الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 3، الدرس الثالث:من( فصل في مناقشة المعتزلة في خوارق العادات ... وغير هؤلاء كانت معهم شياطين كما هي مع السحرة والكهان ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ آراء المعتزلة حول معجزات الأنبياء ويبين بطلان قولهم بأن المعجزة لا تتميز إلا بالدعوة وعدم المعارضة. يوضح أن معجزات الأنبياء تتميز بعدم إمكانية الإتيان بمثلها وتأتي على وجه التحدي.
شيخ الإسلام ينتقد آراء المعتزلة حول المعجزات، مؤكدا أنها تفتقر إلى الضبط وتؤدي إلى نتائج باطلة. يشير إلى أن المعجزة تتعلق بعدم قدرة الآخرين على الإتيان بمثلها.
يتناول المقطع مناقشة الفرق بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء، ويبرز أن الأولى تكون على وجه الإعجاز بينما لا تكون الثانية كذلك. يشير إلى أن بعض المدعين للنبوة لم تنفعهم خوارقهم في إثبات نبوتهم.
يناقش المقطع أهمية حفظ المتون العلمية مثل الأصول الثلاثة وكتاب التوحيد، ويؤكد أنها أولى من حفظ متون اللغة لأنها تتعلق بالعقائد. يبين أن حفظها يعين في ضبط المسائل والانطلاق منها في الشرح والنصيحة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال فصل في مناقشة المعتزلة في خوارق العادات. قال: وقال رحمه الله -يعني من هاهنا- محمد، من الذي قال؟ وقال رحمه الله، صفحة كذا وكذا. ها نعم، شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: وقال رحمه الله -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية- والمعتزلة قبلهم، والمعتزلة قبلهم ظنوا أن مجرد كون الفعل خلافا للعادة هو الآية على صدق الرسول، فلا يجوز ظهور خارق إلا لنبيه. والتزموا طردا لهذا إنكار أن يكون للسحر تأثير خارج عن العادة، مثل أن يميت ويمرض بلا مباشرة شيء، وأنكروا الكهانة وأن تكون الجن تخبر ببعض المغيبات، وأنكر كرامات الأولياء. فأتى هؤلاء فأثبتوا ما أثبته الفقهاء وأهل الحديث من السحر والكهانة والكرامات، ولكن قيل لهم: فميزوا بين هذا وبين المعجزات. فقالوا: لا فرق في نفس الجنس، وليس في جنس مقدورات الرب ما يختص بالأنبياء، ولكن جنس خرق العادة واحد. فهذا إذا اقترن بدعوى النبوة وسلم من المعارضة عند تحدي الرسول بالمثل، فهو دليل. فهي عندهم لم تدل لكونها في نفسها وجنسها دليلا، بل إذا استدل بها المدعي للنبوة كانت دليلا، وإلا لم تكن دليلا. ومن شروط الدليل سلامته عن المعارضة. ويقول عندهم: غاية الفرق، فإذا قال المدعي للنبوة: اعتوا بمثل هذه الآية، فعجزوا، كان هذا هو المعجز المختص بالنبي، وإلا فيجوز عندهم أن تكون معجزات الرسول من جنس ما للسحرة والكهان من الخوارق، إذا استدل بها الرسول. فالحجة عنده مجموع الدعوى والخارق، لا الخارق وحده. والاعتبار بالسلامة عند المعارض. بل قد لا يشترطون أن يكون خارقا للعادة، لكن يشترطون أن لا يعارض. وعجز الناس عن المعارضة، مع أنه المعتاد لا خارق للعادة. فالاعتبار عندهم بشيئين: باقترانه بالدعوة، وتحديه لمن دعاه من يأتوا بمثله، فلا يقدرون. وهذا الكلام باطل، وسيأتي وجه بطلانه. فإن معجزات الأنبياء هي مما لا يمكن الإتيان بنظيرها بالنسبة للناس. وأما كون بعض الناس من أتباع الأنبياء يقع لهم بعض ما يقع للأنبياء، فإنه يقع أولا ليس بمثل ما يقع للأنبياء، وثانيا ليس هم يوقعونه على وجه التحدي، وإنما يقع لهم وفاقا، إما كما سبق نصرة لدين الله عز وجل وإظهارا للحق وأهله، وإما إعانة لحاجة أهل الحق. وأما النبي، فلا. فإنه يأتي بالمعجز ويتحدى به. فعيسى عليه الصلاة والسلام أحيا الموتى بإذن الله وتحدى الأطباء، وكان أهل زمانه أهل طب، أن يأتوا أو أن يفعلوا بمثل ما فعل، فلم يفعلوا. وهكذا كذلك أبرأ الأبرص والأكمه، لكن لا مانع أن يجعل الله عز وجل آية فيبرئ أبرصا، فتكون آية على يدي أحد، أو يتكلم صبي، فتكون آية لأحد. ولكن ليس هذا يقع على وجه الإعجاز كما يقع للنبي. فالنبي يقع على وجه الإعجاز، ويمكن أن يتكرر. وأما غير النبي، إن وقع له مثل ما وقع للنبي، فإنه لا يقع بالمثل على وجه المماثلة الكاملة، وثانيا لا يكون على وجه الإعجاز، وإنما على وجه إظهار آية، إما نصرة حق أو إعانة محتاج أو غير ذلك. وبهذا تفرق بين معجزة النبي وكرامة الولي. وأما ما يقع من شعودة المشعودين وسحر السحرة والكهان، فهذا ظاهر، إذ أن أولئك في الغالب لا يأتون بالخوارق للعادات، وإنما إما أن يسحروا الأعين، وإما أن يفعلوا ما يمكن فعله لمن علم على علته الخفية، ونحو ذلك. قال رحمه الله: قالوا: وخوارق الأنبياء يظهر مثلها على يد الساحر والكاهن والصالح، ولا يدل على النبوة؛ لأنه لم يدعها -يعني لم يدع النبوة- الساحر والكاهن والرجل الصالح. وهذا باطل. فكما سبق، لا يمكن أن يقع مثلها على وجه الكمال والتمام، حتى على يد الصالح، فضلا عن الساحر والكاهن. قال: قالوا: ولو ادعى النبوة أحد من أهل هذه الخوارق مع كذبه، لم يكن بد من أن الله يعجزه عنها، فلا يخلقها على يده، أو يقيض له من يعارضه، فتبطل حجته. وإذا قيل لهم: لما قلتم إن الله لابد أن يفعل هذا وهذا، وعندكم يجوز عليه كل شيء، ولا يجب عليه فعل شيء، ولا يجب منه فعل شيء. قالوا -يعني هؤلاء العقلانية المعتزلة-: لأنه لو لم يمنعه من ذلك أو يعارضه بآخر، لكان قد أتى بمثل ما يأتي به النبي الصادق، فتبطل دلالات آيات الأنبياء. وهذا اللازم ليس بصحيح؛ لأن ملزومه أصلا ليس بصحيح. فاهرادى هذا الادعاء، ثم يلزمون عليه لوازم هذا، باطل؛ لأن الادعاء أصلا غير صحيح. قال: فإذا قيل لهم: وعلى أصلكم يجوز أنه يبطل يبطل دلالتها، وعندكم يجوز عليه فعل كل شيء. أجابوا بالوجهين المتقدمين: إما لزوم أنه ليس بقادر -أي أن الدلالة معلومة بالاضطرار- وقد عرف ضعفهما. ثم هنا يلزمهم شيء آخر، وهو أنه لما قلتم: إن المعجز الذي يدل به على صدق الأنبياء ما ذكرتموه من مجرد كونه خارقا مع الدعوة وعدم المعارضة. فإن هذا يقال: إنه باطل من وجوه. أحدها -يعني دعوة المعتزلة- أن آيات الأنبياء ودلائل نبوتهم هو كونها خارقة مع الدعاء، ليس أنه انفرد بذلك، بل يزعمون أن مثله ممكن أن يأتي عند الساحر والكاهن والرجل الصالح. وهذا ليس بصحيح. وبهذا تعرف أن بعض غلاة الصوفية من القبورية وغيرهم، عندهم لوثة من لوثة هؤلاء. ولهذا تجد أنهم يجيزون أن يقع على يد بعض الصالحين ما هو من خصائص الأنبياء. قال -يعني مثلا- بمثل، بل وربما جعلوا ما هو لله سبحانه وتعالى. وهذا باطل. قال رحمه الله تعالى: فإن هذا يقال: إنه باطل من وجوه. أحدها أنه إذا كان ما يأتي به النبي يأتي به الساحر والكاهن، لكان أولئك يعارضون. وهذا لا يعارض. فالاعتبار إذن بعدم المعارضة. فقولوا: كل من ادعى النبوة وقال: معجزتي ألا يدعيها غيري، فهو صادق. أو لا يقدر غيري على دعواها، فهو صادق. إذن -يعني يريد أن يقول- أن حقيقة آية الأنبياء ليس هو الإتيان بالمعجز، ولكن الإعجاز في أن يعارضه معارض. وهذا باطل. بل آيات الأنبياء لمن تأملها وتتبعها، وجدها أنها من الخوارق أو مما خرج عن العادة مما لا يعلم له نظير عند غيره. فلهذا كان هذا أدعى لإيمان من يطلع عليها. قال رحمه الله: فقولوا: كل من ادعى النبوة وقال: معجزتي ألا يدعيها غيري، فهو صادق. وأن لا يقدر غيري على دعواها، فهو صادق. أو فعل أمرا معتادا من الأكل والشرب واللباس، ومعجزتي ألا يفعله غيري، أو لا يقدر غيري على فعله، فهو صادق. فالتزموا هذا. شيخ الإسلام يلزمهم لازم قولهم: أنه لا يشترط كونها خارقا الانفراد، بل ممكن أن يأتي بمثلها الساحر والكاهن والرجل الصالح. يقول: يلزمهم كذلك أن يقال في الأمر المعتاد: الأكل والشرب واللباس وغيره؛ لأن الفرق ليس هو عدم وجود من يأتي بمثله، ولكن أن لا يستطيع أحد فعل مثله، وإن كان هو ممكنا -يعني بالنسبة للساحر والكاهن والصالح- كما زعموا. قال رحمه الله: ومعجزتي ألا يفعله غيري، أو لا يقدر غيري على فعله، فهو صادق. فالتزموا هذا. وقالوا: المنع من المعتاد كإحداث غير المعتاد. وعلى هذا فلو قال الرسول: معجزتي أني أركب الحمار أو الفرس، أو آكل هذا الطعام، أو ألبس هذا الثوب، أو أعد إلى ذلك المكان، وأمثال ذلك. لا يقدر على ذلك، كان هذا آية دعواه. وهذا لا ضابط له. فإن ما يعجز عنه قوم دون قوم، لا ينضبط. ولكن هذا يفسد قول من فسرها بخرق العادة؛ فإن العادات تختلف. وقد ذكروا هذا، وقالوا: المعجز عند كل قوم ما كان خرقا لعادتهم. وقالوا: يشترط أن تكون خارقة لعادة من دعاهم، وإن كان معتادا لغيرهم. وقالوا: إذا كان المدعي كذابا، فإن الله يقيض له من يعارضه من أهل تلك الصناعة، أو يمنعه من القدرة عليه. وهذا باطل. بل آية الأنبياء معجزة وخارج عن العادة في ذاك المكان والزمان، وفي غيره كذلك. قال: وهذا وجه ثان يدل على فساد ما أصلوه -يعني المعتزلة-. قال: الوجه الثالث: أن المعارضة بالمثل: أن يأتي بحجة مثل حجة النبي. وحجة عندهم مجموع دعوة النبوة والإثبات بالخارق. فيلزم على هذا أن تكون المعارضة بأن يدعي غيره النبوة ويأتي بالخارق. وعلى هذا، ليس معارضة الرسول بأن يأتوا بالقرآن أو عشر سور أو سورة مثل أن يدعي أحدهم النبوة ويفعل ذلك. وهذا خلاف العقل والنقل؛ لأن دلالة العقل التي يجمع عليها العقلاء، يفهمون أن ما دلت عليه آيات الكتاب وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، هو الإعجاز بأن يؤتى بمثله، ليس أن مثله ممكن، ولكن لا يوجد من يأتي بمثله. وهذا باطل. بل ما لا يمكن دفعه من قبل ذوي العقول السليمة، أن المقصود من عدم إتيان أحد بمثله من عشر سور أو سورة، هو ماذا؟ ليس هو عدم وجود من يأتي مع إمكان وجود ذلك عند غيره. وهذا ليس بالصحيح. بل الصواب الذي دلت عليه الأدلة العقلية والنقلية، أن المقصود هو أن هذا مما لا يمكن أن يؤتى بمثله. قال رحمه الله تعالى: وهذا خلاف العقل والنقل. ولو قال الرسول لقريش: لا يقدر أحد منكم أن يدعي النبوة ويأتي بمثل القرآن -يعني على رأي المعتزلة ومن وافقهم- أن الإتيان بمثل القرآن ممكن، أنه ممكن، ولكن لا يمكن أن يدعي أحد النبوة مع إتيانه بمثله. وهذا في الحقيقة شيء فيه استخفاف بعقول العقلاء، مع ما ظهر واضحا جليا من نصوص الشرع. قال رحمه الله: ولو قال الرسول لقريش: لا يقدر أحد منكم أن يدعي النبوة ويأتي بمثل القرآن. وهذا هو الآية. وإلا فمجرد تلاوة القرآن ليس آية؛ بل قد يقرأه المتعلم له، فلا تكون آية؛ لأنه لم يدع النبوة. ولو ادعاها لكان الله ينسيه إياه، أو يقيض له من يعارضه، كما ذكرتم. لكان قريش وسائر العلماء يعلمون أن هذا باطل. وهذا يظهر بطلان قول هؤلاء الضلال. قال: الرابع -قال-: أنه إذا كان اعتمادكم على عدم المعارضة، فقولوا ما قاله غيركم، وهو أن آية سلامة ما يقوله من التناقض. وأن كل من ادعى النبوة وكان كاذبا، فلابد أن يتناقض، أو يقيض الله له من يقول مثل ما قال. وأما السلامة من التناقض من غير دعوى النبوة، فليست دليلا. فهذا خير من قولكم -يعني ما قالوا سابقا-؛ لأنه قد علم أن كل ما جاء من عند غير الله، لابد أن يختلف ويتناقض. وما جاء من عند الله لا يتناقض، كما قال تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾. وأما دعوى الضرورة -الضرورة- فمن ادعى الضرورة في شيء دون شيء، مع تماثلهما، الفرق بينهما في نفس الأمر، كانت دعواه مردودة، بل كذبا. فإن وجود العلم الضروري بشيء دون شيء، لا بد أن يكون لفرق إما في المعلوم، وإما في العالم، أو في العالم. وإلا فإذا قدر تساوي المعلومات وتساوي حال العالم بها، لم يعلم بالضرورة أحد المتماثلين دون الآخر. وهذا كذلك وجه آخر، يريد أن يبين أن لازم قولهم هو أنه لا فرق بين ما يأتي به النبي ويأتي به الساحر والكاهن، وهكذا كذلك الرجل الصالح. لازمه أنه لا تناقض فيما يؤتى من عند غير الله. وهذا باطل. بل أخبرنا ربنا جل وعلا أن من أظهر علامات أهل الباطل أنه متناقض، ويكون فيه الاختلاف. وهذا هو الذي لا يمكن أن يجحده أحد. قال: الخامس: أنه لا بد أن تكون الآية التي للنبي أمرا مختصا بالأنبياء. فإن الدليل مستلزم للمدلول عليه. فآية النبي هي دليل صدقه وعلامة صدقه وبرهان صدقه. فلا توجد قط إلا مستلزمة لصدقه. وقد ادعوا أن آيات صدقهم تكون منفكة عن صدقهم، تكون لساحر وكاهن ورجل صالح، ولمدعي الإلهية. ولكن لا تكون لمن يكذب في دعوى النبوة. فجوزوا وجود الدليل مع عدم المدلول عليه، إلا إذا ادعى المدلول عليه كاذبا. واستدلوا على ذلك بأن الساعة تخرق عندها خوارق، ولا تدل على صدق أحد. ولو ادعى مدعي النبوة مع تلك الخوارق، لدلت. قالوا: فعلم أن جنس ما هو معجز يوجد بدون صدق -كأنهم يريدون الإشارة إلى المسيح الدجال- فهو دجال ومع ذلك تظهر على يديه خوارق. والجواب عن هذا: بأن هذا مما أذن الله عز وجل بوقوعه لحكمة، وهي حكمة الابتلاء والامتحان. وليس أن مثله ممكن قبل وجوده أبدا. ولو كان مثله ممكن قبل وجوده، إذن لصار الامتحان والابتلاء موجودا قبل وجود المسيح الدجال. وهذا ليس بصحيح. بل كل الأدلة التي وردت في أخبار المسيح الدجال تؤكد أن مثله لا يوجد قبل وجوده. فعلم أن قولهم باطل، وأن استدلالهم وقياسهم ليس بصحيح. قالوا: فعلم أن جنس ما هو معجز يوجد بدون صدق النبي، لكن مع دعوة النبوة لا يوجد إلا مع الصدق. والآية عندهم الدعوة والخارق والصدق هو المدلول عليه. فلا يكون ذلك كذلك إلا مع هذا. وأما وجود الخارق مجردا عن الدعوة، فليس بدليل. ولا فرق عندهم بين خارق وخارق، وخارق معتاد عند قوم دون قوم. وليس لهم ضابط في العادة. ومر معنا أنهم لا يفرقون بين الخارق أن يكون خارقا معتادا ولو عند قوم دون قوم، أو أنه ليس معتادا؛ لأنهم يزعمون أن مثله ممكن أن يؤتى به عند الساحر والكاهن والرجل الصالح. وهذا باطل، ليس بصحيح. وهذه كلها أوجه عقلية، مع تضمنها لبعض الأدلة الشرعية؛ لأن القوم لهم أتباع، وقد اغتر بهم أناس قد لا يقبلون الأدلة الشرعية مجردة. فاضطر علماء الإسلام والسنة أن يردوا عليهم بشيء من الأدلة العقلية والإلزامات النظرية، مع ما يكون معها من الأدلة الشرعية. قال رحمه الله: ولسائل أن يقول: جميع ما يفعله الله من الآيات في العالم، فهو دليل على صدق الأنبياء ومستلزم له. وإن كانت الآيات معتادة لجنس الأنبياء، أو لجنس الصالحين الذين يتبعون الأنبياء، فهي مستلزمة لصدق مدعي النبوة. فإنها إذا لم تكن إلا لنبي أو من يتبعه، لزم أن يكون من أحد القسمين. والكاذب في دعوى النبوة ليس واحدا منها. فالتابع للأنبياء الصالح لا يكذب في دعوى النبوة قط، ولا يدعيها إلا وهو صادق، كالأنبياء المتبعين لشرع موسى. فإذا كان آية نبي إحياء الله الموتى، لم يمتنع أن يحيي الله الموتى لنبي آخر، أو لمن يتبع الأنبياء، كما قد أحيا الميت لغير واحد من الأنبياء، ومن اتبعهم. وكان ذلك آية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوة من قبله. إذا كان إحياء الموتى مختصا بالأنبياء وأتباعهم. وكذلك ما يفعله الله من الآيات والعقوبات لمكذبي الرسل، كتغريق فرعون، وإهلاك قوم عاد بالريح الصرصر العاتية، وإهلاك قوم صالح بالصيحة، وغير ذلك. فإن هذا جنس لم يعذب به إلا من كذب الرسل، فهو دليل على صدق الرسل. وقد يميت الله بعض الناس بأنواع معتادة من البأس، كالطواعين ونحوها. لكن هذا معتاد لغير مكذب الرسل. أما ما عذب الله به مكذب الرسل، فمختص بهم. ولهذا كان من آيات الله، كما قال: ﴿وآتينا ثمودا ناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾. وكذلك ما يحدثه من أشراط الساعة، كظهور الدجال، ويأجوج ومأجوج، وظهور الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، بل والنفخ في الصور، وغير ذلك. هو من آيات الأنبياء، أخبروا به قبل أن يكون. فكذبهم المكذبون. فإذا ظهر بعد مئين أو ألوف من السنين، كما أخبروا به، كان هذا من آيات صدقهم. ولم يكن هذا إلا لنبي أو لمن يخبر عن نبي. والخبر عن النبي هو خبر النبي. ولهذا كان وجود ما أخبر به الرسول من المستقبلات من آيات نبوته، إذا ظهر المخبر به، كما كان أخبر به فيما مضى، وعرف صدقه فيما أخبر به. وإذا كان هذا، وهذا لا يمكن أن يخبر به إلا نبي أو من أخذ عن نبي، وهو لم يأخذ عن أحد من الأنبياء شيئا، فدل على نبوته. ولهذا يحتج الله له في القرآن بذلك، كما قد بسط في غير هذا الموضع. وأخبار الكهان فيها كذب كثير، والكاهن قد عرف أنه يكذب كثيرا مع فجوره. قال تعالى: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾. والكهانة جنس معروف، ومعروف أن الكاهن يتلقى عن الشيطان، ولا بد من كذبهم وفجورهم. والنبي لا يكذب قط، ولا يكون إلا برا تقيا. فالفرق بينهما ثابت في نفس صفاتهما وأفعالهما وآياتهما. ولا يقول عاقل: إن مجرد ما يفعله الكاهن هو دليل، إن اقترن بصادق، وليس بدليل إذا لم يقترن بصادق، وأنه متدعاه كاذب لم يظهر على يده. وهذا أيضا باطل. وهذا الذي ذكره رحمه الله كله صحيح، وهو ظاهر، إلا مسألة كون الرجل الصالح آيته ربما تكون كآية النبي. فهذا عند التحقيق ليس بصحيح. بل ولو ظهر بعض الآيات مما ظهر جنسها على يد الأنبياء، فجاء مثل جنسها عند من ليس بنبي من الصالحين من أتباع الأنبياء، فإنها لا تظهر كظهور آيتها عند النبي. بل لا تكون متماثلة من كل الوجوه، لابد وأن يكون فيها شيء من القصر. فإن آية الأنبياء كما سبق تكون على وجه الإعجاز. وأما ما يقع على يد الرجل الصالح، فإنه لا يكون على وجه الإعجاز، وإنما لما سبق من أحد الأمرين. وكذلك لا تكون مماثلة لها من كل الوجوه، لا تكون مماثلة لها من كل الوجوه. بل بعضها لا يمكن أن يؤتى بمثلها، حتى لمتبعي الأنبياء من الصالحين، لا يمكن؛ لأنها من خصائص الأنبياء. وإلا للزم عدم التفريق بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء. وهذا ما يفعله وما يظنه القبورية وغلاة المتصوفة. فإنهم يزعمون أنه لا فرق بين كرامات الأولياء وآيات الأنبياء، بل ربما ادعى مدعي منهم أن كرامات الأولياء فاقت آيات الأنبياء. حتى أنهم زعموا أن علوم الأنبياء وآياتهم وقفت في ساحل بحر خاض فيه أولئك الأولياء. وهذا باطل. بل هذا من أسباب كفرهم وردتهم والعياذ بالله. قال رحمه الله: يظهر الوجه السادس، وهو أنه قد ادعى جماعة من الكذابين النبوة، وأتوا بخوارق من جنس خوارق الكهان والسحرة، ولم يعارضهم أحد بذلك المكان والزمان، وكانوا كذابين -يعني لم تنفعهم تلك الكهانة ولذلك السحر-. قال: فبطل قولهم: إن الكذاب إذا أتى بمثل خوارق السحرة والكهان، فلابد أن يمنعه أحد ذلك الخارق، أو يقيض له من يعارضه. وهذا كالأسود العنسي الذي ادعى النبوة باليمن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، واستولى على اليمن، وكان معه شيطان، وكان يخبر بأشياء غائبة من جنس أخبار الكهان. ومع ذلك لم يعارضه أحد، وعرف كذبه بوجوه متعددة، وظهر من كذبه وفجوره ما ذكره الله بقوله: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم﴾. ولم يقتل إلا بعد ذلك. فهل هذا دليل على أنه نبي على قاعدة المعتزلة؟ يلزم أنه نبي؛ لأنه لم يعارض في نفس الوقت. وكذلك مسيلمة الكذاب، وكذلك الحارث الدمشقي، ومكحول الحلبي، وبابا الرومي -لعنة الله عليهم- وغير هؤلاء. وهؤلاء مدعوا نبوة في أزمنة متنوعة وأمكنة مختلفة. قال: وغير هؤلاء كانت معهم شياطين، كما هي مع السحرة والكهان. ومع ذلك لم يدع أحد أنهم أتوا بما أتى الأنبياء، بل هم لم يخرجوا عن كونهم كذابين مفترين. نقف إلى هنا، ونترك الباقي إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم. سائل يقول: يبيع بعض أصحاب خفر السواحل بعض المعدات البحرية، مثل قوارب وغيرها، ويدعون أنها لأصحاب المخدرات أو التهريب اللاجئين، أو لتهريب الأسلحة، أو غير ذلك، وأنها صودرت عليهم. فهل يجوز الشراء منهم؟ إذا علم أنها لهذه الفئات الثلاث، وما حكم ما جهل مصدره؟ إذا تيقنت أنه لأهل الإفساد، فلا بأس بشرائه؛ فهذا من العقوبة الجائزة على أمثال هؤلاء. وللحاكم أو من ينوبه أن يفعل مثل ذلك. وأما إذا لم تعلم مصدره، أو اختلط عليك الأمر والتبس، فلا تشتر؛ خصوصا إذا علمت أنه قد يقع بعض ذلك من الغصب وأخذ أموال الناس بالباطل. فإذا التبس عليك الأمر، فلا تشتر. سائل يقول: بعض الناس يقول: إن العلماء لم يحثوا على حفظ المتون، كالأصول الثلاثة والقواعد الأربعة وغيرها، وإنما حثوا على حفظ الأحاديث. وبعض المتون التي فيها قواعد، مثل الأجرومية وغيرها. فهل هذا صحيح؟ لا، ليس بصحيح. لكن أنت لم تطلع، أو هذا المدعي لهذا القول لم يطلع على كلام العلماء. وإلا لو يطلع لوجد حفظهم في حفظ كتب المتون، كالأصول الثلاثة والقواعد الأربعة، كتاب التوحيد، ونحوها من كتب العقائد، كالواسطية ونحوها. بل حفظ هذا أولى من حفظ الأجرومية؛ لأنه شيء يتعلق بالعقائد. وحفظ المتون يعين طالب العلم جدا في ضبط المسائل؛ فإن أصول المسائل تثبت بحفظ متونها. فأنت تستطيع أن تنطلق من حفظ المثل إلى مباحث كثيرة. لكن إذا نسيت الأصل، ما تستطيع، ولو كنت قد درست الكتاب مرات وكرات؛ لأنك تحتاج إلى أصل تنطلق منه في شرحك وفي محاضرتك وفي درسك وفي نصيحتك وغير ذلك. ولذلك تجد الطالب المبتدئ الذي لم يستوعب معلومات كثيرة، يعجزه أمر الكلام والتحديث وغير ذلك؛ لأنه لا يستحضر أصولا ينطلق منها. لكن غيره على خلاف ذلك. حفظ ما تيسر من القرآن والسنة والمتون العلمية وكلام أهل العلم، فمن ذلك ينطلق. والله تعالى أعلم.