كتاب العتق  2

كتاب العتق 2

الدرس في كتاب العتق 2، تابع كتاب العتق . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الاعتداء على المملوك والعقوبة المترتبة عليه

تناول الشيخ أحكام من اعتدى على مملوكه وضربه، واستدل بالأحاديث النبوية على وجوب عتق المملوك في حالة الاعتداء عليه. واختلف أهل العلم في دور الإمام أو الحاكم في تنفيذ ذلك.

أحكام عتق العبيد والشركاء وآثارها

إذا أعتق أحد الشركاء في العبد نصيبه، يعتق العبد كله ويلزم الشريك المعتق دفع قيمة نصيب باقي الشركاء إن كان موسرا، أو يستسعي العبد إن كان معسرا. ولا يصح شرط الولاء لغير من أعتق.

مشروعية المكاتبة وتطبيقاتها العملية

دلت قصة عائشة وبريرة على مشروعية عقد المكاتبة وأنه يتم على التفصيل المتفق عليه. حيث ساعدت عائشة بريرة على دفع المبلغ المتبقي لتحرر، مما يدل على جواز هذا العقد وفق الشروط المتفق عليها.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ثم لما سبق، مر معنا في الدرس السابق ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسائل تتعلق بهذا الكتاب، كتاب العتق، وكان آخر ما أخذناه ما ذكره رحمه الله تعالى من أن من ملك رحمه عتق عليه. ثم قال رحمه الله تعالى: ومن مثل بمملوكه فعليه أن يعتقه، وإلا أعتقه الإمام أو الحاكم. وهذا باب آخر كذلك من الأبواب التي فيها العتق، وهذا من خصائص الإسلام، فقد جعل هذا الدين العظيم هذا الباب سببا آخر في إدخال العتق على الرقيق. وأشار بالشرح لبعض الأحاديث الواردة في ذلك، منها ما جاء بصحيح مسلم عن عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه». انظر إلى هذا الحكم في هذا الدين العظيم، وإلى حال الأحرار مع الكفار، فضلا عن الرقيق. كيف يصنع بالأحرار مع الكفار قديما وحديثا إلى يومنا هذا؟ ماذا تصنع تلك الشعوب الباغية حين تدخل إلى بلادي الشعوب الضعيفة من مسلمين أو غير مسلمين؟ كيف تبغي الفساد؟ وكذلك تتسلط على الناس تسلطا عظيما وهم أحرار، وأما إذا كانوا رقيق فهو أشد. ومن تتبع تاريخ الرق في بلاد الكفر، وهذا إلى سنوات ليست ببعيدة، وهو ما يسمى بالقرون الوسطى، يرى فيها العجائب. وهذا ما دونا وكتب وحفظ، وأما ما لم تعرفه الكتب والمدونات فهو أشد وأشد. فالشاهد من هذا في هذا سماحة هذا الدين، وبيان لحقيقة ذاك الظلم والعدوان والكذب والزور الذي يرمى به هذا الدين وأهله في مسألة الرق. وليس هذا في أمة من الأمم، حتى من تدعي العدالة في هذا العصر، فإنها عدالة زائفة كاذبة، لأنهم لم يطبقوا مثل هذا، ولم يكن هذا في الحسبان مع الأحرار، فضلا أن يكون مع العبيد. وهكذا أشار الشارح رحمه الله إلى حديث سويد بن مقر، قال: كنا بني مقر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس لنا إلا خادمة واحدة، فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اعتقوها». وفي رواية: «إذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها». وهذا كذلك يؤكد ما أشار إليه رحمه الله، وهو حكم متفق عليه من أن من اعتدى على من تحت يده من الرقيق، فإنه يعتق عليه. وأشار كذلك إلى حديث أبي مسعود البدري، وهو كذلك في صحيح مسلم، قال: كنت أضرب غلاما بالصوت، فسمعت صوتا من خلفي، وهذا الصوت أنه كان يقول: «أبا مسعود، أبا مسعود». النبي صلى الله عليه وسلم يناديه من بعيد. قال: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أقدر منك على هذا الغلام». تهديد ووعيد. قال: قلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله تعالى. ويدل على فضل هذا الصحابي، ولا يسلم الإنسان مما قد لا يصل به إلى الكمال، ومع ذلك ربما ظن أنه يجاز من أخطأ. ولكن بيّن له النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا لا يحل، فقال: «لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار». وهو يدل كذلك على وجوب هذا الأمر، وأنه ليس لأجل الفضل والصدقة يعتق، ولكنه كفارة كما أشار رحمه الله: كفارة من آذى مملوكه أن يعتقه. وفي حديث ابن عمر التصريح بأن الاعتداء من اللطم، فما هو أعلى منه. «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه». وأما قوله رحمه الله: «وإلا اعتقه الإمام والحاكم»، يعني إذا لم يعتقه السيد، فإن الإمام والحاكم يعتقه. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة، والصحيح فيها التفصيل: أن الاعتداء إذا ظهر أثره على العبد، فإن الحاكم يعتق هذا المعتدى عليه. أولا لأنه كفارة، وثانيا حماية له أن لا يعتد عليه مرة أخرى. وأما إذا لم يظهر أثره، فقال بعض أهل العلم: يكون واجبا على هذا الرجل، لكن لا يلزمه الإمام حتى إذا ظهر وثبت عنده اعتداء هذا السيد، لأنه قد ينكر ذلك وقد يجحد، ولا أثر للضرب على هذا العبد. ويدل عليه الحديث الذي أشار إليه رحمه الله، فيما رواه الإمام الحاكم وغيره من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في رجل يقال له زنباع أبو روح، وجد غلاما مع جاريته، يعني يزن بها أو يريد أن يزن بها، فاشتد غضبه، فقطع مذاكير هذا الغلام، يعني من شدة الغضب انتقم منه في الموضع الذي اعتدى فيه. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فطلب فلم يكن، يعني كما ذكر، قال: أنه قال: «علي بالرجل فطلب فلم يقدر عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فأنت حر». وهل يقتص من السيد إذا اعتدى عليه بما يكون في مثله القصاص مع الحر؟ الصحيح أنه يقتص منه لعموم قول الله عز وجل: ﴿وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ﴾، النفس بالنفس، والعين بالعين، والأذن بالأذن، والأنف بالأنف، فكل عضو بعضوه، حتى الجروح فيها قصاص. فإذا كان هذا فإنه عام في حق الحر وفي حق العبد، هذا هو الصحيح، وسيأتي إن شاء الله تفصيله والكلام عليه فيما يتعلق أو فيما سيأتي إن شاء الله في الكلام على الحدود والقصاص. ثم قال رحمه الله تعالى: أما قوله الإمام أو الحاكم، يريد يعني الإمام العام أو الإمام الأصغر ممن له ولاية صغرى، كالأمير ونحوه، ولو كان هذا الحاكم يعني القاضي مثلا، فمن له سلطة فهو الذي ينفذ ذلك. ثم قال رحمه الله: ومن أعتق شركا له في عبد ضمن لشركائه نصيبهم بعد التقويم، وإلا عتق نصيبه فقط أو استسعى العبد. وهذا باب آخر كذلك من الأبواب التي فيها إدخال العتق على الرقيق، أن من أعتق شركا له في عبد عتق العبد كله، وضمن هذا المعتق الباقي للشركاء. مثلا مجموعة من الإخوة، زيد وعمر وخالد، عندهم عبد واحد ورثوه عن أبيهم، فأعتق زيد من الإخوة هذا العبد، قال: أنا أعتقت نصيبي فيك، أنت حر في نصيبي. فهنا جعل الشرع أن هذا العتق عتق للباقي، باقي الشركاء يرجع على هذا المعتق الذي هو زيد، فيقال له: أنت اعتقت هذا العبد، ادفع نصيبنا. إن سامحوا لا إشكال، إن قالوا: أنت حر، نحن أولى بهذا الخير، فلا إشكال. لكن الإشكال لو قال الشركاء: نحن ما نرضى، نحن نحتاج إلى مال أو نحتاج إلى عملك. فهنا يرجع هؤلاء إلى هذا الشريك، فيقال له: أنت اعتقت هذا العبد، فعليك أن تدفع لنا قيمته. فلو كان مثلا بمئة ألف، أو نقول بتسعين ألف، فيدفع الستين للاثنين، هذا إذا كان موسرا عنده مال. فإن كان معسرا ليس عنده مال، كيف الحل؟ قال العلماء: يستسعي، يعني يطلب العبد من يعينه في إكمال الباقي. ويدل على ذلك السنة، وقد أشار إلى بعض الأحاديث في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعتق شركا له في عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما عتق». وهذا ظاهر في التفصيل الذي سمعناه قبل قليل، فمن كان له شركا من أعتق شركا له في عبد، يعني له نصيب وشراكة في عبد ما، وكان له مال يبلغ ثمن العبد، عنده مال كثير يساوي قيمة العبد كاملا، قوم العبد عليه قيمة عدل، هو أعتق فقط الجزء، لكن لأنه ليس له الحق في ذلك إلا بعد أن يشاور شركاءه، ولم يشاورهم، فيتحمل تبعة هذا التصرف. فلذلك يقوم عليه قيمة العبد، وعليه إلزاما أن يدفع لبقية الشركاء، والعبد حر. فإن لم يكن عنده مال، فإنه عند ذلك يعتق من العبد ما عتق، الثلث مثلا، في المثال الذي سمعناه الثلث، فإذن يعتق من العبد الثلث، ويبقى نصيب بقية الشركاء الثلثين، يذهب العبد يستسعي، يطلب من يعينه في ذلك. ودليل هذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في حديث أبي هريرة في الصحيحين، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من أعتق شقصا» والشقص النصيب والجزء من مملوك «فعليه خلاصه في ماله». ومعنى «فعليه خلاصه في ماله»: يعني يلزم أن يدفع لبقية الشركاء من ماله، لأنه تصرف بغير إذنهم، فيتحمل تبعة ذلك. فإن لم يكن له مال، يقول عليه الصلاة والسلام: «فإن لم يكن له مال، قوّم المملوك قيمة عدل، ثم استسعى في نصيب الذي لم يعتق، غير مشقوق عليه». يعني معناه: صار الباقي يذهب ويستسعي، ولا يشق عليه، لأنه قد عتق وعتق برضاء، وليس في هذا معنى مما ينبغي أن يكون معه الإشقاق عليه. والحديث في الصحيحين كما أشار إليه الشارح المؤلف في شرحه رحمه الله. وأشار في الشرح إلى الجمع بين حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة، بالرواية الأخرى: أن من أعتق شركا له في عبد، ولا مال له، لم يعتق إلا نصيبه، ويبقى نصيب شريكه مملوكا. فإن اختار العبد أن يستسعي بما بقي استسعى، وإلا كان بعضه حرا وبعضه عبدا. وهذا اللفظ الذي أشار إليه معناه صحيح، لكن بالتفصيل الذي تقدم، بالتفصيل الذي تقدم. وليس معناه أنه لا يعتق، وإن كان عليه أن يدفع الباقي، فهو ملزم بدفع الباقي إما من جهده وإما من إعانة من يعينه في ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: ولا يصح شرط الولاء لغير من أعتق. وهذه مسألة أخرى من مسائل العتق، فإن من أعتق إنسانا كان له بما كان من أعتق بما كان من عتاقته حق، هذا الحق يسمى الولاء، والولاء تكون به أحكام، سيأتي إن شاء الله الإشارة إليها في باب المواريث. لأن المعتق إذا لم يكن له ورثة، يرثه من أعتقه، يرثه من أعتقه بمنة العتق، صار له حق الإرث. ولما كان قد يقع خلاف إذا كان المعتق غير المالك، الآن عندنا رجل مثلا من الناس عنده عبد، زيد عنده عبد اسمه خالد، وجاء رجل ثالث عمر، أعتق خالد الذي هو لزيد. فقال لزيد: تبيع لي خالد؟ قال: نعم. لماذا تبيعه تشتر، قال: أريد أن أعققه. فقال له: أنا سأبيعه لك بشرط أن يكون الولاء لي. فهل مثل هذا الشرط يصلح؟ الصحيح: لا يصلح. وهذا الذي وقع في قصة عائشة رضي الله عنها، وأشار إليه بالشرح، فيما جاء في الصحيحين عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في قصة بريرة، حين اشترط أهلها أن يكون الولاء لهم. وقد طلبت بريرة من عائشة أن تعينها على عتقها، لأنها كاتبت أي بريرة أولياءها على أن يعتقوها. وسيأتي الكلام على المكاتبة إن شاء الله. فالشاهد: لما قالوا ما قالوا، وليس لهم حق أن يطلبوا الولاء، وهم لم يفعلوا شيئا من الإحسان والمعروف مع هذه الأمة، والمشاركة في العتق، حتى يكون لهم نصيب في الولاء. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر في الحديث: «من اشترط شرطا ليس بكتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط». والحديث فيه قصة طويلة، أشار إليها رحمه الله على وجه الاختصار: أن عائشة رضي الله عنها أرادت أن تعين بريرة في كتابتها، يعني في عقد المكاتبة، وسيأتي الكلام عليه. فإن المكاتب هو من يكون له طلب في الحرية، فيريد ذلك، فيقول له أولياءه: ادفع لنا كذا وكذا، فإذا فعلت فأنت حر. فيدفع البعض، ويبقى البعض، فيذهب يطلب معان للبعض الآخر. فمن عانه في هذا البعض الآخر كان له حق الولاء. فالشاهد: اشترطت عائشة رضي الله عنها أن يكون الولاء لها، فقالت: ارجعي لأهلك، فإن أحبوا ونقضي عنك كتابتك، ويكون ولاؤك لي، فعلت. فذكرت بريرة ذلك لأهلها، فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، يعني تعتقك بدون أن يكون الولاء لهم أو لك، بل يكون الولاء لنا نحن. يريدون أنهم هم الذين سمحوا بالمكاتبة، فذكرت ذلك عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق». ثم قام عليه الصلاة والسلام، فقال: «ما بالو ناس اشترطوا شروطا ليست في كتاب الله؟» أو «ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط، شرط الله أحق وأوثق». والحديث له طرق كثيرة وروايات متعددة. فالشاهد من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الولاء لمن أعتق، وكما دل عليه الدليل، فهو كذلك يقتضيه التعليل، لأن المحسن هو الذي أعان في العتق، وليس الذي سمح بالمكاتبة. لأن الذي سمح بالمكاتبة أخذ مقابل الإحسان، ماذا؟ ما هو مقابل الإحسان؟ ها. لا، المكاتب الذي كاتب عبده على المكاتبة، ماذا أخذ مقابل الإحسان؟ المال، أخذ المال، ليس بالمجان، ليس بالمجان عمل عقد المكاتبة، وإنما أخذ مقابل المكاتبة المال. فلما أخذ بمقابل المكاتب المال، لم يكن له معنى العتق، فلم يصح أن يكون له الولاء. ولكن من أعان هذا المكاتب بما أنفق وتصدق، هو الذي يستحق الولاء. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق». فإنما الولاء لمن أعتق. وفي هذا الحديث مسائل كثيرة، لكن المقصود هنا الإشارة إلى هذا الحكم الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله. ثم قال رحمه الله تعالى: ويجوز التدبير فيعتق بموت مالكه، وإذا احتاج المالك جاز له بيعه. ويجوز مكاتبة المملوك. طيب، أولا التدبير، فمن أحكام العتق كذلك حكم التدبير. ومعنى التدبير: أن يقول السيد لعبده: أنت حر عن دبر، أو أنت معتق عن دبر. ومعنى: إذا مت فأنت معتق. والمراد بالدبر: آخر الحياة، فدبر الشيء آخر الشيء. وكان هذا عرفا جرى قبل الإسلام، فأقره الإسلام وزاد في أحكامه. كان هذا الحكم قبل الإسلام، وجاء الإسلام فأقره وزاد في أحكامه، وجعل له شيئا من التفاصيل التي احتاج لأجلها أن يذكر العلماء أحكامها في كتب الحديث والفقه. من هذه الأحكام: إقرار أولا هذا الحكم، وأنه من التصرفات النافذة الجائزة. ومن هذه الأحكام كذلك: أن هذا الحكم يثبت بشروطه. ومن شروطه: أهلية المتصرف. ومن هذه الأحكام كذلك: أنه يجوز الرجوع في ذلك عند الاضطرار، وليس هو من الهبة. فكان في هذا تمام العدل، من حصول الإحسان عند غير الضرورة، وجواز الرجوع عنه عند الضرورة، فصار فيه عدل للجهتين. ودليل ما أشار إليه المؤلف رحمه الله: ما ذكره بالشرح في حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين: أن رجلا أعتق غلاما عن دبر، يعني إلى آخر حياته يخدمه، فإذا مات فهو حر. ثم احتاج بعد ذلك حتى اجتمع الغرماء على هذا السيد، يعني المالك للعبد، فلم يجدوا ما يأخذون منه إلا هذا العبد المعتق عن دبر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به، فقال: «من يشتريه مني؟» يعني لأجل أن يسدد به ما عليه من دين للناس. وهذا الحديث كما ترون في الصحيحين، وفيه هذا المعنى. ثم أشار رحمه الله تعالى كذلك إلى مسألة أخرى: ويجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه، فيصير عند الوفاء حرا، ويعتق منه بقدر ما سلم. وإذا عجز عن تسليم مال الكتابة، عاد في الرق. وعقد المكاتبة عقد دل عليه دليل الكتاب والسنة، وأشار في الشرح إلى ذلك. قال الله عز وجل: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. والصحيح: أن هذا للوجوب، فلا يجوز الامتناع من عقد المكاتبة مع العبد إذا كان فيه خير. وأعظم الخير الإسلام، بل يجب أن يكاتب لأنه حق له، وهو لم يطلبه بدون مقابل، بل طلبه بمقابل. والمقابل: أجر، ثمن المثل، المقابل: ثمن المثل. يعني هذا على أعلى الأحوال، وإن سامح وإن سامح فهو لنفسه، وصدقه على نفسه. يعني من السيد إذا أحسن فهو خير لنفسه، يقدمه بين يدي الله عز وجل، ينتفع به. بل قال الله عز وجل: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾. وأول من يدخل في هذا الخطاب السيد، يعني يجوز أن يعطى المكاتب من الزكاة على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. لأنه من المعسرين الذين استحقوا الإعانة من الزكاة، فيعان من قبل السيد ومن غير السيد. وصحت في هذا أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أشار إلى بعضها في الشرح رحمه الله تعالى. ومن هذه الأحاديث ما أشار إليه من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية الحر، وما بقي دية العبد». وحديث كذلك: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم». وكل هذا فيه أولا: إثبات عقد المكاتبة. وعقد المكاتبة دل عليه كذلك حديث بريرة المتقدم في الصحيحين، في قصة عائشة رضي الله عنها معها. فإن بريرة كاتبت أهلها، فدفعت لهم بعضا، وطلبت من عائشة أن تعينها على البعض الآخر. فدفعت لها عائشة رضي الله عنها تكملة ما يتم به أمر المكاتبة، فتكون به حرة. وكل هذا يدل على مشروعية عقد المكاتبة، وأنه يتم على التفصيل الذي سمعنا. نكتفي هذا اليوم بهذا القدر، وما بقي نكمل بدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.