الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 82، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يشرح المقطع حكم السفر بالمصحف إلى أرض العدو مبيناً أن النهي معلل بخشية امتهان الكفار له، والجمهور يمنعون ذلك مع الخوف ويجوز مع الأمن. كما يستعرض تحريم بيع المصحف للذمي وخلاف الشافعية في صحة البيع والراجح عدم صحته لمنع تمكين الكافر منه.
يحرم على المجنون والصبي غير المميز حمل المصحف خشية امتهانه، ويمنع بيع كتب العلم للكفار لنفس السبب. وتقبيل المصحف لم يرد به دليل والأولى تركه، ويجوز وضعه على الأرض المفروشة للحاجة مع الكراهة لغير ضرورة.
يناقش المقطع أدلة الآية والحديث في منع المحدث من مس المصحف مبيناً أن الراجح الجواز والأصل عدم وجود دليل على المنع. ويفصل المذهب القائل بالتحريم في مس المصحف وما في حكمه من جلد وغلاف وحكم تصفح المحدث بعود أو ثوب مع تفصيل الخلاف.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعش العدني رحمه الله تعالى. الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي ما يتعلق باستحباب كتابة المصحف وتحسين الكتابة. هنا كلمة: "دون مشكه"، وتعليقه: "المشكه"؛ خلق الحروف التي ينبغي تفريقها. ثم قال رحمه الله: "فصل: تحرم المسافرة إلى أرض... ها، أيش عندك بالمصحف؟ نعم، ما عندنا مصحف. طيب. قال: تحرم المسافرة بالمصحف إلى أرض العدو إذا خيف وقوعه في أيديهم"، للحديث المشهور في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. نعم، هذه المسألة الأولى: وهي حرمة المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو. وإذا كان القوم الذين سيسافرون سرية صغيرة، أو كانوا عددًا قليلا، فعامة أهل العلم على المنع. وإذا كان الذين سيسافرون بالقرآن جيشًا كبيرًا يأمنون من وقوع المصحف في أيدي العدو، ففيه خلاف بين أهل العلم: منهم من منع مطلقًا كالإمام مالك، يقول: ولو كان الجيش كبيرًا فيمنع حمل المصحف. ومنهم من فصل كالحنفية. ومنهم من أدار المسألة على الخوف والأمن، كما هو المشهور عند الشافعية. فالحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، متفق عليه من حديث ابن عمر. وفي لفظ لمسلم: "خشية أن يناله العدو"، خشية أن يناله العدو. فإذا ناله العدو فإنهم يمتهنونه ويحتقرونه، وقد يفعلون به ما لا يليق، فلذلك جاء النهي. فإذا كانت هذه علة النهي، علق هذا، ذهب بعض العلماء إلى أنه مع الأمن على المصحف من الإهانة لا بأس أن يذهب به إلى أرض العدو، إلى الكفار، إذا أمنت هذه العلة، وهي: الوقوع في أيدي العدو، وحصول الإهانة والامتهان، فلا بأس لأجل غرض الدعوة والتبليغ. وهكذا مدارسة القرآن وتعلم أحكامه؛ قد احتاج هؤلاء المقاتلون إلى أن يصحبوا معهم المصحف لأجل أن يقرؤوه، ولأجل أن يتدارسوا أحكامه، وأن يتدبروا ما فيه. وهذا القول هو الراجح: أنه مع الأمن من وقوعه في أيدي العدو العابث اللاعب الحاقد، فلا بأس بأخذه. ما هو الدليل؟ العلة: خشية أن يناله العدو، خشية أن يناله العدو. إما أن يكون الجيش كبيرًا، أو بينهم وبين العدو عهود ومواثيق لا يتمكنون من أخذ هذا المصحف والعبث به، ففي هذه الحالة فلا بأس. قال رحمه الله: "ويحرم بيع المصحف من الذمي، فإن باعه ففي صحة البيع قولان للشافعي، أصحهما: لا يصح، والثاني: يصح ويؤمر في الحال بإزالة ملكه عنه". أولا: لا خلاف بين أهل العلم في تحريم بيع المصحف للكافر، هكذا نقل بعضهم عدم الخلاف. والظاهر أن القول عند الحنفية: حل الكراهة، أنه يكره. ولكن كما ذكر المصنف الخلاف: هل يصح لو وقع؟ ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا؟ قال: "فإن باعه ففي صحة البيع قولان للشافعي". الأول: لا يصح، وهذا مذهب الحنابلة، وهو قول عند المالكية: أنه لو وقع البيع فلا يصح. واستدل بما تقدم بالحديث: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو خشية أن يناله العدو"، فالحديث صريح في عدم تمكين الكافر من المصحف. وأيضًا لقول الله عز وجل: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، قالوا: فامتلاك الكافر للمصحف فيه شيء من الإهانة للمصحف. وأيضًا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، فلأجل هذا لا يصح هذا البيع. قال: "والثاني: يصح ويؤمر في الحال بإزالة ملكه عنه"، وهذا مذهب الحنفية، وهو المشهور عند المالكية. قال رحمه الله: "فالذي يظهر أن القول الأول هو الأقرب، أنه إذا وقع البيع أنه يرد". "ويمنع المجنون والصبي الذي لا يميز من حمل المصحف مخافة من انتهاك حرمته، وهذا المنع واجب على الولي وغيره ممن يراه يتعرض لحمله". نعم، لأن لا يعبث به ويلعب ويهينه. وهكذا اختلف أهل العلم في حكم بيع كتب العلم للكافر، فكثير من العلماء على المنع؛ لألا يؤدي إلى امتهان هذه الآيات وهذه الأحاديث وما فيه ذكر لله سبحانه وتعالى. منعوا من بيع كتب العلم الشرعي المحتوية على الآيات والأحاديث وما فيه ذكر لله سبحانه وتعالى. وهكذا، قبل الانتقال إلى الفصل الذي بعده: حكم تقبيل المصحف. أفتى العلماء أنه لا دليل على مشروعية تقبيل المصحف، فلذلك الأولى ترك ذلك؛ لأنه لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن من هدي الصحابة. ما يفعله كثير من العوام: إذا انتهى من قراءة القرآن يأخذ المصحف ويقبله، فهذا لا دليل عليه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا من فعل الصحابة. وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام. كان الصحابة أعظم الناس تعظيما، أكثر الناس تعظيما ومعرفة لكتاب الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك، بعض الناس إذا سقط المصحف يأخذه ويقبله ويرفعه. أفتى علماء أنه لا حرج إذا كان على سبيل التعظيم والاحترام: يكون بيده المصحف فيسقط من يده فيتناوله سريعًا ويقبله تعظيما واحتراما، قالوا: لا بأس. لكن لا دليل على هذا، يعني: لا يصل إلى حد البدعة، ولا يصل إلى حد المشروعية. فإذا فعله يقال: لا حرج. وأما إذا سأل عن الأفضل، فهذا لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا بالنسبة لوضع المصحف على الأرض: إذا كانت الأرض مفروشة بالمثل هذا الموكيت وهذه الفرش، واحتاج الإنسان إلى أن يضع المصحف على الأرض، كان يكون وصل إلى موضع سجود وليس عنده موضع يضع فيه المصحف، فلا بأس أن يضع. لكن الأفضل أن لا يفعل ذلك، يعني: إلا للحاجة، تعظيما لكتاب الله سبحانه وتعالى، ولألا يداس أو يهان أو يتخطى. قال رحمه الله: "فصل: يحرم على المحدث مس المصحف وحمله، سواء حمله بعلاقته أو بغيرها، وسواء مس نفس المكتوب أو الحواشي أو الجلد". أولا: "العلاقة" يعني بكسر العين، علاقة السيف، يعني: المعلق الذي يعلق به. "علاقته" يعني: الشيء الذي يعلق به، مثل المعلق. قال: "وسواء مس نفس المكتوب أو الحواشي". هنا: إذا ما أخوذ من حاشية، بن قاسم: "الحواشي": نواحي الورق الأبيض المتصل به، أو الجلد. قال: "ويحرم مس الخريطة". الخريطة: قال العلماء: شبه الكيس ينسج من أديم أو خرق ونحوها، شبه الكيس ينسج من أديم وخرق ونحوها. قال: "والغلاف والصندوق إذا كان فيهن المصحف". هذا هو المذهب المختار. وقيل: لا تحرم هذه الثلاثة، وهو ضعيف. طيب، أولاً: هذه المسألة: هل يحرم على المحدث حدثًا أصغر؟ من باب أولى صاحب الحدث الأكبر أن يمس المصحف؟ الجواب: فيه قولان مشهوران لأهل العلم. القول الأول، وهو قول جمهور أهل العلم: منع المحدث من مس المصحف حتى يكون على طهارة، سواء كان صاحب الحدث الأكبر أو صاحب الحدث الأصغر. ودليلهم باختصار: آية وحديث. أما الآية: فقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، التي في سورة الواقعة. والحديث: حديث عمرو بن حزم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمس القرآن إلا طاهر». وذهب بعض أهل العلم، هذا القول الثاني، إلى جواز مسه، وأن الأفضل ألا يمسه إلا طاهر. وهذا القول الثاني هو الراجح: جواز مسه من المحدث، وإن كان الأفضل والأولى ألا يمسه إلا من كان طاهرا. أما الجواب عن الآية الكريمة: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فالراجح عند أهل التفسير أن "المطهرون" المراد بهم الملائكة؛ لأن فاعل التطهر ما يقال له "مطهر"، وإنما هو "مطهر" أو "متطهر". أما "مطهر" فيعني: طهره غيره، وهم الملائكة. وهم الملائكة. ثم هذا الكتاب الذي يقول الله سبحانه وتعالى فيه: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، يرجع إلى الكتاب المكنون، في كتاب مكنون، فهو المراد به اللوح المحفوظ الذي عند الله سبحانه وتعالى في السماء، كما في سورة عبس: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٥]، الآيات الواقعة في سورة الواقعة تفسرها الآيات في سورة عبس: في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة، وهم الملائكة. فقوله سبحانه: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لا دليل فيه على منع المحدث من مس القرآن. وأما الحديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، فأولا: هو حديث مرسل، وليس له طريق موصولة صحيحة، والمرسل من قسم الضعيف. ثم على تقدير صحة الحديث، قوله: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، المراد بالطاهر هنا: المسلم. المراد بالطاهر: المسلم. فالمسلم يوصف بأنه طاهر، والكافر يوصف بأنه نجس، أي: النجاسة المعنوية. المسلم يوصف بأنه طاهر، كما في حديث أبي هريرة في تلك القصة: لقي النبي صلى الله عليه وسلم جنبا، قال: فانخنست، فذهبت في بعض طرق المدينة فاغتسلت، ثم جئت، فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك على غير طهارة. قال: «سبحان الله، إن المسلم» وفي رواية: «المؤمن لا ينجس». وأما الكفار فيوصفون بالنجاسة، كما في قول سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. ومما يدل على أن المراد، على تقدير صحة الحديث: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، أي: إلا مسلم، ما جاء في طرق الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، واليمن فيها أهل الكتاب، فقال: «لا يمس القرآن إلا طاهر»، يعني: لا تمكن الكفار من مسه. فيكون الحديث بمعنى حديث ابن عمر الآخر: نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. فالحاصل: أن لو لم يكن عندنا إلا الأصل، ما هو الأصل؟ الأصل هو الجواز: جواز مس المصحف من المحدث، ومن الطاهر، ومن غيره. ومن خرج عن هذا الأصل يحتاج أن يأتي بالدليل، ولا دليل. وهناك بعض الآثار عن بعض السلف في أن لا يمس إلا على طهارة، تحمل هذه الآثار على سبيل الاستحباب: استحب السلف على أن لا يمس القرآن إلا طاهر. ثم جاء في كتب الفقه وحملوا هذه الآثار على سبيل الوجوب، وإلا ليست صريحة في الوجوب، هي عن بعض الصحابة وبعض التابعين. قال رحمه الله هنا: "فرع مسائل بناء على هذا الأصل وهو المنع". نعيد مرة أخرى: قال: "يحرم على المحدث مس المصحف، مس المصحف وحمله، سواء حمله بعلاقته أو بغيرها، وسواء مس نفس المكتوب أو الحواشي". حتى الحاشية فهي مسك المصحف من الطرف الأبيض الذي ليس فيه كتابه، عندهم ممنوع. قال: "أو الحواشي أو الجلد، ولو كان أخذه بجلده". قال: "ويحرم مس الخريطة"، يعني: الكيس الذي فيه المصحف، "والغلاف والصندوق إذا كان داخل صندوق، إذا كان فيهن المصحف". هذا هو المذهب المختار، لشمول اسم المصحف عليه، فقال: "هذا مصحف بما هو"، يعني: ملتفع عليه. قال: "وقيل: لا تحرم هذه الثلاثة". ما هو الدليل لعدم... يعني: النهي ورد عن المس، وهنا ليس هناك مس، لكن الأصل يعني أنه لا بأس. لكن هذه تفاريع. قال: "ولو كتب القرآن في لوح، في حكم المصحف، سواء قل المكتوب أو كثر، حتى لو كان بعض آية، بعض آية كتب، حتى لو كان بعض آية كتب للدراسة، حرم مس اللوح". قال: "فصل: إذا تصفح المحدث، أو الجنب، أو الحائض، أو راق المصحف بعود وشبهه"، يعني: تصفح، يعني: قلب الصفحات وفتشها. قال: "ففي جوازه وجهان لأصحابنا، أظهرهما جوازه، وبه قطع العراقيون من أصحابنا، لأنه غير ماس ولا حامل، لعدم العلة". يعني: قالوا. "الثاني: تحريمه، لأنه يعد حاملا للورقة، والورقة كالجميع". قالوا: "أما إذا لف كم على يده وقلب الورقة فحرام بلا خلاف، وغلط بعض أصحابنا فحكى فيه وجهان، فالصواب القطع بالتحريم، لأن القلب يقع باليد لا بالكم". وتقدم أن أصل مسألة لا دليل عليها على المنع، وهذه تفاريع مفرعة عن الأصل. طيب، نواصل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والحمد لله. اشتركوا في القناة.