الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 81، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
اتفق العلماء على استحباب كتابة المصحف بإتقان مع النقط والشكل لصيانته من اللحن، خلافاً للقرون الأولى. كما حرّموا كتابته بالنجاسات وكرهوا كتابة آياته على الجدران اعتباراً لهزء بكتاب الله.
يؤكد المقطع أن القرآن أنزل للتلاوة والتدبر لا للتزيين، وينهى عن كتابته على الأطعمة أو الأخشاب للرقية. ويبين أن إتلاف المصاحف البالية يكون بالحرق أو الدفن صيانة لحرمته، مع تكفير من أهانه عمداً في القاذورات.
يؤكد المقطع وجوب تعظيم المصحف واتفاق المسلمين على صيانته، مبيناً أن إلقاؤه في القاذورات عمداً كفر مع عذر الجاهل. وينهى عن اتخاذه وسادة أو إدخاله الخلاء أو مد الرجل إليه أو تخطيه أو جعله سترة أو وضع كتب فوقه أو فتح صفحاته بالبصاق، وينفي استحباب القيام له عند تقديمه.
ينصح المتحدث بالامتناع عن الفعل المذكور إن أمكن، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. ثم يختم المجلس بالدعاء للجميع والحمد لله.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله: فصل، اتفق العلماء على استحباب كتابة المصحف وتحسين كتابتها وتبيينها وإيضاحها وتحقيق الخط دون مشقة وتعليقه. قال العلماء: استحب نقط المصحف وشكله؛ فإنه صيانة من اللحن فيه والتصحيف. نعم، أولا: كما ذكر المصنف رحمه الله، اتفق العلماء على استحباب كتابة المصحف وتحسين هذه الكتابة وتبيينها وإيضاحها، فهو كلام رب العالمين سبحانه وتعالى، أنزله الله عز وجل هدى ونورا، وجعله حجة، وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ، بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد. ويقول سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، وهذا يقول الله: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾. لهذا كما ذكر المصنف يستحب كتابة ونشره وإتقان هذه الكتابة وإيضاحها. قال العلماء: يستحب نقط المصحف وشكله. نعم، تنقيط الكلمات وتشكيلها تصون المصحف من اللحن والتصحيف. قالوا: أما كراهة النقط، فإنما كرهوه في ذلك الزمن خوفا من التغيير فيه، وقد أمن ذلك اليوم فلا منع. قال: ولا يمتنع من ذلك لكونه محدثا؛ فإنه من المحدثات الحسنة فلم يمنع منه، كنظائره مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك، والله أعلم. إنما أخذ الصدر الأول المصاحف من النقط والشكل حتى تكون الكلمة محتملة لوجوه القراءات، يعني يكون صورة الرسم محتملا للقراءتين، يعني: هل هي بالياء أو بالتاء؟ هل هي بالضم أو بالفتح؟ قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾، في قراءة: ﴿ فَتَثَبَّتُوا ﴾، فتبينوا لم يكتبوا عليها النقط؛ لأن منهم من يقرأها: فتثبتوا. وهكذا ننشزها وننشرها، فهكذا حتى يعلم اتساع اللغة العربية وأن القرآن نزل بذلك. فهكذا ذكر العلماء أن الصدر الأول إنما تركوا النقط لأجل ذلك. قال رحمه الله: ولا يمتنع من ذلك لكونه محدثا. هذا ليس من الإحداث في الدين بمعنى من العبادات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما هو وسيلة الوصول إلى المقصود، فهذه من المصالح المرسلة، وليس من الابتداع في الدين الذي هو مردود ومذموم في عقيدة أو في قول أو في فعل أو في حال، كما صنف العلماء المصنفات وبنوا الرباطات والمدارس إلى غير ذلك. قال رحمه الله: فصل، لا تجوز كتابة القرآن بشيء نجس. نعم، هذا أمر لا يجوز، بل من تعمد ذلك فإنه والعياذ بالله قد يقع في الكفر. وأعمال السحرة والمشعوذين ظاهرة في ذلك؛ لأنهم كفرة بالله سبحانه وتعالى، يستعينون بالشياطين ويخدمون الشياطين ويستمتعون بالشيطان، والشيطان يستمتع بهم، فهم يكتبون القرآن والعياذ بالله بدم النجاسات كدم الحيض ودم الكلاب، وبالغائط والعذرات. فلا يجوز كتابة القرآن في شيء نجس، ومن فعل ذلك متعمدا وصورة الإهانة فإنه يعتبر كافرا بالله سبحانه وتعالى؛ لأن الإيمان مبناه على التعظيم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾. وهذا فيه من الاستهزاء ما هو واضح، والله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾. قال رحمه الله: وتكره... ايش عندكم؟ وتكره في نسختنا، وتارة لا. صوابه: وتكره كتابته على الجدران. عندنا قال: وفيه مذهب عطاء الذي قدمناه... ايش قال عطاء رحمه الله؟ قال عطاء: لا بأس بكتب القرآن في قبلة المسجد. لا، الراجح المنع من كتابة القرآن على الجدر. فالله سبحانه وتعالى ما أنزل القرآن ليزين به الجدر، ولا ليكون رسوما ونقوشا، وإنما كما هو معلوم أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن لأجل أن يتلى، ولأجل أن يتدبر، ولأجل أن يعمل به، ولأجل أن يكون قائدا إلى الله سبحانه وتعالى ودستورا للمسلمين في جميع مجالات حياتهم. أما أنه يزين به الجدر فهذا من الإحداث في الدين، وهذا فيه نوع امتهان للقرآن. فرب جدار قد ملأ بالرسومات وملأ بالنقوشات، ويوضع بجواره آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى. وهكذا يتفننون فيجعلون هذه الكتابات على شكل طيور أو أشكال قناديل أو شيء من ذلك. وهكذا ما يفعل في بيوت الله سبحانه وتعالى حيث تزين قبلة المسجد وتزين جدرانه وسقوفه بهذه الآيات. لا شك أن هذا من الإحداث. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». ويقول صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت بتشييد المساجد». ويقول: «لا تزخرفوها». ويقول ابن عباس: «كما زخرفت اليهود والنصارى». فهذا أمر حرام لا يجوز، فيه تشبه بعداء الإسلام من اليهود والنصارى الذين اعتنوا عناية فائقة بتنقيش وتزيين ووضع الرسومات في الكنائس والمعابد. أما بيوت الله سبحانه وتعالى فينبغي أن تكون خالية من كل ما يشغل المصلين، اقتداء بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم في مسجده، فإن مسجده كان خاليا من ذلك، وهكذا أمر صلى الله عليه وسلم باجتناب ذلك. قال رحمه الله: وقد قدمنا أنه إذا كتب على الأطعمة فلا بأس بأكلها. أصلا كتابة القرآن على الأطعمة لا دليل عليه. وإذا أرادوا أن يجعلوا هذا الطعام رقية، ماء ويقرأ عليه، أو طعاما ويكتب فيه، فهذا لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام، هو هديه أكمل الهدي وخير الهدي وأحسن الهدي، وهو الذي أنزل الله عز وجل عليه: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ﴾، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾. ومع هذا ما فعل ذلك ولم يرشد إليه. قال: وأنه إذا كتب على خشبة كره إحراقها. لا دليل على كتابة المصحف على خشبة لأجل الرقية. أما كتابة المصحف على خشبة لأجل القراءة أو لأجل حفظ هذه الآيات فهذا لا بأس، كما فعل الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كتبوا القرآن على الرقاع وعلى عسب النخل وعلى... يعني الحجارة الرقاق. أما أنه يكتب يعني على الحجارة على سبيل الرقية فهذا أمر يعني غير مشروع. وإذا كتب لغرض صحيح على أخشاب أو على جلود أو على أوراق، وخشية من امتهانه فلا بأس أن يحرق أو يمزق ويدفن. إما أن يحرق أو أنه يمزق ويدفن، كما فعل ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه مع المصاحف الأخرى، فإنه أمر ببقية المصاحف أن تحرق. فأوراق القرآن، وهكذا كتب العلم المحترمة التي فيها ذكر لله سبحانه وتعالى، طريقة إتلافها يكون بالإحراق أو بالتمزيق مع الإتلاف التام حتى لا يبقى شيء من ذكر الله سبحانه وتعالى. وبعضهم يفعل الدفن، يأتي إلى مكان بعيد من طريق الناس فيدفن هذه الأوراق المحترمة. هذا فعله جماعة من السلف ويفعلون ذلك صيانة لكلام الله من الامتهان. قال رحمه الله: قال فصل، أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه. قال أصحابنا وغيرهم: ولو ألقاه مسلم في القاذورات، في القاذورات عندكم والعياذ بالله، صار الملق كافرا. قال: ويحرم توسده، بل توسد أحد كتب العلم حرام. نعم، أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه. القرآن عظيم من عظمة من تكلم به وقال به. القرآن شريف وعظيم لعظمة من تكلم به، فهو كتاب عظيم كما وصفه الله عز وجل في كتابه الكريم. ومن عظمته قوله سبحانه وتعالى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾. وهكذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ﴾. ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾، يعني هذا فيه دلالة على تعظيم كلام الله سبحانه وتعالى. فقال: أجمع المسلمون على وجوب صيانة المصحف واحترامه. قال أصحابنا وغيرهم: لو ألقاه مسلم في القاذورات والعياذ بالله صار الملقي كافرا. نعم، هذا الفعل بظاهره يعتبر إهانة واستهتارا بكلام الله سبحانه وتعالى. هذا هو الأصل، هذا هو الأصل: ما يلقي المسلم أو ما يلقي الإنسان المصحف في القاذورات والزبالة إلا إذا كان مستهترا ومهينا له. لكن لو قدر أن وجد مسلم جاهل يعني يفعل هذا جهلا، فهذا لا يكفر بسبب جهله، وهذا قد يوجد من بعض الصبيان أو بعض النساء الجهلة أو بعض الرجال الجهلة، يجد ورقة فيها شيء من القرآن فيرمي بها في الموضع الذي ترمى فيه الزبالة، ولا يقصد بذلك الإهانة ولا الاستهتار، فلا يكفر بذلك لأنه لم يقصد الإهانة ولا الاستهتار. لكن الغالب أن من يفعل ذلك مع تيقظه ومع انتباهه وعلمه أن يكون ناشئا عن نفاق أو عن استهتار وإهانة لكتاب الله سبحانه وتعالى، فيكون ذلك كفرا والعياذ بالله. قال رحمه الله: قال ويحرم توسده، بل توسد أحد كتب العلم حرام. هذا فيه سوء أدب، يتوسد المصحف في إهانة وسوء أدب مع كلام الله سبحانه وتعالى. وقد تفنن الأعداء، وقد امتلأت قلوبهم حقدا وغيظا على الإسلام والمسلمين، تفننوا في إهانة كلام الله سبحانه وتعالى وإهانة لفظ الجلالة، فتجدون في أنواع من الصناعات يضعون لفظ الجلالة والعياذ بالله إما في أسافل النعال أو على النعال أو على الملابس الداخلية أو الخارجية، وهكذا بأشكال مزرية. فهذا كله حرام بل كفر والعياذ بالله. قال: ويحرم توسده، يعني أن يجعله وسادة، هذا لا يجوز، هذه إهانة لكتاب الله سبحانه وتعالى. إذا كانت كتب العلم التي تشتمل على ذكر لا يجوز توسدها، فكيف بكلام الله سبحانه وتعالى؟ قال رحمه الله: ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قدم به عليه؛ لأن القيام مستحب للفضلاء من العلماء والأخيار، فالمصحف أولى. وقد قررت دلائل السلام في جمعه في التعليق. هذا لا دليل عليه أنه إذا أتي بالمصحف يقوم، هذا لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن من هدي السلف. وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف. قالوا: وروينا... ويصلح روينا في مسند الداودي... بإسناد صحيح عن ابن أبي مليكة... ما اسمه ابن أبي مليكة؟ عن ابن أبي مليكة ما اسمه؟ ابن أبي مليكة: عبد الله بن عبيد الله. ما حسنت أن عكرمة... من أبي جهل رضي الله عنه كان يضع المصحف على وجهه ويقول: كتاب ربي، كتاب ربي. الله أعلم بحال هذا. على كل، أن يجب تعظيم المصحف، فلا يجوز توسده. وهكذا نبه العلماء على أنه لا ينبغي إدخاله على بيت الخلاء إلا للضرورة، وهكذا لا ينبغي مد الرجل إليه، وهكذا لا ينبغي تخطيه، وهكذا لا ينبغي أن يجعل سترة للمصلي، وهكذا لا ينبغي أن توضع كتب أخرى غير القرآن فوق القرآن. هذا مما لا ينبغي، أن يوضع كتاب فوق كتاب الله سبحانه وتعالى. وهكذا مما نبه عليه العلماء أن لا تفتح أوراقه بالبصاق، يسعل بعضهم بالبصاق ليفتح أوراق المصحف. نبه بعض العلماء على أن هذا لا ينبغي، على أن هذا لا ينبغي. فالبصاق مستقذر، فأنت لو أخرجت شيئا من البصاق وقلت لزميلك: سآدلك به على وجهك، لنفر لأنه يرى أن هذا البصاق مستقذر. فمن استطاع أن لا يفعل ذلك فهذا أفضل وأولى. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر