الدرس في كتاب الصيام 11، الدرس الحادي عشر : من : ( الحديث الخامس والثمانون بعد المائة ... فإنهم يهرفون بما لا يعرفون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع حديث أنس بن مالك حول صوم الصحابة في سفر مع النبي، حيث أفطر البعض وصام الآخرون، وأثنى النبي على المفطرين لقيامهم بالأعمال في يوم حار. يُقر النبي كلا الفريقين على فعله.
يروي المقطع قصة تبرع المفطرين بخدمة الصائمين أثناء سفرهم في جهاد، حيث أثنى النبي على فعلهم. يستخلص من ذلك جواز الإفطار في السفر وفضل خدمة الإخوان.
يشير المقطع إلى أن الإسلام يحث على العمل ويرفع من قيمة الخدمة، وليس فقط العبادة، ويحذر من الكسل. يبين أن الدين يدعو إلى ما يصلح الدنيا والآخرة.
يتناول المقطع حكم الصوم في السفر ومسألة إلزام الجيش بالإفطار عند الحاجة، مشيرًا إلى أن الإفطار ليس واجبًا إذا لم تكن هناك حاجة لذلك. يُفهم من الحديث أن التفرقة بين أفراد الجيش مقبولة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحديث الخامس والثمانون بعد المئة، قال: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر، فمنا الصائم ومنا المفطر»، قال: «فنزلنا منزلا في يوم حار، وأكثرنا ظلا صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده»، قال: «فسقط الصوم، وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب»، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث كذلك في سياق ذكره لأحاديث المتعلقة بالصوم في السفر. وأقرب الألفاظ إلى لفظ هذا الحديث الذي ذكره هو لفظ الإمام مسلم رحمه الله مع اختلاف يسير. قال الإمام مسلم رحمه الله في حديث 1119: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: أخبرنا أبو معاوية عن عاصم عن مورق عن أنس قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر»، إلى آخر الحديث. بدل «عندنا» في سفر، في صحيح مسلم: «في السفر»، وبدل «فسقط الصوم»: «فسقط الصوام». قال رحمه الله تعالى -أي الشيخ البسام-: المعنى الإجمالي: كان الصحابة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أحد أسفاره، فبعضهم مفطر وبعضهم صائم، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقره كل منهم على حاله -يعني يقر الذين صاموا ويقر الذين أفطروا-. قال: فنزلوا في يوم حار ليستريحوا من عناء السفر وحر الهاجرة. وكانوا رضي الله عنهم متكشفين -يعني بسطاء في عيشهم، حالتهم متواضعة، بل هم فقراء-، لا يجد أكثرهم ما يظل عن الشمس، ما يجد أحدهم شيئا يصطدل به إلا أن يضع يده على رأسه أو أن يضع كساءه فوق عود أو شجرة فيصطدل به إذا كان له كساء. وكان بعضهم ليس له كساء. ولهذا قال: «وأكثرنا ظلا صاحب الكساء»، ليس إنسانا بعينه، ولكن معناه من يملك الكساء. ومعنى أن الكثير منهم كان لا يملك الكساء الذي به يجد الظل. قال: فلما نزلوا في هذه الهاجرة سقط الصائمون من الحر والظمأ، فلم يستطيعوا العمل -يعني تعبوا-. وقام المفطرون فضربوا الأبنية بنصب الخيام والأخبية، وسقوا الإبل وخدموا إخوانهم الصائمين. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعلهم وما قاموا به من خدمة الجيش، شجعهم وبيّن فضلهم، وقال: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». قال: ما يؤخذ من الحديث: أولا، جواز الإفطار والصيام في السفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقر كلا على ما هو عليه، وهذا ظاهر. قال: ثانيا، ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من رقة الحال في الدنيا، ومعنى رقة الحال: يعني الفقر والفاقة التي كانوا عليها. ومع ذلك لم تمنعهم رقة الحال من ارتكاب الصعاب في الجهاد في سبيل الله، كانوا فقراء، الكثير منهم ما يجد الكساء، ومع ذلك كانوا يجاهدون في سبيل الله. قال: ثالثا، فضل خدمة الإخوان والأهل، وأنها من الدين ومن الرجولة التي سبقنا فيها صفوة هذه الأمة، خلافا لفعل كثير من المترفعين المتكبرين -يعني أن خدمة الآخرين ليس فيها منقصة مثل ما يظن بعض أهل الترف وأهل الفخر والقيلاء، يظنون أن الذي يقوم بخدمة الناس ناقص، لا، لا يقوم بخدمة الناس إلا أكرم الناس-. قال: رابعا، وهذا شيء حتى عليه الشرع وهو كذلك مما تقتضيه الفطرة الصحيحة، قال: رابعا: أن الفطر في السفر أفضل، لا سيما إذا اقترنت بذلك مصلحة من التقوي على الأعداء ونحوه. ومع ذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر على الصوم الذين استمروا في صيامهم، وذلك إبقاء للأجر لهم ما دام أن المقام يقوم به غيرهم، بخلاف إذا كان المقام يحتاج للجميع فإنه قال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» في مواجهة الأعداء، ما يكفي أن يقوم المفطرون بالجهاد ويقعد الصوم. فلذلك قال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة»، بخلاف مسألة سقيا الركاب وتنزيلها والقيام بالطعام ونحو ذلك، فهذا يكفي أن يقوم به البعض فلا بأس. والأيام دول، اليوم يخدم المفطرون وغدا يخدم الصائمون حين يكونوا من المفطرين أو يكونوا في مقام آخر وهكذا. قال: أما فائدة الإفطار في مثل ذلك اليوم فإنها تتعدى المفطر إلى غيره. ومن هنا كان الإفطار أولا يعني ذهب المفطرون بالأجر؛ لأن نفعهم تعدى إلى الصوم، فصاروا ينفعون ويخدمون الصوم. قال: خامسا، حد الإسلام على العمل وترك الكسل، فقد جعل للعامل نصيبا كبيرا من الأجر وفضله على المنقطع للعبادة -يعني أن الأجر لا ينحصر في العبادة، بل الأجر يأتي من العبادة ويأتي كذلك من الخدمة ويأتي من أبواب كثيرة-. وبهذا يعلم أن الإسلام لم يهمل العمل. قال: ﴿وَأَنَ هَذِهِ مِنَ النَّاعِقِينَ﴾ -أي هذه المسألة وهذا الحديث بل وغيره كثير مما هو أعظم من هذا-، قال: ﴿وَأَنَ هَذِهِ مِنَ النَّاعِقِينَ﴾ الذين يرونه دينا عائقا عن العمل والتقدم والرقي، يزعمون بعض من ختن بالحضارة الشرقية والغربية وظنا أن لازم هذه الحضارة الكفر والإلحاد والانسلاق من الدين والحياة بالإباحية، ظنوا أن هذا هو لازم هذه الحضارة، وجهلوا حقيقة ذلك؛ إذ أن الأمر ليس كذلك، بل الدين يدعو إلى ما يقوم بالناس ليس فقط الدين بل والدنيا كذلك؛ فإن الدين يحث على العمل ويحث كذلك على استغلال كل ما فيه مصلحة حاضرة وكذلك آجلة. قال: قبحهم الله؛ فإنهم يهرفون بما لا يعرفون -يعني أن هؤلاء يتكلمون بشيء لا يعرفون، وأنهم يريدون فقط الطعن على الدين لجهلهم ولسوء مقصدهم وخبث سريرتهم-. قال: طيب، بقي أن هذا الحديث لماذا أورده المؤلف رحمه الله؟ أورده كما مر معنا ليستدل به على هذه المسألة من مسائل الصوم في السفر، وهي أنه لا ينكر على الصائم في السفر إذا كان فيه مشقة ما دامت المشقة يسيرة. ولهذا أدفع هذا الحديث الحديث الذي مر قبل «أولئك العصاة، أولئك العصاة»، كأنه يقول: ليس مطلقا إذا صار في الجيش صوام فيلزمون بالإفطار، لا، بل إذا احتاج الجيش إلى الفطر ألزموا بالفطر، وإذا لم يحتاج الجيش إلى الفطر فلا يلزموا بالفطر، ولو كان ذلك بإفطار بعضهم وصوم بعضهم كما هو ظاهر الدلالة في هذا الحديث. وبهذا القدر نستفيده ونكمل ما تبقى في الدرس اللاحق، والحمد لله رب العالمين.