الدرس في تفسير سورة الجمعة من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يفسر المقطع الآية الكريمة "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض" ويشرح معنى "قضيت الصلاة" وأنه ليس مجرد الانتهاء منها بل إتمامها على الوجه الذي يحبه الله. كما يتناول مفهوم "الأمر بعد الحضر" في أصول الفقه ويبين أن "فانتشروا في الأرض" هو أمر إباحة يرجع إلى ما كان عليه الحال قبل النهي عن البيع أثناء الصلاة.
يتناول المقطع مقاصد الشريعة الإسلامية في الأمر بالاجتماع في العبادات والتفرق في الأمور المباحة، ويشرح الآية الكريمة ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ويبين أهمية التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب وذكر الله في جميع الأوقات.
يتناول المقطع تفسير آية الجمعة من سورة الجمعة، ويبين فضل حضور صلاة الجمعة والامتثال لأمر الله، ويتحدث عن أهمية التوكل على الله والرضا بقضائه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فإذا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. قال المفسر رحمه الله: «فإذا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» أمر إباحة، «وَابْتَغُوا» اطلبوا الرزق «مِنْ فَضْلِ اللَّهِ»، «وَاذْكُرُوا اللَّهَ» ذكرًا كثيرًا «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» تفوزون. كان صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير، وضرب لقدومها الطبل على العادة، فخرج لها الناس من المسجد غير اثني عشر رجلًا، فنزلت «وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا» أي: التجارة؛ لأنها مطلوبهم دون اللهو، «وَتَرَكُوكَ فِي الْخُطْبَةِ قَائِمًا»، «قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ» من الثواب «خَيْرٌ» للذين آمنوا «مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ»، «وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ». يقال: كل إنسان يرزق عائلته؛ أي: برزق الله تعالى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الآيات في سورة الجمعة، وفي آخرها، وهي آيات عظيمات، فيها من العظة والعبرة والأحكام والآداب الشيء الكثير. مر معنا في الآية السابقة أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالإسراع والسعي إلى صلاة الجمعة، وترك البيع والإقبال على ما فيه الخير لهم بالصلاة وما معها من خطبة الجمعة، وهو ذكر الله. ثم جاءت هذه الآية في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ أي: انتهت. وقضاء الصلاة فيه معنى الانتهاء. زيادة على ما تقدم من القاعدة في هذه اللغة العظيمة، لغة المعاني والمباني، لغة القرآن، اللغة العربية، أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. ففي معنى «قَضِيَتِ» زيادة عن معنى الانتهاء، وهو حصول الحاجة والمقصود. فأنت تقول: إذا جاءك الرجل يطلب حاجة، ثم أراد أن يذهب، تقول: «أَقْضَيْتَ حَاجَتَكَ؟» أي: أكملت ما تريد على الوجه الذي تحب. وفي هذا إشارة إلى أن الذي يقبل على الصلاة ينبغي أن يحرص ليس إلى إنهائها، ولكن إلى القضاء منها. والقضاء معناه أن يوفي الدين الذي عليه. فالصلاة بالنسبة للإنسان كالدين، لا يرتاح نفسيا ولا معنويا ولا حسيا حتى يسد هذا الدين الذي عليه. فعند ذلك تأتيه الراحة الحسية والمعنوية، ويجد آثارها ومنافعها. ولهذا ليس كل من يصلي ينتفع من هذه الصلاة، ولكن الذي ينتفع منها هو الذي قضاها على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، وشرعه وسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون له الانتفاع. وبه نعرف معنى قول الله عز وجل في الصلاة: «أَنَّهَا تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ». فنهيها عن الفحشاء والمنكر ليس لكل أحد، بل لمن أداها على الوجه الذي أرادها الله. ثم قوله سبحانه: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا أمر بعد حضر. وعند الأصوليين: الأمر بعد الحضر مبحث من المباحث الأصولية العظيمة، اختلف فيها أهل اللغة والأصول. الصحيح عند المحققين من أهل العلم: أن الأمر بعد الحضر يرجع إلى ما كان عليه ذلكم الحضر قبل الأمر. فإذا كان للإباحة، فيرجع للإباحة. وإذا كان للاستحباب، فيرجع للاستحباب. وإذا كان للوجوب، فيرجع إلى الوجوب. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، إذا نهى عنه ثم جاءت الإباحة فيه، فإنه يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك الحضر. «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ». هذا أمر بعد ماذا؟ بعد حضر. ماذا كان حال هذا الأمر قبل الحضر؟ هل كان على الإباحة؟ أو كان على الاستحباب؟ كان على الاستحباب؛ لأن زيارة القبور لتذكرة الآخرة، ولزيارة وصلة الأرحام والأقارب، هذا مرغب فيه في الشرع. فلما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه حماية لحمى التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك في أول الإسلام؛ لما كانت عليه قبور الناس في ذلك الزمان، فيها من الشركيات والوثنيات وغيرها من الخرافات والخزعبلات، نهى الإسلام في أول الأمر عن زيارة القبور سدًا لذريعة الشرك وحماية لحمى التوحيد من أن يدخل فيه دخيل. فلما صفا إسلام المسلمين، وتقرر وثبت التوحيد، عند ذلك أمر بزيارتها. فقوله: «فَزُورُوهَا» ليس للوجوب، وليس كل أمر للوجوب. لماذا؟ لأنه رجع هذا الأمر إلى ما كان عليه قبل الحضر، وهو قبل الحضر للاستحباب، فرجع كذلك للاستحباب. وكذلك البيع قبل النهي عنه هو من الأمور المباحة. فقوله سبحانه بعد ذلك: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ هذا أمر بعد حضر. لا نقول: إن هذا الأمر للوجوب. وهذا يدلنا على ما تقدم: أنه ليس كل أمر للوجوب، بل الأمر يحتفي به مسائل ومباحث. ومن هذه المسائل والمباحث: أن الأمر يرجع إذا كان قبله حضر إلى ما كان عليه قبل الحضر. وها هنا كان البيع قبل النهي على الإباحة. فلما نهى عنه الإسلام حفاظا على هذه الصلاة، وتأدية بهذا الواجب، ثم أباحه بعد إقامة هذه الصلاة، فإنه يرجع إلى ما كان عليه قبل الحضر، وهو الإباحة. وهذا مبحث دقيق لطيف، يفيد طالب العلم في جوانب كثيرة مما يتعلق باللغة والفقه وأصوله وقواعده. فإن الشرع جمع من المسائل والقواعد الشيء الكثير، التي متى اجتمعت لطالب العلم، جمع خيرا كثيرا، واستطاع بها أن يصل إلى مدلولات الشرع ومقاصده وروحه في نصوص الكتاب والسنة على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا الانتشار الذي أمر الله عز وجل به بعد قضاء الصلاة، أفاد أولا الرجوع إلى المباح الذي كان قد نهي عنه. ومعناه: أنه قبل الصلاة قُرنا بالاجتماع، وبعد الصلاة قُرنا بالانتشار. فمن مقاصد الشريعة، ومن محاسنها ومواضع كمالها وجمالها: الأمر بالاجتماع في مواضع العبادات، والأمر بالتفرق في الأمور المباحة والعادات. وهذا أصل مهم يفيد في الدين والدنيا. فأما في الدين: فلما له من الأثر في تحقيق الاجتماع الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، وما يكون به تعاون الناس في حصول الخير. وأما الانتشار: ففيه كذلك من مقاصد الدين: أن الناس لا يتزاحمون في مطالبهم الدنيوية. وفيه إشارة إلى أن تزاحم الناس في المطالب الدنيوية سبب للشحناء والبغضاء وحصول الحسد وغير ذلك مما يكون به التفرق والتمزق. فيذهب كل إنسان يبحث عن رزق، وأرض الله واسعة. وإذا تعددت الأسباب زادت أسباب الرزق وأبواب الخير. وفي هذا كذلك إشارة إلى أن الإنسان يعدد أسباب جلب الخير. بمعنى لفظ الانتشار الذي ذكر في هذه الآية. وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ إشارة: أنكم لن توفقوا فيما تطلبون من خير الدنيا إلا بفضل الله وإعانة الله سبحانه وتعالى. وفي هذا أمر بالتوكل على الله مع الفعل بالأسباب. وهذا أمر عظيم في ديننا، وهو من محاسن هذا الدين ومواضع كماله وجماله؛ إذ فيه أن الإنسان يفعل الأسباب ويتوكل على مسبب الأسباب ومالكها وخالقها وموجودها ومعدمها، وهو ربنا سبحانه وتعالى العظيم الذي الفضل كله بيديه، والرزق منه وإليه سبحانه وتعالى. فقوله: ﴿وَابْتَغُوا﴾ أي: التفتوا إلى الله حسا ومعنى في طلب فضل الله، وهو الرزق. وفي هذا إشارة -كما قال بعض أهل العلم- إلى فضل التسبب بالرزق بعد صلاة الجمعة. وسميت يوم الجمعة «جمعة»، وصلاة الجمعة «جمعة» لاجتماع الناس. فالناس يجتمعون في الصلاة، وبعد خروج الناس من الصلاة حصل هنا سبب من الأسباب التي هيأها الله أن يتكسب الناس ويتسببوا في الرزق. ولذلك كان الصحابة -رضي الله عنهم- مروي عن سلمان وغيره: أنه بعد أن ينقضي من الصلاة يتلو الآية، ويقول: «قد تركنا البيع لله، واستجبنا لأمر الله، والآن نخرج وننتشر لابتغاء فضل الله». فيخرج فيتجر بعد صلاة الجمعة، فيبارك الله عز وجل له في تجارته بعد صلاة الجمعة. وكانت تجارة العرب في ذلك الزمان فيما أيام اجتماع الناس. ولما جاء الله عز وجل بصلاة الجمعة، صارت صلاة الجمعة من أعظم مواسم التجارة، يجتمع فيها الناس. حتى كان سوق المدينة حول مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد صلاة الجمعة. ولا يزال إلى يومنا هذا. فيخرج الناس أفواجا، ويجدون أمامهم يتلقفهم الناس بأنواع المبيعات والتجارات، فيفتح الله عز وجل عليهم في الأرزاق، وبما يكون به تحقيق معنى «فَضْلِ اللَّهِ» سبحانه وتعالى. فتكون الصلاة جالبا للرزق، ولكن في وقتها الصحيح، وفي زمانها الصحيح. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أمر بذكر الله في وقت غفلة الناس. فإن ذكر الله في وقت الغفلة سبب لتحصيل الأجور العظيمة. وهذا له نظائر كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أمر الله بذكره الذكر الكثير في وقت التقاء الأعداء والقتال. وهكذا كذلك في هذا الموضع. إذا خرج الناس من الصلاة وذهبوا إلى الأسواق، وسواء كان بائعا أو مشتريا، فلا يغفل عن ذكر الله. وذكر الله يتناول ذكره باللسان، وذكره كذلك بالجوارح والأركان. فذكر الله باللسان: بما يكون من حركة اللسان واليد بذكره سبحانه وتعالى بالتسبيح والتكبير والتهليل. ولهذا جاء في ذكر السوق الذي حسنه بعض أهل العلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير". الحديث. وفيه: ما يكفر به من السيئات، وما يكتب فيه من الحسنات، الشيء الكثير. وهكذا كذلك: ذكر الجوارح بأن يحافظ المسلم في السوق على طاعة الله عز وجل في جوارحه. فيحفظ بصره، ويحفظ لسانه، ويحفظ جوارحه، ويحفظ أقواله وأفعاله. فلا يقول إلا الحق، ولا ينطق إلا بالصدق، ولا يتصرف إلا بما يوافق الشرع. وكل ذلك من ذكر الله سبحانه وتعالى. لأن الناس في الغالب إذا اختلطوا، ضعفت أخلاقهم باختلاطهم بغيرهم مما يكون في السوق. فالسوق ليس محل الصالحين، وإنما هو خليط، فيه من الصالح والطالح. كما قيل. فينبغي للمسلم ألا يضيع ما أخذه من الأجر، وما تعلمه من الأدب في المسجد إذا دخل السوق. وهذه من المناقضات التي قد يبتل بها بعض الناس؛ إذ أنه يخرج من المسجد إلى السوق، فيكون خلقه بالسوق مناقضا تماما لما كان عليه في المسجد. فهذا من التذكير: أن يحافظ الإنسان على ما كان عليه من الخير، وذكر الله سبحانه وتعالى باللسان، وهكذا كذلك بالجوارح والأركان. وهكذا كذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ كما تقدم معنا: فيه ما دلت عليه النظائر الكثيرة من فضل ذكر الله عز وجل في وقت الغفلة؛ وذلك لأنه كذلك سبب لتحصيل فضل الله المعنوي مع فضله الحسي. فالفضل الحسي يجلبه الفضل المعنوي. فإذا ذكرت الله بلسانك وبجوارحك وأركانك، فإنك ستعان على تحصيل كذلك المعنى الآخر، وهو فضل الله الحسي بالتجارة وغيرها. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ هذه لفظة بديعة، تكرر الكلام عليها في آيات سابقة كثيرة. إذ فيها حث للعبد على تحصيل الخير والاجتهاد فيه؛ لعله يقبل منه، حتى لا يتكل الإنسان على عمله، ولا يغلب الرجاء، بل يجعل للخوف نصيبا. بأن يحسن العمل، فيدفعه ذلك إلى الإكثار والإحسان في عمله، حتى يفلح ويصل إلى الفلاح الذي وعد الله عز وجل به. وإنما يتقبل الله من المتقين. ولهذا كان يقول السلف: «ليس الشأن كل الشأن أن يوفقك الله للعمل، ولكن الشأن كل الشأن أن يتقبل الله منك هذا العمل». وهذا معناه: أن تحرص على أن تحسن في عملك حتى يتقبل منك، ليس أن تؤدي هذا العمل على وجه الرمي والإنهاء، ولكن على وجه الإتقان والإحسان الذي يكون به قبول العمل والفلاح فيه. وقوله رحمه الله: «تُفْلِحُونَ» تفوزون. قلنا: مثل هذا التفسير تفسير ببعض المعنى. فمن معاني الفلاح الفوز. وإلا فالفلاح فيه معنى الفوز وزيادة؛ لما تقدم من أن اختلاف المباني يدل على اختلاف المعاني. وقوله: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» أشار في التعليق في حديث جابر بن عبد الله، وهو في الصحيح في البخاري وغيره: أن سبب نزول هذه الآية، وذكره شيخنا -بالصحيح المسند مما ليس بالصحيحين- أن سبب نزول هذه الآية: هو أن عيرا لقريش -والمراد بالعير: أي القافلة المحملة بأنواع التجارات- هذه القافلة جاءت، فشغلت المصلين، وكانوا حديثا عهد بإسلام. وأول ما بدأت الجمعة، فوهم في فقر وفاقة، وليس عندهم من الأسواق ما عندنا اليوم. فوجود قافلة محملة بأنواع التجارات، تكون لمن هو لم يرسخ في قلبه بعد، ولم يتعلم ولم يعرف قدرا ومنزلة هذه الصلاة، ولم يأتيه من أحكامها الشيء الكثير، سببا لإشغاله. فشغلتهم هذه التجارة التي جاءت، فخرجوا إلا كما ذكر في الحديث: اثني عشر رجلا، بقيوا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فخرجوا لأجل التجارة. هكذا جاء في رواية البخاري وغيره. وجاء -كما ذكره شيخنا في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين من طريق ابن جرير وغيره- أنهم سمعوا صوت الجواري ينادين. وكان الجواري ينادين. وهذا من عادة العرب إذا كان هناك عرس، أو كان هناك حدث -يعني- يستخدمون الجواري لجلب الناس واجتماعهم، إما إلى العرس، وإما إلى التجارة، أو غير ذلك. وهذا هو اللهو المقصود في هذه الآية. فلما سمع الناس هذا الصوت -منهم من رأى التجارة، ومنهم من سمع الصوت- فكان هذا الصوت وذاك المنظر سببا في خروج الرجال من المسجد إلى خارج المسجد. به نفقه، نفهم معنى قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. التجارة هي العير، واللهو هو صوت الجواري وما صاحبه؛ لأن الجواري قد يستخدمن في ذلك الزمان، وقبل تحريم آلات اللهو والطرب، بعض آلات اللهو. وهذا هو معنى قول الله عز وجل: ﴿أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. اللهو المراد به ما كان مصاحبا لذاك الصوت، فيما كان هو من عادة العرب في ذلك الزمان، قبل أن يأتي الإسلام بتحريمه. فقوله رحمه الله: «أي: التجارة؛ لأنها مطلوبهم دون اللهو». هذا التعبير أراد به رحمه الله: أن الصحابة لم يخرجوا للهو، وهذا صحيح. ولكن اللهو كان سببا في شد انتباههم في الخروج، وهم خرجوا للتجارة، ولكن كان له سببا في خروجهم. والمقصود: أنه لا ينبغي للمسلم أن يترك هذا الخير لأجل التجارة أو غيرها، سواء كانت على وجه مباح أو كانت على وجه محرم. وقوله: «وَتَرَكُوكَ قَائِمًا» قال: في الخطبة؛ لأنه جاء كذلك بسبب النزول. وكما جاء في حديث جابر: «أَنَّهُ يَخْطُبُ وَمَعَهُ الْقَلِيلُ، وَيَخْرُجُ الْكَثِيرُ». وهذا في أول الإسلام، قبل أن يعرف الناس هذا الحكم، وبهذا يُعذر. وقوله: «مَا عِنْدَ اللَّهِ» قال: من الثواب. وهذا من التفسير ببعض المعنى. فـ«مَا عِنْدَ اللَّهِ» أعظم من الثواب، بل خير كثير يحصله الإنسان في هذه الصلاة، حسا ومعنى، من زيادة الإيمان، وتحصيل التقوى، والعلم، وغير ذلك. «خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا» يعني: هذه الخيرية لمن حضر هذه الصلاة من أهل الإيمان. وقوله: ﴿وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ والمعنى: «قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا عندكم من التجارة». والمعنى: إذا أقبلت على هذه الصلاة، فسيعوضك الله بالخير في الدين والدنيا، مما هو أعظم من هذه التجارة أو ذاك اللهو. وهذا واقع ومجرب. ولذلك: التجارة في وقت الصلاة تجارة ممحوقة البركة. وأما التجارة بعد الصلاة فهي تجارة مجربة البركة. ولهذا كان الصحابة يتسببون بها بعد الصلاة، وكذلك يحرصون على أخذ فضل الله في هذا الوقت الذي يعد من الوقت المبارك لهذا الباب. وفي هذه الآية كذلك إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن يلتفت بقلبه وبحاله إلى الله سبحانه وتعالى الرزاق الذي بيده كل شيء من أبواب الرزق. وأنه إذا التفت إلى الله، سهل الله له من أسباب وأبواب الرزق ما لم يكن في الحسبان. وهذا واقع ومجرب. فكم من إنسان يتعب ويشقى في باب يظن أنه يفلح فيه، ثم يوفقه الله إلى غيره، فيجد أضعاف أضعاف ما كان يرجوه فيما يظن أنه يفلح فيه. فالله عز وجل أعلم بما يصلح حالنا، ويفتح علينا في ديننا ودنيانا. ونسأل الله سبحانه وتعالى من واسع فضله، وعظيم عطائه، من خير الدنيا والآخرة. ونجعلنا وإياكم من عباد الله المهتدين. وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين.