، وصلاة الجمعة على وجه الخصوص أشد تأكيدًا ووجوبًا. قوله سبحانه: «إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ»، قال: بمعنى «في»، يعني أن السياق يقتضي إذا نودي للصلاة في يوم الجمعة، فلماذا عبر بـ«من»؟ قال أهل المعرفة باللغة والتفسير: أن تبادل أحرف المعاني يضيف إضافة معنى زائد عن المعنى الذي يقتضيه الحرف المقدر، يعني إذا قلت: إذا نودي للصلاة في يوم الجمعة، هذا السياق يفيد ظاهر هذه الجملة أن هذه الصلاة تكون في يوم الجمعة، وإذا عبر بلفظة «من» مكان «في» أضاف معنى زائدًا عن التعبير بأنه في هذا اليوم، وذلك ما تفيده «من» من التبعيض والجزئية وغيرها من المعاني المذكورة في معنى «من»، فكأنه يقول سبحانه وتعالى: ما أمرتم به من صلاة يوم الجمعة شيء يسير في هذا اليوم، فلا ينبغي أن يفرط فيه. ثم هذا الوقت الذي جعل في يوم الجمعة منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، فالواجب حضور الصلاة، والمستحب التبكير إليها، كما صحت بذلك الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، «فمن جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة» الحديث، فجعل التبكير على درجات، وآخر الدرجات من يأتي قبل الإمام بساعة، «فكأنما قرب بيضة»، وفي الساعة السادسة يطلع الإمام، ومعناه أن الإمام يطلع يوم الجمعة في نصف النهار، فقسم النهار إلى وقت الجمعة بست ساعات. ولهذا قال العلماء: إن صلاة الظهر منتصف النهار، صلاة الظهر منتصف النهار، وهو وقت الزوال، فالنهار يقسم إلى قسمين: ما قبل الزوال، وما بعد الزوال، والظهر هو وقت الزوال، والجمعة كذلك وقت الزوال، فأفادت هذه الآية كما قلنا الأمر بالمستحب والواجب، وأنه جزء لا ينبغي أن يفرط فيه، وهو شيء يسير من نسبة ليوم الجمعة. واستدل بعض أهل العلم بقوله سبحانه: «مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» على تعظيم هذا اليوم، وهو كذلك، ويوم الجمعة يوم عظيم عند الله سبحانه وتعالى، وقد أخبر الله عز وجل الأمم السابقة بأنه أعد أجرًا عظيمًا في يوم عظيم في الأسبوع، فظلت اليهود والنصارى عن هذا اليوم، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نحن السابقون الأولون»، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن اليهود والنصارى ضلوا عن يوم الجمعة، فعظمت اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد، وفقدوا أن يصلوا إلى يوم الجمعة. فجاءت أمة الإسلام، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهدوا إلى يوم الجمعة الذي هو قبل السبت والأحد، فهم الآخرون في الزمان، والسابقون في الوصول إلى يوم الجمعة، فسبقوا اليهود والنصارى في الوصول إلى الجمعة، وهم جاءوا بعد اليهود والنصارى، وفي رواية لمسلم في حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم «ونحن كذلك يوم القيامة الآخرون السابقون»، يعني سبقنا اليهود والنصارى في شيئين: الشيء الأول أنهم حرموا فضل يوم الجمعة، جئنا بعدهم وأدركنا فضل الجمعة، وفوت اليهود والنصارى فضل يوم الجمعة، وثانيًا أننا نأتي بعدهم وندخل الجنة قبلهم، فأمة محمد صلى الله عليه وسلم، أمة الإسلام، أول من يدخل الجنة يوم القيامة، جعلنا الله وإياكم من خاصة أهله وصحبته صلى الله عليه وسلم. فقوله سبحانه: «يَوْمِ الْجُمُعَةِ» في تعظيم هذا اليوم، وقد جعل الله عز وجل فيه فضائل وخصائص كثيرة، وقد ذكر العلماء في فضل يوم الجمعة أشياء كثيرة، من أعظمها أنه اليوم الذي يكرم الله عز وجل فيه أهل الجنة، وهو كذلك اليوم الذي تقوم فيه الساعة، ويقبل الله عز وجل فيه دعاء الداعين، وغير ذلك مما ذكر في فضائلها. وقوله: «فَاسْعَوْا»، قال: «فامضوا»، وهذا التفسير تفسير قاصر عن المعنى المقصود، فالمضي ليس هو السعي، اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فالسعي هو الإسراع والتبكير إلى هذه الصلاة وما فيها من ذكر لله، وفي هذا إشارة كما قال بعض أهل العلم إلى ثلاثة أمور: أولها التبكير إلى الصلاة، وثانيها إدراك خطبتها، وثالثها إدراك الصلاة، فالأول مستحب، والثاني والثالث واجب. فمن دخل إلى الصلاة قبل أن يبدأ بذكر الله فقد أدرك الصلاة، ومن فاته ذلك فإنه إن كان مقصرًا مفرطًا يأثم، وتكون إدراكه للصلاة ناقصًا قاصرًا، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما: أن الملائكة تطوي الصحف حين يصعد الخطيب على المنبر. وقوله: «إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ»، قال: «لِلصَّلاةِ»، وهذا من التفسير ببعض المعنى، والصحيح: إلى الصلاة وما معها من الذكر، وهي الخطبة، وكذلك ما تقدم من التبكير. وقوله: «وَذَرُوا الْبَيْعَ»، قال: «اتركوا عقده»، والأمر بذرو البيع فيه الأمر بالترك، والزيادة هو المعنى: بادروا وعجلوا بترك البيع قبل ابتداء الصلاة، وذلك لأن البيع في وقت الصلاة محرم، واستدل العلماء بهذا الموضع من الآية على تحريم عقد البيع أثناء الصلاة، والمراد بالصلاة: بداية الخطبة، لأنه قال: «فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ»، ومعناه: إذا ابتدأت الخطبة حرم البيع. وليس كما قال بعض الفقهاء: الصلاة، بل الصحيح: من حين أن يصعد الخطيب على المنبر، وكذلك ذكر العلماء تفاصيل فيما يتعلق بصلاة الجمعة في هذا الموضع، وفضلها وأجرها وآدابها وغير ذلك ومسائلها، ومن ذلك: أن عقد البيع المحرم هو على من تجب عليه الصلاة، ومن لا تجب عليه الصلاة فإنه يجوز له أن يعقد البيع، ولكن ليس على الصحيح في موضع يحرم فيها البيع. يعني مثلًا إنسان مسافر مر في طريق وجد فيه أسواقًا تبيع وتشتري في وقت الصلاة والناس في الصلاة، فهو بالنسبة له يجوز له أن يشتري لأنه مسافر، لكنه سيتعامل مع من هو تجب عليه الصلاة، فتعامله مع من يعينه على الإثم العدوان، إعانة على ماذا؟ على الإثم العدوان، فلا يجوز ذلك، لماذا؟ ليس لأنه تجب عليه الصلاة، لكن لأنه سيعين من تجب عليه الصلاة على عدم أداء الصلاة، والله عز وجل يقول: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»، وهذا ملحظ مهم ينبغي التنبه له. ومثله ما ذكره الفقهاء من بيع وشراء الصبي الذي لا تجب عليه الصلاة، والمرأة ونحوهما، فالصحيح: أنه لا بد أن يفصل، فبيع صبي من صبي، أو صبي من امرأة، أو مسافر من مسافر ونحو ذلك جائز، وأما من كان مع غير نظيره ممن تجب عليه الصلاة، فالصحيح: أنه غير جائز؛ لأنه يوقع في التعاون على الإثم والعدوان الذي يضغضه الله ولا يحبه ولا يأذن به. وقوله سبحانه: «ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»، قال: «أنه خير فافعلوه»، وذكر الخير بصيغة التبعيض تحفيز للوصول لهذا البعيد، يعني: لا تحرموا أنفسكم من الخير إذا لم تبادروا إليه، انظر سبحان الله بلاغة القرآن: أمر بالإسراع إلى الطاعة، وثمرت هذه الطاعة وأجرها أبعده؛ لأجل أن يكون ذلك تحفيزًا ألا يفوت خيرها وأجرها؛ لأنه لا يناله من يتمناه، وإنما يناله من سعى إليه واجتهد بالوصول إليه، وهذا هو المقصود من مثل هذه الصيغة، وهذا من بلاغة القرآن. وقوله: «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»، المراد به: علم الحقيقة وعلم العمل، وإلا فالعلم الذي ينافي الجهل هذا وصل بأول الآية، فمن بلغه وجوب صلاة الجمعة وفضلها ما فاته العلم، لكن المراد به ها هنا هو علم العمل والحقيقة الذي به يندفع الإنسان لامتثال هذا المأمور. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصل الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.