الدرس في كتاب الطهارة 28، الدرس الثامن والعشرون:من( 1-باب دخول الخلاء والاستطابة ... وأن نأخذ بالاحتياط لديننا من عدونا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الحديث النبوي عند دخول الخلاء ويبين معنى الدعاء 'اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث' وأهمية قوله قبل الدخول. يُفسر معنى الخبث والخبائث ومدلول دخول الخلاء.
يتناول أدب النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء حاجته والذكر المشروع عند الدخول. يُبين أهمية اتباع نهج النبي في الاستعاذة بالله لتحصين النفس من الشيطان.
يتحدث عن كيفية التعامل مع المواقف اليومية مثل نسيان الذكر عند دخول الخلاء، مشددًا على أهمية الإيمان بقضاء الله وقدره وحسن الظن به للتخلص من القلق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب عمدة الأحكام: باب دخول الخلاء والاستطابة. قال: هذا الباب يذكر فيه آداب دخول الخلاء والجلوس فيه والخروج منه، كما يذكر فيه كيفية الاستطابة من الأنجاس في المخرجين بحجر وما يقوم مقامه، والتحرز منها. وهذا من أبواب كتاب الطهار المذكور سابقًا. هذا تعليق الشارح. قال الحديث الحادي عشر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». قال: والخبث بضم الخاء والباء جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، استعاذة من ذكران الشياطين وإناثهم. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في باب دخول الخلاء والاستطابة، وهو من الأحاديث الصحيحة. وأقرب الألفاظ إليه في الصحيحين هو لفظ الإمام البخاري، وهو من لفظ الإمام البخاري ومسلم كذلك نحوه. رواه البخاري بهذا اللفظ في حديث مئة واثنين وأربعين، قال: حدثنا آدم، وهو ابن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة عن عبد العزيز، وهو ابن صهيب، قال: سمعت أنسًا يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». هذا لفظ البخاري في هذا الموضع. وجاء في رواية في لفظ آخر: «إذا أتى الخلاء». وفي رواية لمسلم حديث مئة واثنين وعشرين: «إذا دخل الكنيف». وفي هذا كما سيأتي إن شاء الله مسائل. قال الشارح رحمه الله تعالى: غريب الحديث. قال: إذا دخل الخلاء يعني إذا أراد الدخول، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وإذا دخلت على الجملة الفعلية فهي ظرف لما يستقبل من الزمان. وأما إذا دخلت على الجملة الاسمية فهي تكون للفجاءة. تقول: جئت فإذا السماء ممطرة. فهنا ليس الظرف لما يستقبل من الزمان، ولكنها للفجاءة. فإذا دخلت «إذا» على الجملة الاسمية أفادت المعنى الفجائي. وإذا دخلت على الجملة الفعلية أفادت معنى الظرفية الاستقبالية، فهو ظرف لما يستقبل من الزمان. فإذا قوله: يعني إذا أراد الدخول. هذا مفهوم من قوله: «كان إذا دخل الخلاء»، أي إذا أراد الدخول؛ لأن «إذا» ظرف لما يستقبل، فالفعل لم يقع بعد. فالفعل لم يقع بعد، وهو الدخول. فيستفاد منه جواز أو مشروعية واستحباب هذا الذكر قبل الدخول إلى الخلاء. وهذا هو الذي أراده المؤلف والشارح رحمهم الله تعالى. وهل معنى لا يجوز قول هذا الذكر في الخلاء؟ في هذا خلاف. وقد روى ابن المندر رحمه الله تعالى في الأوسط الخلاف في هذه المسألة. والصحيح التفصيل كما سيأتي إن شاء الله. قال: وكما صرح البخاري في الأدب المفرد بهذا، حيث روى عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء قال... وذكر حديث الباب. وهذه إحدى روايات الحديث، وهي صحيحة. وفيها أن هذا الفعل يقال قبل دخول الخلاء: «كان إذا أراد أن يدخل الخلاء». وهذا صريح في أن الذكر يقال قبل الدخول. ولكن هل معنى أنه لا يقال في داخل الخلاء؟ الجواب فيه خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه يجوز القول إذا نسي، إذا كان الخلاء ليس هو موضعًا خاصًا للخبائث، مثلًا كان الخلاء هي الأرض التي يقضى فيها الحاجة، فهي أرض واسعة. فما دام لم يجلس في المكان الذي سيقضي فيه حاجته فيقول هذا الدعاء، فليس هناك حد. وعلى هذا يحمل: «كان إذا أتى الكنيف» أو «إذا دخل الكنيف». وفي رواية: «إذا أتى الخلاء». يحمل على أنه وقع الفعل ثم قال الدعاء؛ لأن قوله «إذا أتى» هذا فعل ماض يدل على تحقق معنى هذا الفعل معه. وهذا يحمل على أحد هذه المحامل التي لا تعارض الأدلة الأخرى. فالله يقول: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. لا يذكر الله الإنسان وهو في حال قضاء الحاجة أو في عين موضع قضاء الحاجة. لكن إذا لم يصل إلى الموضع فلا بأس. قال الشارح رحمه الله: الخلاء بالمد المكان الخالي، وهنا المكان المقصود والمعد لقضاء الحاجة. فإن قصد فضاء كصحراء لقضاء حاجته، فلا حاجة إلى تأويل الدخول بإرادة الدخول؛ لأنه ليس فيه دخول حسي وحد لهذا الدخول. قال: والخبث والخبائث... قوله: الخلاء بالمد المكان الخالي. به نعرف ارتباط معاني الأشياء بألفاظها. فقوله: الخلاء مأخوذ من الخلوة. وسمي الخلاء خلاءًا؛ لأن صاحبه يخلو بنفسه. وهو كذلك شرعًا. والكنيف هو بمعنى الخلاء. رواية مسلم: الكنيف. والكنيف بمعنى الخلاء، وهو مأخوذ من الساتر. فالكنف كأنه الشيء المستتر جانبه. فسمي الكنيف كنيفًا؛ لأن صاحبه يستتر فيه. قال: قوله الخبث والخبائث... الخبث ضبط بضم الخاء والباء، يعني الخبث كما ذكر المصنف، ومعناه ذكور الشياطين. وضبطه جماعة بإسكان الباء، ومعناه على هذا يكون الشر. يعني الخبث بالسكون الشر، والخبث بالضم ذكور الشياطين. قال: وهو معنى جامع؛ حيث قد استعاذ من الشر وأهله، وهم الخبائث. فينبغي للمرء المراعاة هذا المعنى العام. وقد اختلف أهل العلم: هل المراد الأول أو الثاني؟ هل المراد بالخبث والخبائث أي الشيء الخبيث من حسي ومعنوي؟ والخبائث جمعه، أي جمع هذا الخبيث، فيكون تأكيدًا لمعنى. أو المراد به ذكور الشياطين وإناثهم، كما ذكر المؤلف في القول الثاني. إشارة إلى بعض ذلك. فمنهم من ذكر هذا، ومنهم من ذكر هذا، ومنهم من قال: يدخل هذا في هذا. وهذا الذي ألمح إليه الشارح رحمه الله تعالى. ولا مانع من ذلك. قال: المعنى الإجمالي... أنس بن مالك المتشرف بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم يذكر لنا في هذا الحديث أدب النبي صلى الله عليه وسلم حين قضاء حاجته، وهو أنه صلى الله عليه وسلم من كثرة التجائه إلى ربه لا يدع ذكره والاستعانة به على أي حال. وهذا الذكر من الذكر المشروع لا المحدث. فإن الذكر ينقسم إلى قسمين: ذكر مشروع، وذكر ممنوع. فأما الذكر المشروع فهو ما وافق الشرع مما في الكتاب أو سنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه من الله سبحانه وتعالى وهو حق وعدل ويفتقر إليه العبد. وأما الممنوع فهو المغير والمبدل والمحدث الذي أحدثه الناس، فأورث لهم اضطرابًا في عقيدتهم وفي عباداتهم. فينبغي أن نفصل؛ لأن بعض المتصوفة يستدلون بهذه الألفاظ العامة على ما يفعلون من الذكر. فربما قالوا: كان نبينا عليه الصلاة والسلام كثيرًا لتجاء إلى ربه، لا يدع ذكره والاستعانة به على أي حال. كما قال المؤلف. لكن تفسيرهم غير تفسيرنا. تفسيرهم على أي حال يعني بالكيفيات المحدثة المبتدعة التي يفعلونها، وكذلك الأذكار المحدثة التي يفعلونها. فهو صلى الله عليه وسلم إذا أراد دخول المكان الذي سيقضي فيه حاجته استعاذ بالله والتجأ إليه أن يقيه من الشر الذي منه النجاسة، وأن يعصمه من الخبائث، وهم الشياطين الذين يحاولون في كل حال أن يفسدوا على المسلم أمر دينه وعبادته. والإنسان بذكر الله بلسانه وبقلبه وجوارحه يكون قويًا قويًا في عزيمته وقوته وصلابته، وقويًا كذلك في إيمانه ودينه. وعند ذلك يضعف الشيطان من أن يضره حسيًا ومعنويًا. قد يضره حسيًا بماذا؟ بالتسلط على بعض أعضائه. أو يضره معنويًا بالتسلط على دينه بالوسوسة ونحو ذلك. لكن الإنسان بذكر الله يقوى على مدافعة هذا الشيطان، ويحتمي بحمى الرب سبحانه أن يضره الشيطان أو يصيبه بمكروه. وأفاد عدد من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام وتلميذ ابن القيم: أنه لما كان هذا الموضع من مواضع الشياطين، فإن الإنسان أمر بهذا الذكر أن يحتمي منها على وجه الخصوص؛ لأنه قد يقول قائل: الخبث والخبائث في كل مكان، فلماذا خص بذكر هذا المكان؟ لأن هذا مأوى الخبائث. وكم من إنسان يصاب بما يصاب من ابتلاء حسي أو معنوي في مثل هذه المواطن خاصة؛ لأن هذه المواطن هي مأوى الأرواح الخبيثة من الشياطين التي تفسد على الإنسان جسده أو تفسد عليه روحه. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو المحفوظ بالعصمة يخاف من الشر وأهله، فجدير بنا أن يكون خوفنا أشد، وأن نأخذ بالاحتياط لديننا من عدونا. وليس معنى خوفنا أشد أن يكون الإنسان موسوسًا يكثر من دخول الحمام. لا ينبغي أن يكون الإنسان قويا عظيم التوكل على الله سبحانه وتعالى، يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. فهو يأخذ بالسبب ويكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، لا يخاف من إقبال الأسباب وإدبارها. إذا مثلًا نسي ذكر الله عند دخول الخلاء، لا يبقى رعديدًا؛ بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويحسن الظن بربه. نكتفي بهذا، ونُسرد الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم.