الدرس في كتاب المواريث 2، تابع كتاب المواريث . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع مسائل المواريث وفقًا لرأي الإمام الشوكان، حيث يشرح أحكام توريث الإخوة والأخوات مع وجود الجد أو البنات. يشير إلى الخلاف في ميراث الإخوة مع الجد واستدلالات المحققين بعدم توريثهم معه.
يناقش المقطع توريث ذوي الأرحام عند عدم وجود أسباب الإرث الأقوى، مستندًا إلى عموم النص القرآني والأحاديث النبوية الصحيحة. يشرح قاعدة توريثهم بناءً على القرب والأولوية، ويتناول أيضًا مفهوم العول في الفرائض عند تزاحم أهلها.
يتناول المقطع أحكام ميراث ولد الملاعنة والزانية واللقيط، مستندًا إلى الأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة. يوضح الخلاف بين أهل العلم في هذه المسائل ويشير إلى أن ابن الزانية يعتبر مثل الملاعنة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في مسائل كتاب المواريث، فيما ذكره الإمام الشوكان، رحمه الله تعالى، في هذا الموضع. قال رحمه الله تعالى: «قال والأخ ليبوين أقدم من الأخ والأخت لأب»، وهذه الأقدمية كما مر معنا بمعنى نص الكتاب والسنة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألحق الفرائض بأهلها» أي كل بأولويته، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر. فأصحاب الفروض يقدمون بأولويتهم، وهكذا أصحاب العصبات كذلك. وإن كان هناك حجب فيحجب القوي الضعيف، وعلمنا معاني هذه القوة بالدرجة وبالجهة وبالشقيق وغيره. ثم قال رحمه الله تعالى: «نعم هذا أخذناه»، قال: «وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم، وهو للجد مع من لا يسقطه». هذا أخذناه. ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن وابن الابن أو الأب، وهذا الظاهر كذلك أخذناه. قال: «وفي ميراثهم مع الجد خلاف»، ويرثون مع البنات. في ميراثهم مع الجد خلاف، وأشار في الشرح إلى هذا الخلاف، وبين رحمه الله أن سبب الخلاف عدم ورود شيء صحيح صريح في هذا الباب، وأنه جاءت بعض الآثار عن بعض الصحابة في هذا الباب، واختلف الصحابة في هذه المسألة. وأشار إلى أن المروي عن علي رضي الله عنه، وكذا عن ابن مسعود وزيد بن ثابت، أن الجد يقاسم الإخوة، وروي عن غيرهم غير ذلك. والصواب الذي تدل عليه عمومات الأدلة، وعليه قول الكثير من محقق أهل العلم، أن الإخوة لا يرثون مع الجد فيحجبون. ومر معنا قريبا أن الأصول والفروع يحجبون الحواشي. وإذا كان كذلك، فمقتضى هذه القاعدة أن لا يرث الإخوة مع الجد، لأن الجد من الأصول. فعمومات الأدلة تقتضي إجراء هذه القاعدة، ويبقائها على أصلها. ولهذا كان قول المحققين من أهل العلم عدم توريث الإخوة مع الجد. قال رحمه الله: «ويرثون مع البنات إلا الإخوة لأم». وقوله: «ويرثون مع البنات» أي الإخوة، لماذا؟ لأن البنات أصحاب فرض. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألحق الفرائض بأهلها». فإن كن بنات مجتمعات فلهن الثلثان، فإن كانت واحدة فلها النصف، والباقي لمن؟ الباقي لأولى رجل ذكر. فإن لم يكن هناك ذكر إلا الإخوة أخذوا الباقي. وأشار رحمه الله إلى حديث امرأة سعد بن الربيع، ومعناه كما مر، معناه يدل عليه نص الكتاب. وقوله رحمه الله تعالى: «ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين». وهذا مر معنا، معناه في مسألة إسقاط الضعيف بالقوي. ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين، لأن الأخ الشقيق أقوى من الأخ لأب. وقد روي في هذا الباب ما يستأنس به مع عمومات الأدلة، وإن كان فيه ضعف. وبعض أهل العلم يحسنه. وأشار في التعليق إلى تحسين العلامة الألباني لهذا المروي في هذا الباب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قضى بالدين قبل الوصية، وأن عيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، والرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه». ومعنى «دون أخيه لأبيه» يعني إن زاحمه. وهذا الأثر، وهذا الحديث، وبعضهم يرويه موقوفا عن علي رضي الله عنه، ولا يرفعه. وقع في معناه الإجماع. والشيخ الألباني رحمه الله يحسن هذا الحديث مرفوعا. وقوله رحمه الله تعالى: «قال ويصلط الأخ لأب مع الأخوين لأب وأولو الأرحام متوارثون، وهم أقدم من بيت المال». توريث ذوي الأرحام فيه خلاف بين أهل العلم. وسبب الخلاف عدم ورود شيء صحيح صريح في هذا الباب. وما ورد صريحا اختلف في صحته. والصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم، تقتضيه عمومات الأدلة. توريث ذوي الأرحام عند عدم وجود أسباب الإرث التي هي أقوى من ذوي الأرحام. أولا لعموم النص في قول الله عز وجل: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فإنها تفيد وتقتضي إذا ما تماثل ولا وارث له إلا من ذوي الأرحام، فإنه يرث ولو كان من غير العصبات، ولو كان من غير أهل الفروض، لعموم نص هذه الآية في قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. وأيد هذا النص العام بنصوص أخرى، من هذه النصوص ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه». والحديث الراجح أنه صحيح. وقد صحح هذا العلامة الألباني رحمه الله، وجاء من عدة طرق، وعن عدد من الصحابة. في بعض أسانيده ضعف، وفي بعضها ما يصح لوحده، ومنها ما ينجبر بمجموع طرقه. وقد أشار في التعليق أنه جاء من حديث ابن عمر وعائشة وأبي هريرة وغيرهم. وهكذا كذلك جاء في حديث آخر قوله عليه الصلاة والسلام: «ابن أخت القوم منهم». وقد جاء كذلك عن جماعة من الصحابة موقوفا ومرفوعا، وصحح هذا الحديث جماعة من أهل العلم. وهذا محمول على توريث ابن الأخت من جهة ذوي الأرحام. ثم التوريث، توريث ذوي الأرحام له قاعدة عند أهل العلم، ويكون تطبيقه بحسب القرب الأولوية، وتنزيل كل صاحب رحم بحسب منزلته، هذا إذا تزاحموا. وأما إذا لم يتزاحموا فلا إشكال. وهناك فصل خاص تذكر في تفاصيل كتب الفقه، وفي كتب كذلك الفرائض الخاصة في توريث ذوي الأرحام، لما في هذا من حاجة إلى معرفة منزلة كل ذي رحم، حتى إذا تزاحموا يعرف من الذي يقدم ومن الذي يأخذ ومن الذي يؤخر وهكذا. ثم قال رحمه الله تعالى: «ووولو الأرحام يتوارتون، وهم أقدم من بيت المال». يعني أن يأخذ المال بيت المال. فإن تزاحمت الفرائض في العول، ومر معنا قريبا أن معنى العول هو لحوق النقص للجميع. لحوق النقص من الجميع، كان تكون المسألة من ستة فتعول إلى ثمانية. ولأهل العلم في هذا كذلك تنبيهات وضوابط في عول المسائل، وكذلك حساب هذا العول ومتى يرد هذا العول. فمعنى العول هو لحوق النقص للجميع عند تزاحم أهل الفرائض. فإذا تزاحموا كما قلنا في مسألة من ستة وعالت إلى ثمانية، فإذا كان فيها صاحب نصف وصاحب سدس، فصاحب السدس بدلا من أن يأخذ السدس واحد من ستة، فإنه مع التزاحم سيأخذ أقل من ذلك، لأن هذا التزاحم أوجب عليهم الانتقال إلى نقص يدخل على الجميع، وهو ما يسمى بالعول. وله تفاصيل تذكر في مسائل الحساب، ولكن في هذا الموضع يشير إليها إشارات. وقد أشار في الشرح أنه أوضح هذه المسألة برسالة مستقلة سماها «إضاح القول في إثبات مسألة العول». ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمه وقرابتها والعكس». وأما دليل ذلك، أما الملاعنة فلما جاء وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث سهل بن سعد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم في ولد الملاعنة جعل نسبته إليها. وكما قال سهل: «فجرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها». وجاء كذلك من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. وجاء من طريق ابن لهيعة، لكن حسنه العلامة الألباني رحمه الله، لما جاء ما يجبر هذا الضعف، ولأنه روي فيما يرى الشيخ الألباني أنه تنجبر به رواية ابن لهيعة. وقد اختلف في رواية ابن لهيعة، منهم من ردها مطلقا، ومنهم من قبلها مطلقا، ومنهم من فصل إذا جاءت من رواية العبادلة وبعض الرواة الآخرين. وقياس العلماء ابن الزنا على الملاعنة، لأن ابن الزنا لا ينسب لأب وإنما ينسب للأم، جعلهم يلحقون ابن الزانية بابن الملاعنة أو الملاعنة. الجوز هذا وهذا. وقد جاءت فيه أحاديث وإن كانت ضعيفة، لكن معناها صحيح. ومن ذلك ما أشار إليه في حديث واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، ولدها الذي لاعنت عنه». وهذا الحديث فيه ضعف، وقد أشار الترمذي رحمه الله بعد روايته إلى ضعفه، ولكن معناها صحيح. فالمرأة تحوز ميراث العتيق كما جاء معناه في حديث عائشة ومن عمر في الصحيحين: «إنما الولاء لمن أعتق». والمرأة تحوز ميراث كذلك تحوز ميراث الذي لاعنت كما جاء معناه في حديث سهل بن السعد في الصحيحين. بقي مسألة اللقيط. ومسألة اللقيط لم يرد فيه شيء صحيح مرفوع، ولكن صح فيه أثر عن عمر رضي الله عنه، صححه جماعة من الحفاظ منهم الإمام أحمد وإسحاق والثوري وجماعة، رواه عبد الرزاق وغيره. وهذا الأثر المروي في اللقيط كان سببا لخلاف أهل العلم في مقتضى هذه المسألة. فأفتى كثير من أهل العلم بأن اللقيط يكون له الحكم الذي جاء معناه في هذا الحديث، حديث واثلة بن الأسقع. وقال بعضهم لا، بل لا يكون كذلك، يعني إذا التقط رجل أو امرأة لقيطا لا يرثه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الولاء لمن أعتق»، وليس للقيط ولا وإنما هو إحسان وبر، فليس لمن التقطه شيء. وهذه فتوى الإمام أحمد رحمه الله. وإن كان تردد رحمه الله تعالى حين قيل له: إن سفيان الثوري وإسحاق يقولون بما ورد في حديث عمر، فما تقول؟ قال: «لا أدري ما أقول». لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الولاء لمن أعتق». وفي سؤال آخر سأله عبد الله، فقال له: أثر عمر في اللقيط ما تقول فيه؟ فذكر أنه صح عن عمر، قال: «ولكني أميل إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الولاء لمن أعتق». فالشاهد، هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، لعدم ظهور الأحاديث أو الآثار في هذا الباب، ولعدم وجود ما يظن أنه يعارضه. وابن الزانية مثل الملاعنة كما تقدم. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.