الدرس في كتاب العتق 1، كتاب العتق . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام العتق في الإسلام ومعناه وأحكامه، مشيرًا إلى أن الإسلام حث على العتق من خلال أبواب متعددة مثل فضائل العتق والكفارات. كما يبين أن الإسلام يقر الرق الذي ثبت بأصل صحيح ويحسن معاملة الرقيق.
يناقش هذا الفصل حكم الرق في الإسلام والتعامل مع الأسرى، موضحًا أن الإسلام يراعي مصلحة المسلمين والكفار في هذا الشأن. يشير إلى أن الأسر والاسترقاق قد يكون منفعة للإسلام والمسلمين وللأسرى أنفسهم، مع التشديد على فضل عتق الرقاب خاصة النساء.
يتناول هذا الفصل أهمية عتق الرقاب في الإسلام، حيث يبين تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم لأمر العتق في قلوب الصحابة. يشير إلى الأحاديث التي تدل على فضل عتق الرقاب وأنواعها وأحكامها، مثل جواز العتق بشرط وعتق ذي الرحم المحرم.
يختتم هذا الفصل الدرس مع الإشارة إلى تأجيل بعض الأسئلة إلى الدرس اللاحق، ويشكر المشاهدين ويشير إلى المترجمة، مما يعطي إشارة لاستمرارية الدروس والمتابعة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب العتق. قال: أفضل الرقاب أنفسها، ويجوز العتق بشرط الخدمة ونحوها. ومن ملك رحمه عتق عليه. ومن مثل بمملوكه فعليه أن يعتقه، وإلا أعتقه الإمام أو الحاكم. ومن أعتق شركا له في عبد ضمن لشركائه نصيبهم بعد التقويم، وإلا عتق نصيبه فقط، واستسعى العبد، ولا يصح شرط الولاء لغير من أعتق. ويجوز التدبير فيعتق بموت مالكه، وإذا احتاج المالك جاز له بيعه. ويجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه، فيصير عند الوفاء حرا، ويعتق منه بقدر ما سلم. وإذا عجز عن تسليم مال الكتابة عاد في الرقي. ومن استولد أمته لم يحلل بيعها، وعتقت بموته أو تنجيزه لعتقها. أورد المؤلف رحمه الله في هذا الكتاب أحكام العتق، وأورده في كتاب البيوع لأنه مما يتعلق به البيع والشراء. فقوله: كتاب العتق، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام العتق، والعتق حكم من الأحكام الشرعية التي تتعلق بالعبيد والإماء، وهم من ملكت رقابهم بالوصف الشرعي في الإسلام. والرق في الإسلام جاء بأحسن معانيه وأرفعها، وهذا باب مما يشوش به أعداء هذا الدين بالشبهات على أهل هذا الدين، فيزعمون أن دين الإسلام يدعو إلى ظلم الناس واستعبادهم واسترقاقهم، وهذا من الظلم والجور على هذا الدين العظيم. بل دين الإسلام دعا في هذه القضية إلى أعلى مقامات العدل والإنصاف، الذي هو وسط بين من أفرط وفرط في هذه القضية. وينبغي قبل الخوض في هذه المسألة أن ننظر إليها باعتبارات تستخلص في ثلاثة نظرات. النظرة الأولى: أن حكم الرق كان في الإسلام في وقت كان الرق موجودا في سائر البلاد والبقاع، فلم يكن هذا من خصائص هذا الدين، بل هو موجود في سائر الأديان وعند سائر الناس من جميع أهل الملل. والأمر الثاني: أن هذا الدين جاء بالإنصاف والعدل في هذه القضية، فأغلق جميع أبواب الرق الباطلة، وأقر الأبواب العادلة، وهذا من عدل هذا الدين. فمثلا أسباب الرق عند الكفار كثيرة، منها ما يكون في الحروب، وطبعا إذا كان في الحروب فهو بحق وبغير حق وبدون ضوابط ولا شروط. ومنها ما يكون بالسبي، وهو ما يكون بالغزو. ومنها ما يكون بالدين، ربما يسترق الإنسان أو يسترق أحد قرابته بسبب الدين. ومنها ما يكون بالخطف الاختطاف. ومنها ما يكون بالسرقة. ومنها ما يكون بالبيع والشراء، وليس في كل ذلك ضابط يضبطه أو حد يحده. أما أسباب الرق في الإسلام فهي قليلة مضيقة، وليس بالإسلام رق إلا بأحد سببين اثنين. السبب الأول: الكافر الحربي المأسور، حتى يعتق، فإنه إذا أسر الكافر في الحرب فإنه يصير رقيقا. ومع ذلك فالإسلام حث على العتق كما سيأتي. والسبب الثاني الذي أقر الإسلام فيه الرق، وهو من العدل والإنصاف وعدم إضاعة حقوق الخلق، فالأول الكافر الحربي المأسور، وهو عدل في مقابل ما كان يعامل به الكفار أهل الإسلام. فإن الكفار كذلك إذا قاتلوا المسلمين وأخذوا منهم أحد أسروه واسترقوه. ومن يذكر لنا قصة قريبة مرت بنا في هذا المعنى؟ نعم، قصة خبيب ومن معه ممن أرسله النبي عليه الصلاة والسلام، الذين أسرهم الكفار، فإنهم أسروهم وباعوهم وباعوهم لمن يقتلهم. وبينما أهل الإسلام إذا استرقوا الكافر أحسنوا إليه، فمنهم من يعتق في أرض المعركة بالإحسان إليه، ومنهم من يعتق بعد وصوله إلى ديار الإسلام، وغير ذلك مما هو معروف في مواضع من السيرة. وأما السبب الثاني، فإن الإسلام يقر الرق الذي ثبت بأصل صحيح، فمن كان رقيقا برق صحيح وبقي على رقه فأدركه الإسلام وهو رقيق، فإنه يقر على ذاك الرق، لأن هذا من حقوق الناس التي تعامل بها الناس. ومع ذلك فالإسلام يحث على العتق. وهذه النظرة الثالثة: أن الإسلام حث على العتق من أبواب كثيرة، كما سيأتي معنا إن شاء الله تفصيله في تفاصيل هذا الكتاب. بينما في ميزان الكفار ليس كذلك. فمثلا حث الإسلام على العتق بذكر فضائل العتق، كما سيأتي معنا في الأحاديث الكثيرة التي جاءت في فضل من أعتق رقبة مسلمة. وفي هذا حد للكافر أن يسلم، وفي هذا خير له، وحتى الكافر يحسن إليه بالعتق، فربما كان هذا من تأليفي ودعوتي للإسلام. ولكن عتق المسلم والمؤمن أفضل ومقدم. والمعنى الثاني من أبواب العتق في الإسلام مواضع كثيرة من الكفارات جعلت في أحكام هذا الدين العظيم في عتق الرقاب، وهذا باب آخر عظيم من أبواب العتق، وليس لهذا نظير ولا مثال عند الأمم الأخرى. وهذه خصيصة ومزية. والمعنى الثالث كذلك أمر الإسلام بعتق من آذى أحدا من الرقيق، حتى ولو كان كافرا، وسيأتي معنى فصل في هذا. فالأذية للرقيق بالاعتداء عليه في جسده سبب للعتق، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في من لطم عبده أنه يعتق عليه. وهكذا باب آخر من أبواب الحث على العتق، أن الإسلام يأمر بل يلزم بعتق كل من ملك ذا رحم منه. وهكذا كذلك من أبواب العتق العتق بالتبعيض لمن كان له جزء وشراكة في عبد، فأعتق بعضه، فيلزم في ذلك العتق في البعض الآخر. وغير ذلك من الأبواب الأخرى التي تدل على إنصاف هذا الدين في هذه المسألة التي شوش بها أعداء هذا الدين. وأمر آخر مع ذلك كله، فالإسلام يدعو إلى حفظ الحقوق والكرامة لهؤلاء الذين لهم حكم الرق في الإسلام. حتى أن الإسلام أمر أن يكرم كما يكرم المرء نفسه، فضلا عن تحريم الاعتداء عليه بقول أو فعل. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر من كان له مملوك أن يطعمه ويقوته مما يطعم ويقوت، وأن لا يكلفه من العمل ما لا يطيق. وجاء في حديث آخر، والحديث صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى هؤلاء الرقيق إخوة، أي المسلمون منهم. قال: فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من الأعمال ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم. والحديث بالصحيحين، حتى روي أن أبا ذر رضي الله عنه كان يرى عليه حلة وعلى غلامه حلة، ويرى راكبا ويرى غلامه راكبا، فيقال له في ذلك، فيذكر لهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فأين مثل هذا في دين من الأديان أو أمة من الأمم؟ وهذا من الإنصاف في هذه القضية. وتأتي هنا مسألة: هل الرق انتهى في هذا الزمان؟ الجواب: حكم الرق بالمعنيين السابقين لا ينتهي إذا وجد. فإذا وقع حرب بين مسلمين وكفار وتحت راية الإمام المسلم، فأسر الكافر، فإن أهل الإسلام وولي أمر المسلمين ينظر الأصلح في حق هؤلاء الكفار المأسورين، مما دلت عليه الأدلة مما يراعي فيه الأصلح. تارة يكون الأصلح بقتل المحاربين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود ومع بعض المشركين. وتارة يكون الأصلح بالفداء بأسر المسلمين. وتارة يكون الأصلح بالمني بالعفو إذا كان في هذا كذلك الصلاح للإسلام والمسلمين، أو فيه معنى من معاني الخدعة في الحرب أو غير ذلك. وقد يكون كذلك الأصلح أن ينتفع من هؤث هؤلاء المأسورين بما يكون فيه منفعة للمسلمين. وهكذا من ذلك أنه قد كذلك يسترقهم على هذا الحكم من الأحكام في حق الأسارى. وهذا الحكم فيه صالح لهؤلاء الكفار. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يعجب من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل، وذلك أنهم يؤسرون فيدخلون إلى بلاد الإسلام مأسورين، فيرون الإسلام من قرب، فيحبونه ويرغبون فيه، فيدفعهم ذلك للدخول في دين الإسلام، وهذا أفضل لهم مما هم فيه من حياة الكفر. مع ما يحفظ الإسلام لهم من كرامتهم بالضوابط التي سبقت الإشارة إليها. وهذا العدل خير من الكذب والدجل والظلم والجور الذي يحصل مع الادعاء الكاذب بأن الكفار هم أهل العدالة وأهل الإنصاف. وغير ذلك من العبارات التي كلها من الدجل ومن الكذب والمخالفة للحقيقة والواقع. فإن الحروب المعاصرة مليئة باختطاف الأبرياء العزل الذين لم يشاركوا في حروب، ولا حظ لهم في الحروب، فضلا عن من يشارك في تلك الحروب. فقد ذكرت الإحصائيات الموثقة من بعض الجهات الرسمية، ومنها ما يسمى بإحصائيات الأمم المتحدة، أنه يحصل اختطاف في كل سنة ما يعادل ثمانمائة ألف نسمة بين أطفال ونساء في العالم. وهذا عدد ليس بقليل. ولما ذكرت مواضع هذه الاختطافات ذكر منها بلدان الحروب، فإن البلدان التي يكثر فيها الحروب تكثر فيها الاختطافات، وهذا كثير. ومن فتح هذا العنوان وعمل بحثا في الشبكة العنكبوتية الانترنت سيجد العجائب من الأخبار التي بتواريخ متعددة في شيء من هذه الإحصائيات. سواء في مواضع الحروب القريبة كالعراق والصومال وشبه الجزيرة الهندية، وهكذا مواضع من الأمريكيتين ومواضع أخرى من آسيا، أو إلى بعض الحروب البعيدة التي كانت في أزمنة ليست ببعيدة جدا في الحرب العالمية الأولى والثانية. مع ما فيه من إهانة واستغلال بشع في هذه الأنفس التي تختطف، وغير ذلك ما يقع من البلدان الفقيرة إلى يومنا هذا. فقد ذكرت دول في القائمة الأولى التي يحصل لها مع معنى ذلك من الاختطافات. وهؤلاء يتاجرون في العالم ولهم تجار، وهم تجار بني آدم. فمنهم من يقتل وتباع أعضاؤه، وهذا موجود في بلدان كثيرة. ومنهم من يتاجر في طريق الرذيلة، يتاجر به في طريق الرذيلة. وأمثال هؤلاء كثر في دول شتى. ومن أشهر تلك الدول التي يحصل فيها مثل هذه الاعتداءات والاختطافات ما ذكر في الإحصائيات من تايلند، وهكذا من الهند، ومن روسيا، أي أجزاء منها، ومواضع أخرى كثيرة. ومنهم من يتاجر بهم في تجارة التبني، ومنهم من يتخذون للجيوش، فيكونون زادا من زاد الجيوش ممن هو لا تعرف له هوية. ومنهم من يتخذ لتلك المنظمات والجهات الخفية التي تستعمل لأنواع أعمال التخريب، تدعمها الدول وتحت غير مسمى دولة معينة. جيوش سرية أكثر نشأتها من أمثال هؤلاء الذين يؤخذون وهم مجهول الجهات. وقد ذكر لي بعض الإخوان في أندونيسيا حين حصلت سونامي، فإنه لم يأت الإنقاذ إلا بعد أيام، وأول ما نزل من طائرات كانت طائرات لبعض جهات الكفار. وأول ما أخذت أخذت النساء والأطفال، وأكثرهم من الأطفال، أخذوا من جزر أتشه وما كان حولها، ولا يدرى لهم مصير إلى يومنا هذا. ومن فتح وعمل بحث سيجد من ذلك الشيء الكثير. فأين مثل هذا مع من يدعي أنه يحافظ على كرامة الإنسان؟ وأعظم من ذلك تلك الحروب التي تبث هنا وهناك حتى صار البشر محل التجارب الحربية والأسلحة الفتاكة بأنواعها، أسلحة كيماوية أو كذلك نووية أو غير ذلك. فبمثل هذا الاعتبار الواقع الحقيقي مع تلك الادعاءات التي يدعيها الكفار، تعرف عند ذلك معنى تلك الدعايات التي يشوش بها الكفار وبعض أفراقهم من المنافقين جهلا وظلما وجورا. فهذه كلمات مختصرة في هذا الموضوع الذي أكثر فيه بعض الكفار من التشويش على المسلمين. قال رحمه الله تعالى: أفضل الرقاب أنفسها، ويجوز العتق بشرط الخدمة ونواها. يشير بهذا رحمه الله، كما أشار في الشرح إلى أن الإسلام حث على عتق الرقاب، وأنه حث على عتق الأنفس من هذه الرقاب. فكلما كانت الرقبة أنفس، كان العتق أفضل، وذلك لما فيه من النفع للإسلام والمسلمين. وأشار في الشرح إلى عدد من الأحاديث في ذلك في فضل العتق. وهذا يؤكد ما سبقت الإشارة إليه في المقدمة. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله له بكل عضو منها عضوا منه من النار، حتى فرجه بفرجه. وفي رواية مسلم: بكل إرب منه إربا من النار، يعني وبكل جزء منه جزءا من النار، حتى أنه ينجو بفرجه بعضقه لذاك العبد بكل عضو من أعضائه. وهكذا جاء من حديث بريدة رضي الله عنه وأرضاه. وأشار إلى أنه جاء عن عدد من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أي مملوك مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار، يجزى بكل عضو منه عضوا منه. وأي مملوك مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزى بكل عضو منها عضوا منه. وفي هذا حث الإسلام على الاكثار من عتق النساء، فإنه كما يأمر بعتق الرجل، يأمر بعتق امرأتين في مقابل الرجل. وفي هذا إشارة إلى صيانة الإسلام للمرأة حتى وهي في الرق، فإنه يحث على عتقها أكثر من حثه على عتق الرجل. قال: وأي مملوك مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزى بكل عضو منها عضوا منه. وفي لفظ: وأي مملوكة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، تجزى بكل عضو من أعضائها عضوا من أعضائها. وهذا الحديث رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح. وجاء معناه عن عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. فذلك وغيره يدل على حث الإسلام على العتق وعلى أمره كذلك بالمبادرة إلى ذلك، ولو حتى بالمشاركة. لأنه قال: بكل عضو منه عضوا منه. وسيأتي معنا الأحاديث التي تدل على جواز ومشروعية العتق بالمشاركة. فإذا لم يستطع المسلم أن يعتق لوحده، فليشترك مع آخرين، ولا يحرم نفسه من الفضل، فيعتق ما تيسر من الرقاب. ومما يدل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظم في قلوب الصحابة أمر العتق، أنه قرن بعض الأذكار في فضلها بفضل عتق كذا وكذا من الرقاب. مما يدل أن هذا كان من الأعمال الصالحة في زمنهم رضي الله عنهم أرضاهم. وذكر رحمه الله مما يدل على فضل العتق وعتق الأنفس، ما جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله. قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا. وفي هذا دليل على الحث على عتق الأثمن والأنفس والأفضل من الرقاب. وهذا تأكيد لما سبق في حث الإسلام على العتق. وهذا الحكم كما ترون في هذا الحديث لا يقتصر على ذكر المسلم، لكن المسلم أفضل ومقدم. أولا لكرامة الإسلام وتفضيله لصاحبه. وثانيا حثا للكافر على أن يدخل في الإسلام، ولو لأجل العتق، فإنه يدخل أولا للدنيا، فإذا دخل فيه فإنه يخالط بشاشته قلبه، فيكون عند ذلك محبا له. وهذا من باب تأليف الكفار. ومع ذلك فالإسلام يقر بعدق الكفار. وكما مر معنا في السيرة وفي السنة من ذلك الشيء الكثير، بعمومات الأدلة ومقصوصها. ومن ذلك هذا الحديث العام: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا. وهذا يشمل النفس الكافرة والمسلمة. وهكذا كذلك حتى في بعض الآيات جاء ذكر عتق رقبة مطلقة، وفي بعضها ذكر عتق رقبة مؤمنة. وقد اختلف أهل العلم: هل تلك المطلقة مقيدة بتلك المقيدة أم لا؟ على أقوال ثلاثة مشهورة عند الفقهاء وأهل الحديث والتفسير. وأرجحها التفصيل. ومن التفصيل: أنه يجوز عتق الكافر عند عدم وجود المسلم، والمسلم أفضل، والمسلم أفضل، خصوصا في المواضع التي ذكر فيها إطلاق العتق، ثم ذكر رحمه الله تعالى من مسائل هذا الكتاب قوله رحمه الله: جواز العتق بشرط. يعني أن الإسلام من زيادة حثه على العتق، لم يجعل من له حاجة في عبد من منفع قليل أو كثير ذلك عائقا له من العتق. بل أجاز العتق وحث عليه، ولو كان بشرط. ودليله ما جاء عند أحمد وغيره بإسناد حسن في قصة عتق أم سلمة لخادمها سفينة، فإنه أعتقته رضي الله عنها وأرضاها، واشترطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ما عاش. أي ما عاش سفينة وما عاش النبي صلى الله عليه وسلم، فكان كما اشترطت عليه رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. وهذا الحديث كما أشار إليه في الشرح حديث حسن. وسعيد بن جهمان الأسلمي وإن كان صدوقا له أوهام، إلا أن هذا مما نص العلماء أنه ليس من أوهامه، وأنه حديث صحيح صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد تلقاه العلماء بالقبول، فدل ذلك على أن من أراد أن يعتق عبدا وله معه حاجة، فيجوز أن يعتقه ويشترط عليه مثلا: يقول له أنت حر إلا أني أطلب منك أن تخدمني في المسألة الفلانية. وهذا جائز، ولا ينافي ذلك العتق. وكل هذا حتى لا يكون ذلك عائقا من العتق، ففي هذا حث وباب آخر في الحث على العتق. وقال رحمه الله: ومن ملك رحمه عتق عليه. كذلك من أبواب حث الإسلام على العتق، أن كل من ملك ذا رحم فإنه يعتق عليه. ودليله ما جاء فيما أشار إليه بالشرح من حديث الحسن عن سمرة عند أحمد وأبي داود وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ملك ذا رحم محرم فهو حر. وفي لفظ للإمام أحمد: فهو عتيق، يعني كذلك حر. ورواية الحسن عن سمرة فيها كلام تقدمت الإشارة إليه، إلا أن هذا الحديث له شواهد كثيرة جعلت عددا من أهل العلم يحسنه ويستدل به، فهو حديث متلقى بالقبول. فقد روي من حديث ابن عمر نحو حديث الحسن عن سمرة، ولكن حصل فيه خطأ جاء من طريق ضمرة بن ربيع الرملي عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنه نحو حديث الحسن عن سمرة. لكن ذكر الحفاظ أن هذا الحديث خطأ أخطأ فيه ضمرة بن ربيع الرملي، وإن كان أحد الثقات فقد أخطأ في هذا الحديث. والصواب أن الحديث إنما جاء في بيع الولاء وهبته، كما نص على ذلك البيهقي رحمه الله. وهذا فيه فائدة في علم المصطلح، وما يتعلق بمبحث الشاذ، خاصة من أن الشذوذ لا ينحصر بالمخالفة، ولكنه قد يكون كذلك بالتفرد. فهنا ضمرة بن ربيع الرملي تفرد بهذا اللفظ، ونص الحفاظ أنه خطأ مع أنه أحد الثقات، فرد بذلك الحديث. حتى أن الإمام أحمد رحمه الله كان يقول عن ضمرة بن ربيع الرملي: أنه رجل صالح، وأنه أحد الثقات، وأنه كذلك من المأمونين، وأنه كذلك أفضل من بقية. فكان بقية يحدث عن كل أحد، وأما هو يعني لا يحدث إلا عن من تقبل روايته. ومع ذلك لما ذكر له هذا الحديث أنكره ورده ردا شديدا، حتى قال: لو قال رجل إن هذا كذب لما أخطأ، يعني لشدة الخطأ الذي وقع في هذا الحديث. الشاهد: هذا الحديث جاء وصححه بعض أهل العلم من هذا الطريق ولم يصح، لكنه صح من حديث سمرة لما أيد من موقوفات عن عمر وعلي وجماعة ومراسيل وغيرها. فدل هذا على أن من ملك ذا رحم فإنه يعتق عليه شاء أم أبا، وهذا باب من أبواب العتق. وقد اختلف العلماء: من هو صاحب الرحم الذي يعتق؟ فقال بعضهم: إنما هو الأصول والفروع، يعني الأبناء وأبناءهم والآباء والأمهات وآباءهم وأمهاتهم. وقال بعضهم: بل يشمل كل قرابة بعيدة وقريبة. والصواب في ذلك: أن الضابط في هذا هو وجود علاقة الرحم، وهو النسب. وقال العلماء: ضابطه أن كل من إذا قدر أحدهما أنت والآخر ذكر لم يصح نكاحه، فإنه من صاحب المحرم الذي يحرم عليه إلا بالرضاع. إلا ما كان بالرضاع فلا يدخل في هذا الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ملك ذا رحم محرم، والرحم إنما يكون بالنسب لا بالرضاع. فدل الحديث على باب آخر من هذا المعنى. وقد أشار الإمام الشوكاني رحمه الله إلى ما يؤيد هذا، إلى ما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لا يجد والد عن ولده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه. وهذا الحديث في الحقيقة يدل على تأكيد هذه المسألة لا على نفيها، وهذا هو الصحيح. وما أشار إليه من كلام الظاهرية، ومن أشار إليهم في الكلام بالشرح، فليس كذلك. بل الصواب أن الحديث أيد هذا المعنى لا ينفيه. نكتفي هذه الليلة بهذا القدر، ونترك الباقي إلى درس اللاحق. وهذه الأسئلة نؤجلها إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم. شكرا على المشاهدة. ترجمة نانسي قنقر.